"رجل نزيه" يهدد الأمن القومي الإيراني

كلفة باهظة يسدّدها محمد رسولوف ثمن تجرؤه على تجاوزه الخطوط الحمراء، المرسومة من قبل النظام الإيراني.
الخميس 2019/08/08
رجل نزيه يصارع مجتمعا يتحكم فيه رجال دين فاسدون

“رجل نزيه”.. داخل كل منا، يتعرض يوميا للإغراء، مثلما يتعرض للتهديد. البعض يقبل الجزرة الممدودة إليه، والبعض الآخر يستجيب للعصا. ولكن محمد رسولوف، الذي كتب قصة وأخرج فيلم “الرجل النزيه” وأنتجه، يختار لبطله رضا طريقا آخر، طريقا لا يرسمه هو ولا يرسمه ملالي إيران الغارقين بالفساد، بل يحدّده ويرسمه المشاهد.

ماذا يحدث لـ”رجل نزيه” في مجتمع فاسد.. ثلاثة خيارات مفتوحة يمكن للمشاهد تبني واحد منها.

إما أن يختار رضا، بطل الفيلم، أن يشرب من نهر الفساد، كما شرب بطل توفيق الحكيم من نهر الجنون. أو يتحدى الفساد، ويتحوّل إلى عدوّ للفاسدين، كما فعل مخرج الفيلم، الذي تجرأ وقدم فيلما كشف من خلاله فساد الطبقة الحاكمة، في بلد محكوم من قبل رجال دين منحوا أنفسهم حماية إلهية مقدسة.

الفيلم الذي تجرّأ على خرق المحرمات، وحاز جائزة في مهرجان كان قبل سنتين، كلّف مخرجه إقامة جبرية، تلاها حكم سنة في السجن مع التنفيذ، بتهمة الإساءة لرموز النظام، وفق القرار الصادر عن المحكمة الثورية في طهران الأسبوع الماضي.

كان فيلم المخرج الإيراني محمد رسولوف حاز جائزة فئة “نظرة ما” في الدورة السبعين لمهرجان كان عام 2017. وبعد عودته من كان إلى إيران، صادرت السلطات الأمنية جواز سفره، وحرمته من المشاركة في تصوير أو إخراج أي عمل سينمائي.

وتعرّض المخرج لاحقا للاعتقال عدة مرات من قبل جهاز استخبارات الحرس الثوري، وتم استجوابه في مراكز احتجاز سرية، وفق تصريحات له لمنظمات حقوقية دولية. وتضامن عدد من الممثلين والمخرجين مع المخرج الإيراني الأشهر، وحضروا جلسات المحكمة.

هذه ليست المرة الأولى التي يحصل فيها رسولوف على جائزة من مهرجان كان السينمائي، كان سبق له أن حصل عام 2011 على نفس الجائزة عن فيلمه “إلى اللقاء”. وسلمت الجائزة حينها غيابيا، لأنه كان ممنوعا من مغادرة إيران بأمر من السلطات. وحكم عليه في أكتوبر من نفس العام بالسجن مدة سنة بتهمة “المس بالأمن القومي”.

كلفة باهظة يسدّدها رسولوف ثمن تجرؤه على تجاوزه الخطوط الحمراء، المرسومة من قبل النظام، وفضحه الفساد المستشري في البلاد، تحت أعين السلطات المدنية والدينية، وهو ما تسبب في الإحراج للمسؤولين الإيرانيين، أكثر مما تسببت فيه تقارير صادرة عن جهات دولية، لم تبخل على ملالي إيران بنسب ترتيب عالية، كلما تعلق الأمر بمؤشر الفساد.

وأثار اعتقال رسولوف وإيداعه السجن ردود أفعال دولية، شملت منظمي المهرجانات، ومدراء المؤسسات، وصانعي الأفلام، وصحافيين وفنانين طالبوا بإلغاء حكم السجن عن “مخرج ذنبه أنه مبدع”. ودعا منظمو مهرجان “كان” في بيان، نشر عبر الموقع الرسمي للمهرجان، إلى الإفراج الفوري عن محمد رسولوف.

مخرج ذنبه أنه مبدع
مخرج ذنبه أنه مبدع

مستخدما لغة واقعية شفافة، يستعرض رسولوف، في فيلمه “رجل نزيه” قصة رضا، الرجل البسيط الذي رحل من المدينة إلى الريف مصطحبا زوجته هاديس وطفلهما.

