"رجل من ساتان" خيّاط يحيك الأثواب ويرتديها ليرقص في السر

الكاتب اللبناني صهيب أيوب ينبش في تاريخ طرابلس الشام والتغيرات التاريخيّة التي شهدتها،عبر حكاية شاب مثليّ تبدأ الرواية بموته وتنتهي بموته.
السبت 2018/12/15
مقتول يتذكر رقصاته السرية

لا يختار الواحد منا اسمه، كحاله مع مدينته، هو يتورّط بها، يولد فيها وتورثه تفاصيلها وآلامها، وتكوّن وعيه بذاته والعالم من حوله، وبعدها يبدأ الصراع بين المدينة وسلطتها وبين نزعة الفرد للاستقلال عنها، لتأتي الرواية كمساحة لاكتشاف هذا الصراع والإضاءة على العلاقة العضوية بين الفرد ومسقط رأسه، هذا الصراع قد ينتهي بتماهي جسد المؤلف مع جسد المدينة، فكلاهما يحمل حكاياته، ويحاول ترك أثر أشدّ على الآخر، وكأن هناك حبلا سرّيا من ذاكرة يصل الاثنين، لا ينقطع إلا بالموت.

صدرت هذا العام للصحافي اللبنانيّ صهيب أيوب روايته الأولى “رجل من ساتان”، والتي يحدثنا فيها عن طرابلس- لبنان والتغيرات التاريخيّة التي شهدتها، عبر حكاية شاب مثليّ تبدأ الرواية بموته وتنتهي بموته، الذي يتكرر مرارا، كأنه جثّة تمشي بين الأحياء، يفقد ذاته تدريجيا حد التلاشي.

أقنعة للنجاة

نقرأ الرواية، الصادرة عن دار نوفل-هاشت أنطوان، بداية بصوت الراوي الميّت، الذي يصف لنا ما يراه وهو غارق بدمائه بعد أن قُتل، وتؤرقه أيدي الشرطة والطبيب الشرعي التي تحمله إلى مثواه، إذ لم يجد حريته إلا في موته، هو الذي لا يرى نفسه كشخص يستحق الشفقة، خصوصا أنه كان دوما يتمرّن على الاختفاء، وهنا تبرز هويّة نبيل المثليّة وعلاقته مع من حوله، فهو خيّاط يحوك الأثواب ويرتديها ليرقص سرا دون أن يراه أحد، أما علناً، فهو يتنكر دوما، كجنديّ، وبائع، وعشيق باريسي، وراو للحكاية ثم كجثة هو يؤدي دوما أدوارا لا تشابهه، أدوار تزيد من الهوة بينه وبين صورته العلنيّة.

نرصد الأقنعة الهشّة للراوي ضمن المدينة منذ بداية علاقته مع والده، المختفي دوما، ثم حكاية أسرته التي تغيّرت أحوالها وتغير زيّه معها، فهو يحوك في كل مرة ما يناسبه، وكلما اتسعت فتوق حياته، ازداد عجز أصابعه عن رتقها ورتق جروحه، إذ قتل صديق له بجانبه، وآخر اختفى، وأمه لا يعرف عنها شيئا إلا صورتها. كل هذه الأحداث تترك أثرها عليه، كما تساهم المدينة أيضا في تمزيقه، فالشغب والقتل العلني والحكايات التي يتهامسها الناس أو تلك الفضائح المرتبطة بالجاه وتغير السلطة، كلها تهدد صورته، وعليه دوما أن يعيد حياكة وجه جديد لذاته.

الرجال مُبعدون في الرواية، لا دور فاعلا لهم، هم مفرطون في رجولتهم، يرحلون أشبه بمغامرين، إما للقتال وإما هربا من ثأر ما، ليتحرك نبيل بين نساء من حوله، نساء قويات كجدته عيّوش، التي حملت مسدس الكولت ووجهته لرأس الضابط حين سألها عن ابنها، ثم قضت أشهرا تبحث عن زوجها الهائم بعيدا.

