رحاب الخضري: اللغة المحكية في الأدب تأتي بالصورة الغائبة

عندما نتحدث عن الأدب والكتابة الإبداعية غالبا ما نجد أنفسنا أمام ثنائية متقابلة هي الواقع والخيال، فلا أدب خارج هذه الثنائية التي يتحكم في ضفتيها الكاتب ولا خيال من دون واقع يكون مرتكزا له وجسرا بين النص والقارئ ولا واقع يكتب جافا كما هو على الورقة. “العرب” التقت القاصة المصرية رحاب الخضري وكان لنا معها حديث حول قصصها التي تمزج بين الواقع والخيال.
الجمعة 2016/04/29
الكتابة بعين الفنان وحماس الثائر

الكتابة عن المجتمع مهمة صعبة لما فيها من مغامرات يخوضها الكاتب للبحث عن الصورة التي تُرضي القارئ الذي يفترضُ أنه سيرى همومه متحركّةً ضمن العمل الأدبي، هكذا تسعى رحاب الخضري من خلال اشتغالها القصصي والروائي، حيث استضافتها “العرب” في هذا الحوار.

نبدأ حوارنا مع رحاب الخضري عن فهمِها لمقوِّمات فن القصة القصيرة في الأدب الذي تقدّمه في ضوء إصداراتها “أحلام مصلوبة”، “مملكة الديجور”، لتقول إن كانت الرواية تسير في خط أفقي فالقصة القصيرة تسير في خط رأسي، فهي تخترق المنتصف بالضبط لتعالج الفكرة بشكل أدبي مختزل، وهي خلطة سحرية تمتزج فيها الفكرة مع اللغة بالإضافة إلى عناصر وقواعد القصة القصيرة الأساسية. وفي هذه الخلطة السحرية يأتي أسلوب الكاتب الخاص في السرد من خلال اللغة التي تعتبرها الخضري العمود الفقري لأي لون أدبي ولكن بالرغم من أصالة اللغة في نجاح العمل، إلا أنَّه لا يستقيم بها وحدها أبدا.

مملكة الديجور

حديث رحاب الخضري عن اللغة يقودنا إلى السؤال عن إشكالية العنوان في “مملكة الديجور”، حيث تعتقد ضيفتنا أن عنوان الكتاب هو أحد أهم عناصر الجذب للقارئ، فهو نافذته الأولى إليه فإما أن يدلف من خلاله إلى داخله ويسكن عالمه وإما أن يغلقه ويرحل عنه. فالعناوين المثيرة التي تحمل في طيّاتها الغرائبية أو السحرية، تثير فضول المتلقي أكثر من غيرها، لأن قناعتها (رحاب الخضري) الدفينة بأن اللغة العربية قادرة على النفاذ إلى مساحات خالية من الروح دفعَتها إلى اختيار “مملكة الديجور” كعنوان لمجموعتها الأخيرة الصادرة عن دار ليان للنشر والتوزيع في القاهرة، في ثيمة تقوم على فكرة المعاناة، ولهذا جاء الديجور بصفته أعلى درجات الظلام وأشدها قتامة.

أول ما يشد النظر في “مملكة الديجور” هو التزامها بالمفردة المصرية، والمقصود هنا اللهجة المحلية في آلية السرد وخصوصا في الحوارات بين الشخصيات، وهنا نسأل ضيفتنا عن ضرورات هذا الاشتغال السردي لتقول إنها تعمّدت اللجوء إلى اللهجة المحلية المحكية في بعض القصص، وهذا يعود إلى الموضوع الذي فرض ضرورة الخصوصية المصرية التي تعتبر اللهجة فيها أحد أبرز المقومات.

اللهجة كما تراها الخضري هي إكمال للصورة الغائبة في الحدث غير المكتمل خيالا، والناضج واقعا ضمن لعبة الممكن وغير الممكن، فالاعتماد على العربية الخالصة هنا لن يصل بالشكل الذي تراه الكاتبة والذي تقوم به جيدا اللهجة المحكية بحكم قربِها من الشارع، وفي “مملكة الديجور” تدرك رحاب الخضري في ذات الوقت أنَّ الإكثار من استخدام المفردات المحلية، سيجعل دائرة قرائها محصورة في جغرافيا معيَّنة.

الأدب مرآة للمجتمع بكل التناقضات

الواقعية والخيال

يبرز في القصص التي تتناولها مجموعة ضيفتنا والصادرة مؤخرا خط سردي واقعي واضح وهناك إشارة إليه في آخر المجموعة، حيث تقول رحاب عن التقاطع بين الواقع والخيال، إن المجموعة كلها تنتمي إلى الواقعية الكلاسيكية، فهي تقدم واقع المجتمع المصري دون رتوش، وبعض قصصها تنغمس داخل دهاليز حياة حرافيش مصر، إن صح التعبير، بكل ما فيها من فقر وقهر وظلم، وقصص أخرى تقدم الواقع وتعرّي الجرح، فتجده أغرب من الخيال بل إن أرضه أشد خصوبة، فتطرح أطيافا وألوانا من البشر ومعاناتهم لتنتقي ثمارها كما تحب فتتنوع المأساة بين معاناة مادية وأخرى جسدية، بين معاناة موقف ومعاناة نفس.

الأدب كما تراه ضيفتنا هو مرآة للمجتمع بكل التناقضات التي يجمعها بين طبقاته، ودور الأديب يقوم في جوهره على أن يحمل على عاتقه كشف الحجاب عن كل ما هو مستور، وأن ينقل كل ما يحدث داخل أعماق المجتمع ليضع بين أيدي الأجيال القادمة تأريخا وتوصيفا لما كان، فالتوغل في هموم وقضايا المجتمع المحلي هو بمثابة تصحيح لمسار التاريخ الذي يزوِّرُه الأقوياء، وبناء على هذا تؤطّر الكاتبة الإنتاج الأدبي في مصر بالمعاناة من التضخم الكارثي من خلال عولَمَتِه. ولدى رحاب الخضري اليوم مشروع روائي بدأته مع روايتها الأولى التي سترى النور قريبا، وعن هذا تقول إن العمل الجديد ينتمي إلى الواقعية الكلاسيكية في قالب اجتماعي تناقش من خلاله الكاتبة ثلاث قضايا مصيرية خاصة بالمرأة المصرية.

الأدب والسياسة

عن الواقع الحالي في مصر وتأثيرات اضطراب الوضع العام على الساحة الثقافية تقول ضيفتنا “لقد زجّت السياسة بأنفها داخل كل مناحي الحياة في مصر، وحتى العلاقات الإنسانية والساحة الثقافية كانت في دائرة التأثُّر والتأثير عبر اتجاهين متوازيين معا، الأول أنها أثمرت جيلا جديدا من المبدعين يحملون أقلاما جريئة واعية ومثقفة ترصد بعين الفنان وحماس الثائر، والثاني هو أن السياسة أصبحت مقبرة تلتهم كل كاتب لو أدلى بدلوه في أي حدث على الساحة، حيث بات الانقسام السياسي في الشارع يقابله انقسام في جمهور القراء، وهذا ما جعل أغلب الكتاب منعزلين عن الوضع السياسي في مصر خوفا من خسارة فريق لا يتفق مع وجهة نظره.

رحاب الخضري كاتبة مصرية تخرجت من كلية الآداب قسم الإعلام، وصدرت لها مجموعة “أحلام مصلوبة” ومجموعة “مملكة الديجور”، ولها مشاركات عديدة في كتُب جماعية متنوعة بين التدوينات والقصة القصيرة والخاطرة.

15