الفيلم وثيقة روائية منسوجة بلغة سينمائية رمزية، نجحت في تعرية الوضع السياسي والاجتماعي الذي وصلت إليه إيران، ونجح المخرج في توظيف مشهد ظهور خامنئي على شاشة التلفزيون، مرفوقا باستعراض عسكري، للتأكيد على أن الظلم الواقع على البطل وزوجته لا يقتصر على البعد الاجتماعي الطبقي، بل هو ظلم أمني يمارسه رجال الشرطة، وتمارسه المؤسسات العمومية والخاصة والسلطات السياسية الحاكمة باسم الثورة الإسلامية.

رمزية، بقدر ما تلامس الواقع، بقدر ما تنقلنا أيضا إلى أجواء كابوسية كافكوية، أقرب إلى أجواء روايتي “القلعة” و”المحاكمة”، لا يستطيع معها رضا، كفرد، مواجهة هذه المنظومة العنكبوتية، فقط هؤلاء الذين اختاروا “شرب ماء النهر” يمكن لهم العيش بسلام. أما الذين رفضوا سلطة الدولة والنظام الثيوقراطي السائد، كما هو حال بطل الفيلم، فعليهم أن يواجهوا العواقب.

كما في شخصيات كافكا، كل ما في رضا، عادي تماما.. خريج جامعي درس في العاصمة، زوج وأب يؤمن بالقيم العائلية، ترك المدينة واختار أن يعيش مع زوجته وابنه في الريف، في منزل مؤلف من طابقين، تابع لمزرعة أسماك هي مصدر رزقه إلى جانب عمل زوجته مديرة في مدرسة القرية الحكومية. عائلة يمكن وصفها بالمتعلمة، يمكن تصنيفها ضمن الطبقة الوسطى.

إطار نموذجي، لما يفترض به أن يكون مسرحا لحياة عائلة نموذجية. وهنا بالضبط تكمن قدرة المخرج على خلق الصدمة الدرامية. يتعرّض الابن إلى التنمر، ويعتدي عليه زملاؤه في المدرسة، وتعاني العائلة من الإحساس بالنبذ والغربة، حيث أهالي القرية لا يخفون شعورهم بعدم الراحة لوجودهم، ويتجنّبون الحديث إليهم والتقرّب منهم.وفي هذه الأجواء التي تبعث على الريبة، تحاول شركة مهيمنة، شراء أرض المزرعة من رضا، مصدر رزق العائلة. وينجح رسولولف في تحويل ما يفترض أنه مشكلة بين مواطن طيب وشركة جشعة، إلى صراع بين المواطن الإيراني وسلطة رجال الدين في إيران.

عائلة محكومة بالضياع
عائلة محكومة بالضياع

ولا يتوقف الأمر على كونه مواجهة مع الفساد، بل هو صراع وجود، مع دولة تحصي عليك أنفاسك، ولا شيء يوقفها عن إلغاء ملامحك وخصوصيتك.

لتكون مواطنا صالحا، يجب أن تعيش، ليس فقط دون إرادة، بل دون ملامح أيضا.. المزرعة والمنزل تحوّلا إلى رمز للإرادة، دونهما تفقد إنسانيتك وملامح وجهك.

بالطبع يتلقى رضا العديد من النصائح لبيع الأرض، حفاظا على سلامته وسلامة أفراد الأسرة، فهو لن يستطيع حسب الناصحين له مواجهة الشركة.

قدر رضا مثل الكثير من الإيرانيين أن يرفض النصيحة ويختار المواجهة، لتتحوّل حياته إلى جحيم تتوالى الكوارث عليه بصمت مريب، يضطر إلى بيع ما يملك لتسديد غرامات ملفّقة، وتنفق أسماك المزرعة بفعل فاعل لا يستطيع إثبات هويته رغم أنه يعرفه.

وعندما يحاول تطبيق القانون بنفسه ينتهي في السجن، وتبدأ محاولات كافكاوية تقوم بها زوجته لإطلاق سراحه، تنتهي بتقديم شقيقها الرشوة لمسؤولين. تغضب الزوجة لأن رضا ما كان ليفعل ذلك، حتى لو كانت هي المسجونة مكانه.

في النهاية، ولأن الاختيار الحر في مجتمع يتحكم فيه رجال دين فاسدون، كان محمد رسولوف مثله مثل جمهوره مصدر تهديد للأمن الإيراني.

16