رحلات الاستجمام البحرية متعة ثمنها باهظ بيئيا

السفن الحديثة مدنا عائمة قادرة على نقل الآلاف من الركاب الذين يتمتعون بالخدمات فائقة التطور.
السبت 2019/07/13
مدن عائمة

الرحلة في نزل عائم بين زرقة البحر وصفاء السماء رحلة ممتعة يتمناها الكل بعيدا عن اليابسة، لكنها رحلة تكلف الإنسانية الكثير من التلوث البيئي وهو ما يزعج الناشطين البيئيين الذين يخافون على مستقبل البشرية ومستقبل الأرض التي تعاني من تزايد الانبعاثات، لذلك تحتاج هذه السفن الضخمة إلى الالتزام بالشروط التي تحافظ على نظافة البحر والحياة.

سنغافورة – يعيش قطاع رحلات الاستجمام البحرية عصرا ذهبيا جديدا مرده جزئيا إلى شغف السياح الصينيين بهذه الأنشطة، غير أن الجيل الجديد من السفن الموجهة لهذه الفئة من الزبائن قد يكبّد البيئة أضرارا كبيرة.

وقد ولى الزمن الذي كانت فيه الرحلات البحرية حكرا على المتقاعدين الغربيين الراغبين في الاسترخاء على السفن الكبرى أو تناول الطعام على أنغام مغنين يؤدون وصلات فنية حية.

وباتت السفن الحديثة مدنا عائمة حقيقية قادرة على نقل الآلاف من الركاب الذين يحتسون المشروبات المقدمة من نادل آلي ويتمتعون بالخدمات فائقة التطور.

والكثير من هذه السفن الضخمة موجهة لسوق الرحلات البحرية الصينية التي تشهد طفرة كبيرة وتحتل المرتبة الثانية عالميا خلف الولايات المتحدة.

ويقول غافن سميث نائب رئيس مجموعة “رويال كاريبين” الأميركية إن “السوق الآسيوية مهمة جدا لمنظمي الرحلات البحرية”. ويوضح المتحدث باسم وكالة “تونيو” الصينية الإلكترونية للسفر وانغ مي، أن تطور السياحة في الصين أحدث “حماسة وشهية” متناميتين للاستجمام بالرحلات البحرية، خصوصا لدى “المسنين والعائلات والأزواج الجدد خلال شهر العسل”.

ومن المتوقع أن يقرب عدد السياح الذين سيسافرون في رحلات استجمام بحرية هذه السنة من 30 مليونا، بزيادة تناهز 70 بالمئة عن العدد المسجل قبل عشر سنوات، وفق الاتحاد الدولي لشركات الرحلات البحرية السياحية الذي يضم 62 شركة عاملة في القطاع.

ومع تزايد رحلات السفن السياحية لا يزال هذا النوع من السياحة صغيرا مقارنة بالصناعة ككل، وذهب 28 مليون شخص في رحلات بحرية العام الماضي من نحو 1.4 مليار سائح وصلوا إلى دول أجنبية.

وفيما تحافظ السوق الأميركية على هيمنتها، تسجل الصين تقدما سريعا في هذا المجال. ففي العام الماضي، استقطبت رحلات الاستجمام البحرية 2.4 مليون صيني، أي ثلاث مرات العدد في 2014.

من المتوقع أن يقرب عدد السياح الذين سيسافرون في رحلات استجمام بحرية هذه السنة من 30 مليونا، بزيادة تناهز 70 بالمئة عن العدد المسجل قبل عشر سنوات

غير أن العدد المتزايد من السفن العملاقة التي يصل طولها إلى المئات من الأمتار، يثير مخاوف متصلة بالتكلفة البيئية الباهظة. وتوضح مارسي كيفر المكلفة ببرنامج المحيطات والسفن في منظمة “فرندز أوف إيرث” الأميركية، أن “قطاع رحلات الاستجمام البحرية له تبعات مختلفة بما فيها تلوث الهواء والمياه الآسنة والمحروقات المتروكة في البحر والنفايات الغذائية والبلاستيكية”.

كذلك تثير انبعاثات الكبريت الضارة للصحة والخطيرة على الأجناس البحرية، مخاوف كبيرة.

وتشير التقديرات إلى أن صناعة الشحن البحري تولد 13 بالمئة من انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت، مسببة 400 ألف حالة وفاة مبكرة سنويا على مستوى العالم.

وفي 2017، تسببت 47 سفينة من مجموعة “كارنيفال” الأميركية التي تحتل بماركاتها المختلفة صدارة سوق رحلات الاستجمام البحرية، وحدها بانبعاثات لثاني أكسيد الكبريت في السواحل الأوروبية توازي عشرة أضعاف تلك التي خلفتها السيارات المنتشرة على طرقات أوروبا والبالغ عددها 260 مليونا، على ما أكد الاتحاد الأوروبي للنقل والبيئة في تقرير نشر مطلع الشهر الفائت.

