رحلات الموت تحرم مهاجري الكاميرون حتى من شرب ماء البعير

رحلة الموت"، أو تلك المحطّات المحفوفة بالهلاك في سبيل إدراك الضفة الشمالية من المتوسّط، كلّفت مؤخرا، 800 مهاجر غير شرعي، حياتهم.. اختبار عسير قد لا يمنح صاحبه حتى فرصة الاستمتاع أو الأسف على اجتياز وتجربة مرّة يسردها بعض الكاميرونيين، من اجل توعية الشباب الراغب في ركوب مغامرة غير محسوبة الخطورة.
الجمعة 2015/05/01
تكرار الفشل في الوصول إلى أوروبا لا يمنع المهاجرين من إعادة ركوب رحلات الموت

يسعى إيتيان بوايهوك، شاب كاميروني ذو 28 عاما، إلى توعية شباب بلاده بالإقلاع عن محاولات الهجرة السرية إلى أوروبا وأخذ العبرة من الأهوال التي كابدها هو في حد ذاته خلال محاولاته غير القانونية السابقة للوصول إلى الضفة الشمالية للبحر المتوسط.

وبلهجة متحمّسة ونبرة منفعلة خالية من أيّ تصنع، يقول بوايهوك، وهو أيضا ممثل كوميدي في الكاميرون، “إنّها طريقتي في توعية الناس حول مخاطر الهجرة غير الشرعية”.

البداية كانت في 2012 في مدينته، العاصمة الاقتصادية للكاميرون، بـ400 ألف فرنك افريقي (750 دولارا) في جيب بنطلونه، وأحلام كثيرة تداعب مخيلته، قرّر الشاب الانخراط في “مغامرة خاضعة لقواعده الخاصّة”، مأخوذا في ذلك بالصور التي كان ينشرها رفاقه الذين نجحوا في اجتياز البحر والوصول إلى أوروبا. يستطرد: “حين رأيت تلك الصور، جال بذهني إن أوروبا هي الجنّة، وأردت زيارتها أيضا”.

وكغيره، ألقى بنفسه في قلب الغابة.. استقل وسيلة نقل جماعية مشتركة نقلته من دوالا إلى الناظور في المغرب (شمال شرق) ثم اتجه نحو غابة “غوروغو” حيث يحتشد المهاجرون ينتظرون على أحر من الجمر الوقت المناسب لعبور حاجز “مليلة” الذي يفصل المغرب عن إسبانيا، غير أن الطريق محفوفة بالمصاعب، فالمهاجرون يظلون تحت رحمة المهربين الذين ينهبونهم ويسيئون معاملتهم ويحدث أن يقع حمل 20 شخصا في سيارة لا تسع أكثر من 7 أشخاص.

فرانك مفومو، هو الآخر شاب من بين المئات الذين فشلوا في التوجه إلى أوروبا بعد أن خاضوا التجربة المرة، يروي ما يتعرض له المهاجرون من سوء معاملة، قائلا:“يطلق المهربون تهديدات في كل مرة يقوم فيها أحدنا بالتشكي من أمر معين، ثم يتخلون عنهم في الصحراء يواجهون مصيرهم بمفردهم، رفقة قارورة ماء وبوصلة”.

ويتابع مفومو بالقول إن “عبور الصحراء يعتبر مهمة شاقة، لا يوجد ماء ولا غذاء، في بعض الأحيان، يمنعون عنك حتى أن تشرب من المياه المخصصة للبعير، ينبغي عليك أن تدفع المال لتحصل على بضع جرعات من ماء المشرب مع الإبل”.

عبور الصحراء، مهمة شاقة، حيث يفرض على المهاجرين دفع المال للحصول على بضع جرعات من الماء المخصص للإبل

ويؤكد بوايهوك ما ذهب إليه مفومو بالقول: “إنه لأمر مهين، يعاملونك بطريقة تشعر من خلالها أنك فقدت إنسانيتك لتتحوّل إلى آلة لمنح الأموال، في الصحراء، تعامل الجمال بطريقة أفضل من البشر”. ويسترسل الشاب بالكلام قائلا: “تموت العناصر الأضعف ويقع التخلي على جثثهم في الصحراء، لقد رأيت عددا كبيرا من الجثث إلى حد أني أمضيت أكثر من عام دون أن أتناول اللحوم”..

وحين تسنح لهم الفرصة، يحاول المهاجرون عبور الحواجز الممتدة على المنطقة الحدودية بين المغرب وإسبانيا حيث أول القادمين، أوفرهم حظا، بما أنهم يجدون الوقت الكافي لعبور الحواجز الثلاثة الفاصلة البالغ طول كل واحد منها 6 أمتار، قبل قدوم التعزيزات العسكرية، فيما يدفع المتأخرون عن الموعد الثمن وقد يتعرضون إلى الضرب المبرح، حسبما رواه بوايهوك.

ويضيف الشاب: “هنالك فخاخ منصوبة قبل بلوغ الحاجز، كما أن على المهاجرين تخطي عقبة الأسلاك الشائكة الممزقة للجلد البشري” الموجودة في الحاجز الإسباني.

أما أولئك الذين لم ينجحوا في العبور فإنهم يعودون أدراجهم، ويختفون في الغابة في انتظار المحاولة المقبلة.

يقول بوايهوك إن الرحلة من الكاميرون إلى المغرب دامت عاما كاملا، ويروي كيف أنه بعد 10 محاولات فاشلة، تمكن من عبور حاجز مليلة ثم أمضى نحو 8 أشهر في مخيم اللاجئين في مليلة، قبل أن يتم إرساله إلى مدريد ومن ثم العودة به إلى الكاميرون. وهو ما يعتبره، كما السواد الأعظم للمهاجرين سرّا، فشلا ذريعا وهم يفضلون الموت على العودة إلى مربع الانطلاق.

ويفسر هذا الموقف المهاجرين بغياب هياكل مرافقة محلية لإعادة إدماج المهاجرين، وذلك على الرغم من ظهور بعض الجمعيات القائمة بجهود مرافقة للذين تمت إعادتهم إلى البلاد على غرار جمعية “حلول للمهاجرين الشرعيين” غير الحكومية.

يقول إيف تسالا، رئيس هذه المنظمة، “نستقبل هؤلاء المرحلين ونساعد البعض منهم ممّن يحتاجون إلى رعاية طبية، كما أن عملنا يقوم في جزء كبير منه على الوقاية من ظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر تحسيس الشباب بمخاطر هذا النوع من الهجرة”.

20