رجل واحد يختار لملياري إنسان ما يجب أن ينشروه

الخوارزميات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي جعلت نفوذ مؤسس فيسبوك مارك زوكربيرغ مذهلا ويتجاوز بكثير تأثير أي شخص آخر في العالم.
الجمعة 2020/10/16
قائمة محظورات تثير الجدل

قائمة طويلة من المحظورات التي يمنع مستخدمو فيسبوك من الحديث عنها تجاوزت المسلمات الأخلاقية إلى قناعات المستخدمين الشخصية حول عدة قضايا تحوّل الموقع الأشهر عالميا إلى أكبر مقص رقيب في العالم كما تجعل من المستخدمين نسخا رقمية متشابهة لا تحيد عن الطريق.

لندن- فتحت قائمة ممنوعات جديدة أضافها فيسبوك هذا الأسبوع، أبواب الجدل حول “حدود حرية التعبير” على موقع التواصل الاجتماعي الأشهر عالميا.

وأعلنت شبكة التواصل اعتزامها حظر نشر الإعلانات التي تدعو المستخدمين إلى عدم الحصول على التطعيم. كما حظرت الشبكة الحديث عن إنكار محرقة اليهود (الهولوكوست).

ويقول مؤسس فيسبوك ومديره مارك زوكربيرغ إنه “عانى من التوتر” بين حماية حرية التعبير وتقييد المحتوى الذي يحض على الكراهية. وأضاف “رسم الخطوط الصحيحة بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول ليس صريحا، ولكن مع الوضع الحالي للعالم أعتقد أنه التوازن الصحيح”.

وتابع زوكربيرغ أن الشركة “توسع” سياستها بشأن خطاب الكراهية، وحذفت من قبل منشورات تشيد بجرائم كراهية أو قتل جماعي، لتشمل أيضا “حظر أي محتوى ينكر أو يشوه الهولوكوست”. وتعرض زوكربيرغ لانتقادات عندما قال في مقابلة عام 2018 إنه لا يتعين على فيسبوك حذف أي محتوى ينكر الهولوكوست.

وقال لموقع أخبار التكنولوجيا “ريكود” في ذلك الوقت “أنا يهودي، وهناك مجموعة من الأشخاص الذين ينكرون وقوع الهولوكوست. أجد ذلك مسيئا للغاية”. وتابع “ولكن في نهاية المطاف، لا أعتقد أن منصتنا يجب أن تزيل ذلك لأنني أعتقد أن هناك أشياء يفهمها أشخاص مختلفون بطريقة خطأ. لا أعتقد أنهم يفعلون ذلك عن قصد”.

فيسبوك

وفي منشور للإعلان عن التغيير، أشار فيسبوك إلى استطلاع حديث وجد أن ما يقرب من ربع البالغين في الولايات المتحدة تحت سن الأربعين يعتقدون أن الهولوكوست كانت أسطورة أو تم تضخيمها. والخوارزميات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي هي سلاح زوكربيرغ، لتنفيذ قائمة الممنوعات في منشورات مستخدمي فيسبوك.

ويمكن لهذه الخوارزميات بسهولة تحديد الأشخاص المعادين للسامية أو المعادين للتطعيمات أو المناصرين لنظرية “كيوأنون” التي أعلن فيسبوك حظرها في وقت سابق من الأسبوع الماضي، وفرض حظر على منشوراتهم بل والسماح للمُعلنين باستهدافهم بإعلانات لتغيير قناعاتهم.

وقد جعلت هذه الخوارزميات وهي سلسلة هائلة من الأكواد البرمجية، نفوذ مارك زوكربيرغ مذهلا، ويتجاوز بكثير تأثير أي شخص آخر في العالم.

ويقول إيوجين فولوك، بروفيسور في جامعة كاليفورنيا، إن “فيسبوك تستطيع أن تعزز أو تحجب أيّ محتوى تختاره”. يقول مراقبون إن هذه الخوارزميات طريقة زوكربيرغ لصنع نماذج متطابقة من البشر تفكر بنفسالطريقة.

يذهب أرال بالكان المختص في مجال الحقوق السايبرية، إلى القول بأن هذا هو “النموذج الاستثماري الجديد لفيسبوك ليس شبكة اجتماعية، بل آلة مسح ضوئي تحوِّل البشر إلى صيغ رقمية. إنه الكاميرا التي تصوِّر روحك، عمليًّا. ما يفعله فيسبوك هو محاكاتك والتحكم في تلك المحاكاة، وبالتالي امتلاكك والتحكم بك”.

