رحلات حجازية

السبت 2016/01/16

واظب المؤلفون المغاربة، طيلة قرون، على تدوين أسفارهم. كان ذلك جزءا من السفر نفسه. وخلفوا بذلك نصوصا يبدو كثير منها معبرا أساسيا لفهم تمثل المغاربة للعالم وللآخر. الرحلات الحجازية شكلت نواة الإنتاج في هذا المجال. وكان ذلك طبيعيا اعتبارا لارتباطها الديني بفريضة كالحج، وامتدادات ذلك على مستوى تمثّل المغاربة لفضاء يحمل، بالنسبة إليهم، كثيرا من الإشعاع الروحي، حتى أن كثيرا من رجالات المغرب الإسلامي، كما وصفهم عبدالهادي التازي، كانوا يرون أن شخصياتهم إنما تكتمل عندما يذكرون أن لهم رحلة إلى المشرق، ومكة المكرمة.

وشكل البعد الفكري امتدادا لهذا الإشعاع، وهو ما يفسر حرص عدد كبير من المؤلفين على الأخذ عن شيوخ الحرمين وطلب الإجازة منهم، ومنهم أبوسالم العياشي، الذي خص جانبا من رحلته “ماء الموائد”، والتي تعرف أيضا “بالرحلة العياشية إلى الديار النورانية” للتعريف بما يناهز تسعين رجلا، أخذ عنهم أو أخذوا عنه، خلال رحلته الحجية. وقد حظيت رحلة العياشي باهتمام استثنائي، عربي وأجنبي، كان من علاماته صدورها في أكثر من طبعة محققة بالرباط والقاهرة والكويت وأبوظبي والرياض، بالإضافة إلى ترجمة جزء منها من قبل المستشرق الفرنسي موتلنسكي بيربروجير.

أهمية الرحلات الحجازية تكمن أيضا في حجم المعلومات التي تقدمها، اعتبارا لحرص أصحابها على تدوين مشاهداتهم في مسار الرحلة. ويمكن التمييز، في هذا الإطار، بين مستويين من هذه المعلومات انسجاما مع تغير هذا المسار. ارتبط الأول بالمسار الذي كان معتمدا إلى حدود العقد الثالث من القرن التاسع عشر، والذي كان يمرّ عبر مصر. واتسمت رحلات هذه الفترة بتعريفها بشيوخ مصر ومراكزها العلمية، بالإضافة إلى وصفها للمشاهد الإسلامية الكبرى في الحرمين الشريفين. وارتبط المستوى الثاني من المعلومات بمسار اعتماد المراكب البحرية التي كان يصطلح عليها بالبابورات، مع تراجع الاعتماد على المسالك البرية. وفتح هذا المسار أمام المؤلفين من الحجاج، من خلال فضاءاته المتجلية في المراسي والمدن الأوروبية، هامشا للتعرف على حضارة مغايرة ولتدوين مشاهداتهم عن تفاصيل ذلك.

ثمة مؤشر أخير ودال، يكمن في العدد الهام من المؤلفين المغاربة الذين سافروا إلى مكة بهدف الحج، ولم يكتب لهم أن يدونوا رحلاتهم، لأنهم توفوا ودفنوا هناك. من بينهم عبدالهادي بن عبدالله بن علي العلوي الذي حج عام 1647 ومحمد بن محمد الدليمي المتوفى عام 1753 وعبدالقادر ابن أحمد الكوهن، وقد سافر إلى الحج، وأجازه هناك الشيخ عبدالله بن عبدالرحمان سراج، مفتي مكة، وتوفي بالمدينة المنورة، بعد أداء فريضة الحج، سنة 1839، وقد طبع كتابه “منية الفقير المتجرد وسمير المريد المتفرد”، سنوات بعد ذلك بإسطنبول، ومحمد الفاطمي الصقلي، وقد توفي بمكة، عام 1893. هؤلاء يستحقون أن نذكرهم.

كاتب من المغرب

17