وفي المحصلة، خلّفت السفن السياحية التي شملها هذا التحليل والبالغ عددها 203، انبعاثات من أكسيد الكبريت قبالة السواحل الأوروبية تفوق بعشرين مرة تلك التي تخلّفها السيارات في القارة.

غير أن جهودا تبذل حاليا لتقليص نسبة الكبريت في المحروقات المستخدمة في السفن إلى 0.5 بالمئة كحد أقصى اعتبارا من العام المقبل، في مقابل 3.5 بالمئة حاليا.

ويتسبب الأثر السلبي لهذه المباني البحرية العملاقة بمشكلات مختلفة، ففي يونيو أدى حادث سفينة بحرية تابعة لشركة “أم.أس.سي أوبرا” في البندقية إلى سقوط أربعة جرحى كما أن المدينة الإيطالية نجت بأعجوبة من حادث آخر بين سفينة ويخت قبل أيام.

استهلاك كبير ونفايات كثيرة
استهلاك كبير ونفايات كثيرة

اللقطات المصورة للحظة فقدان السيطرة على الباخرة “أم.أس.سي أوبرا” وهي تصطدم بقارب صغير سياحي في البندقية، مع فرار السياح على طول رصيف ميناء قناة جوديكا، هي صورة مؤسفة للقطاع أثارت مخاوف كثيرين من إبحار سفن الرحلات البحرية في الموانئ التاريخية.

ويريد ناشطون من البندقية أعضاء في لجنة “لا للسفن الكبيرة”، فرض حظر كامل على سفن الرحلات البحرية، ويقولون إن “المدينة والبحيرة لا تناسبان ملاحة هذه الوحوش. علينا ألا ننتظر وقوع مأساة، فلنضع حدا لهذا العار”.

كذلك توجَّه انتقادات لهذه السفن العملاقة في أكثر الأماكن شعبية، مثل البندقية ودوبروفنيك والمضايق النرويجية على خلفية استهلاكها الكبير للكهرباء والكميات الكبيرة من النفايات التي تخلفها. وفرضت على “كارنيفال” غرامة قدرها 20 مليون دولار في الولايات المتحدة الشهر الماضي بسبب رميها نفايات بلاستيكية في البحر وانتهاكها قوانين بيئية.

يذكر أنه تم تغريم نفس الشركة بـ40 مليون دولار عام 2017 بعد أن أبلغ أحد المخبرين على متن سفينة تشغلها شركة برنسس كروز لاينز، إحدى الشركات التابعة لـ”كارنيفال”، أن طاقمها كان يتخلص سرا من مياه قعر السفينة الملوثة بالزيت في البحر من خلال “أنبوب سحري” منذ عام 2005.

إلا أن الشركات الكبرى في القطاع تؤكد أنها تبذل جهودا لتقليص التلوث، وتقدر الرابطة الدولية لخطوط السفن السياحية أن السفن تعيد تدوير نفايات الفرد بنسبة 60 بالمئة أكثر من النفايات على الأرض، لكن قضية شركة كارنيفال تظهر أن الانتهاكات شائعة.

ويؤكد نك روز المسؤول عن المسائل البيئية في مجموعة “رويال كاريبين”، أن “سفن الاستجمام السياحية أكثر مراعاة للبيئة من أي وقت مضى وهي تتحسن مع كل جيل جديد”. وتستعين هذه المجموعة المتخصصة في السفن السياحية بأنظمة تنقّي أكثرية الانبعاثات الملوثة بينها أكسيد الكبريت، وفق روز.

وقد شُيدت سفينة “سبيكتروم أوف ذي سيز” الراسية حاليا في سنغافورة، وهي من الجيل الجديد لسفن “رويال كاريبين”، بشكل دقيق لتتلاءم مع السوق الآسيوية. وتستطيع هذه السفينة البالغ طولها 345 مترا نقل أكثر من 5600 شخص بين ركاب وأفراد طاقم العمل. ويمكن للمسافرين المولعين بالمغامرات تجربة جهاز محاكاة للقفز الحر على متن هذه السفينة أو القفز على ترامبولين واضعين خوذة للواقع الافتراضي أو تجربة السيارات الاصطناعية. وتضم السفينة 17 مطعما وتشكيلة كبيرة من الغرف بينها جناح عائلي من طبقتين. وتقول سيلفيا باو وهي راكبة من سنغافورة في 58 من العمر “يمكننا أن نمضي أياما طويلة على هذه السفن من دون أن نضجر”.

17