وفي فبراير 2017، نشر زوكربيرغ بيانًا عنوانه “بناء مجتمع عالمي”، يعتبر فيه توجهاته السياسية أهدافًا عامة للكوكب كله. وسواء أكان الرجل يخطط للترشح لرئاسة الولايات المتحدة أم لا، فهو لا يحتاج إلى منصب سياسي واضح كي يتحكم في طرق تسيير حياتنا.

ورغم النفوذ الهائل الذي يمتلكه، لا يزال زكربيرغ يقر بصعوبة تطوير البرمجيات التي تستطيع أن تتعرّف تلقائيًّا على قائمة الممنوعات التي يضعها موقعه، وقال إنه “أمامنا من 5 إلى 10 سنوات إضافية لنصل إليها”.

ومن جانبه يقول دين بوميرلو، وهو باحث مساعد في معهد علم الروبوتات، جامعة كارنيغي ميلون إن “قدرة الذكاء الاصطناعي على تحديد احتواء منشور على فيسبوك على – أو إشارته إلى – معلومات خطأ يتطلب أن يكون البرنامج قادرًا على فهم العبارات والتراكيب اللغوية، ومعاني الكلمات المختلفة في مختلِف السياقات”. وأضاف قائلًا “تحتاج إلى المنطق لفهم ما يعنيه الناس، وذلك يتجاوز الإمكانيات الحالية للذكاء الاصطناعي”. فقدرة الناشر على إجراء تغييرات طفيفة في النص أو الصور أو مقاطع الفيديو التي يتم تمييزها على أنها “مرفوضة” تزيد من تعقيد قدرة الذكاء الاصطناعي على مساعدة فيسبوك. ويضيف بوميرلو أن تغيير النصوص وقص الصور وتحرير مقاطع الفيديو، كلها تجعل من الصعب على البرنامج أن يقوم بعملية المضاهاة المبسطة للأنماط مع استمرار انتشار المحتوى وتَغيُّره.

وبالفعل تسير جهود فيسبوك في تطوير برامج الذكاء الاصطناعي على قدم وساق. وكانت الشركة قد أطلقت مختبر فيسبوك لأبحاث الذكاء الاصطناعي (FAIR) عام 2013، بقيادة رائد الذكاء الاصطناعي يان ليكون، الذي تغيرت وظيفته في عام 2016 ليصبح كبير علماء الذكاء الاصطناعي في فيسبوك. وقد حصد العام الماضي صحبة عالم الكمبيوتر جيفري هنتون جائزة تورينغ، المكافئة لجائزة نوبل ولكن في الإعلام الآلي. ويقول ليكون، الذي يعلم الآلات كيف تفكر “حتى الآن، حتى أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي غبية”.

وهذا الأسبوع أثبت الذكاء الاصطناعي غباءه بعد حذف موقع فيسبوك إعلانا لإحدى الشركات الكندية، عن أحد أنواع البصل الشهيرة، بالخطأ، بعد أن اعتقدت برمجة الموقع أن الصورة تحمل إيحاءات جنسية فاضحة. ويستعين فيسبوك بالذكاء في خوارزمياته لحظر الإباحية على المنصة.

فيسبوك

ويقوم تلقائياً بالتعرف على المحتوى من خلال تحليل الصور ومقاطع الفيديو، وكانت نسبة دقته حوالي 98 في المئة. كما تستعين الشركة بالذكاء الاصطناعي لتدريب خوارزمياتها وتطويرها لاستكشاف محتوى الكراهية المنتشر على منصتها، لكن يتطلب منها توفير كميات كبيرة من البيانات لأجل التدريب.

واعتبر نائب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق الذي يشغل حاليا نائب رئيس الشؤون العالمية في فيسبوك، نك كليغ الأسبوع الماضي “إن فيسبوك تحمل مرآة للمجتمع”. لكنّ منتقدين قالوا إن فيسبوك ليست مرآة، بل بندقية غير مرخصة – ولا تخضع لأي قوانين أو سيطرة – في أيدي وداخل بيوت 2.6 مليار شخص.

ويقول الناس أحياناً إنه لو كان فيسبوك بلداً، لكان أكبر من الصين. لكنه قياس خاطئ. فلو كان فيسبوك بلداً، لكان دولة مارقة، ولأصبح كوريا الشمالية. ولما صار بندقية، بل سلاحا نوويا.

والسبب أن هذه ليست شركة بقدر ما هي إمبراطورية استبدادية دكتاتورية عالمية يسيطر عليها رجل واحد، اختار – أن ينشر وأن يحجب ما “يناسب جنون العظمة”، وفق ما يقول منتقدون.

19