 "رجل من ساتان" يموت ليصف لنا ما يراه
 "رجل من ساتان" يموت ليصف لنا ما يراه  

ومن هنا يمكن لنا أن نفهم حساسيّة الراوي، الضائع بين دورين، رجل مغامر وامرأة قويّة، لنراه يتمرّن لا فقط على الظهور كرجل بل على نفي نفسه في حفر وأقبية بسبب هشاشة دوره، إذ يطيل الجلوس في مخبئه مع أثوابه وكتبه مروّضا نفسه على الكتمان، يقتات على الفانتازم والشبق السريّ الذي لا حدود له إلا بمخيّلته.

ينقطع الزمن فجأة في الروايّة، لنقرأ عن نبيل بعد عودته من باريس مصابا بالسيدا، بعد حياة مع عشيق “يربطه معه الموت”، ليستقر في طرابلس، حيث نراه خمسينيا، يُشارك مثليين مثله حكايات متخيّلة عن عشاق ومغامرات بائسة في سينمات المدينة وحاراتها الضيقة، أشبه بجماعة محكوم عليها بالاختفاء، محرومين من الظهور والبحث عمن يشبههم، هم ككائنات حكمت عليها المدينة بأن تكون لا مرئية، مجرد أشباح أو شخصيات مارقة تنسب لها كل الفواحش.

أشباح العار

نقرأ في الرواية كيف يمارس العنف الجندري، وكيف يتعلم الرجال أدوارهم، إذ يجب عليهم أن يتقنوا قيادة السيارات واستخدام السلاح، وألا ينهاروا أمام مشاهد القتل.

يترافق هذا “التعلّم” مع سلطّة خفيّة ترسخ أعرافا وحكايات لا بد من تكراراها وحفظها وتبنيها، بوصفها تجسد مفاهيم الذكورة الجمعيّة، تلك التي يمكن حتى للمرأة أن تلعبها، وأن تحافظ إثرها على سطوتها، وهنا نتلمس مأساة عميقة، كأن نقرأ  كيف فُرض على عيوش أن تكون خادمة في صغرها، وكيف نُزع نبيل من والدته غلوريا لأنها قررت الرحيل ومتابعة أحلامها بالغناء، إذ اضطرت إلى ترك ابنها كونه “رجلا” و”سيحمل اسم الأسرة”، فالدور أقسى من الفرد، وينفَى الأخير إن لم يتبناه، أو يتركه خفيا كنبيل، يقبع وحيدا داخل ذاته، يرتدي أثوابه ويتعطر راقصا في السر، منتقما من الجميع.

الرواية غنيّة بالمعلومات التاريخيّة عن مدينة طرابلس سواء على الصعيد الثقافي أو السياسي، ما يتيح لنا أن نتلمس كيف رُسمتْ هويات أشخاصها عبر الأفلام المصرية في سينماتها وموسيقى خماراتها والكتب التي حملتها معها البعثات التبشيرية، هذه الآثار كلها ساهمت في خلق نماذج يمكن لشخوص الرواية والراوي تحديدا تقمصها.

والمثير للاهتمام أن الرواية لا تجعل من المثلية جنسيّة أو البطل المثلي محورا لها، فنحن لا نقرأ فقط معاناة فرد مع هويته، بل نقرأ مدينة تسلخ سكانها وتعجن عرقهم بإسفلتها، فالرواية تبتعد عن صيغة المغامرة والسعي لاكتشاف الذات، بل تلاحق طبقات المدينة وأهلها، وتتسلل إلى أحاديثهم عن أولئك الذين قطنوها ورحلوا مهما كان انتماؤهم، لنرى أنفسنا أمام ثوب نكتشفه خيطا خيطا دون أن نصل إلى نهايته، وكأن أيوب وحسب تصريحات له، يعدنا برواية جديدة، يحكي لنا فيها عن أولئك الذين مرّ ذكرهم خطفا، ولم نعرف منهم سوى أسمائهم.

14