رحلات كفاح للبحث عن فرصة تمثيل تكلل بنجاح متأخر

الممثل شريف دسوقي عاش مآسي عديدة كي يصل إلى الفوز بجائزة أفضل ممثل في مهرجان القاهرة السينمائي.
السبت 2019/01/12
عارفة عبدالرسول عرفت الانتشار الجماهيري عبر "أبوعمر المصري"

يبدو طريق النجومية لأصحاب المواهب من الممثلين صعبا، بل مليئا بالعقبات والتحديات، يقعون أحيانا فريسة أمام العديد من المطبات التي تؤجل تحقيق أحلامهم، وتبقى النماذج الحاضرة والمتكررة في مصر، وآخرها شريف دسوقي، الفائز بجائزة أفضل ممثل في مهرجان القاهرة السينمائي، دليلا على أن التفاني في العمل يدفع أصحابه لجني الثمار ولو بعد فترة طويلة.

القاهرة - أعاد النجاح الذي حققه الممثل شريف دسوقي في فيلم “ليل خارجي”، صاحب جائزة أفضل ممثل في مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ40، في نوفمبر الماضي، الجدل حول قضية تسليط الضوء على المواهب الحقيقية وضرورة دعمها وتبنيها.

أبهر الناس ليضحكهم ويبكيهم من خلال شخصية “عم مصطفى” سائق التاكسي، ليقدم جواز عبوره، بعدما قضى عمره متنقلا بين المسارح المختلفة، وعاش مآسي عديدة كي يصل إلى هذه اللحظة، مع أنه من أبناء الفن الحقيقيين، ووالده كان مديرا لمسرح إسماعيل ياسين.

قال دسوقي لـ”العرب”، “طعم النجاح جميل إذا جاء بعد تعب ومشقة، والتخلي عن وظيفتي الحكومية جعلني أنطلق في عالم التمثيل المسرحي، وهو قرار كان صائبا لأنه أشعرني بالحرية والمتعة”.

إصرار ومثابرة

كان العائق الوحيد أمام شريف دسوقي هو عدم وجود أموال لديه كي يصرف على نفسه وفنه، ما اضطره في النهاية إلى العمل كـ”فني إضاءة” وهي مهنة اكتسبها من خلال تربيته في مسرح إسماعيل ياسين بالإسكندرية منذ كان طفلا يحضر العروض مع والده.

أوضح دسوقي أنه حاول كثيرا اقتحام مجال التمثيل السينمائي واكتشف أن الأمر ليس سهلا كما كان يظن، ولجأ إلى مكاتب “الكاستينغ” (اختيار الممثلين) قبل أن يعرف أن الاختيار يتم عن طريق الواسطة، ما جعله يرفض الذهاب إلى هذه المكاتب بعد أن وجد الصفوف الطويلة والمعاملة غير الجيدة، معربا عن اندهاشه عندما يسمع أن 7 آلاف ممثل ذهبوا إلى “كاستينغ” في إستاد القاهرة للمشاركة في أحد الأعمال الدرامية، ما دفعه للبحث عن مساحة أخرى يشاهده الجمهور منها.

وأكد أن إحدى المؤسسات المسرحية استغلته حينما علمت أنه على علم بكل مجالات المسرح من تمثيل وكتابة وبناء مسرح لتشغله في كل هذه العناصر، قبل أن تنهي تعاقدها معه، وهو ما سبب له إحباطا كبيرا.

وبدأ دسوقي رحلة الصعود بالظهور في عدد من الأفلام القصيرة، وبسبب نجاحه في كل عمل قصير يقدمه، يقوم بعدها مخرج العمل بترشيحه في فيلم آخر، كان أبرزها فيلم “حاوي” مع المخرج إبراهيم البطوط، والذي كان سببا في أن يشاهده المخرج أحمد عبدالله ويرشحه لفيلم “ليل خارجي”.

سيد رجب تدرج في التمثيل إلى أن حصل على البطولة المطلقة في مسلسل "أبوالعروسة"، وهو نتاج اجتهاد وإيمان نابعين من داخله بأهمية التمثيل وحبه له
سيد رجب تدرج في التمثيل إلى أن حصل على البطولة المطلقة في مسلسل "أبوالعروسة"، وهو نتاج اجتهاد وإيمان نابعين من داخله بأهمية التمثيل وحبه له

ظهر جيل من المخرجين المستقلين بدأوا في تطبيق فكرة النزول إلى الشارع والبحث عن المواهب، وهي شبيهة بفكرة اكتشاف مواهب كرة القدم في المراكز الشعبية، فمثلا أحمد عبدالله مخرج “ليل خارجي” نزل الإسكندرية كي يراقب شوقي، وشاهد أعماله على مدى السنوات العشر الماضية وأعجب بها قبل أن يقدم له الدور.

ونموذج شريف دسوقي ليس هو الوحيد في مصر، فهناك حالات أخرى مشابهة تعرضت لمواقف شبيهة قبل أن تصبح نجوما، بينها الفنان سيد رجب، الممثل الموهوب الذي احتاج إلى ثلاثين عاما للكشف عن موهبته.

وبدأ رجب كمهندس في إحدى شركات السيارات المصرية، لكن حبه للفن لم يمنعه من مزاولته، فلجأ إلى الفرقة المسرحية للشركة التي تكونت مطلع الثمانينات، وكان يحضر إلى الفرقة مخرجون كبار لتقديم أعمال مسرحية في ظل التنافس بين الشركات.

وقال رجب لـ”العرب” إنه تعامل مع المسرح والتمثيل بوجه عام خلال هذه الفترة على أنهما هواية، وليسا وظيفة يتكسّب منها، لما يعلمه من صعوبات تحيط بهذا المجال، ورغم حصوله على العديد من جوائز التمثيل الأولى، إلاّ أنه فضّل طوال الوقت أن يكون في الظل ويشبع هوايته فقط من خلال فرقة الشركة.

وشرح رجب حاله، قائلا “كنت أشعر بالندم على ذلك القرار عندما بدأت مرحلة الخصخصة واختفاء الفرق المسرحية من الشركات، فلم أعد قادرا على إشباع هوايتي، وقررت الاستقالة من قيود الوظيفة بعد 26 عاما، دون أن أعلم كيف سأقتحم مجال الفن، بعد هذه المدة”.

وعاد رجب إلى عشقه الأول (المسرح) من خلال عدد من أصدقائه الذين نصحوه بالالتحاق بورشة “الجريتلي”، التي تخرج فيها نجوم كبار مثل عبلة كامل ومحمد هنيدي وخالد أبوالنجا وخالد صالح، وكانوا قد بدأوا يحصلون على مكانتهم الفنية.

وتوقف رجب أمام سؤال وجه له خلال التحاقه بالورشة وهو “هل تريد أن تكون ممثلا مشهورا أم ممثلا جيدا”؟ فأجاب “الاثنين”، فقال له حسن الجريتلي قائد الورشة “لن تجيد الأمرين فكي تكون ممثلا جيدا عليك أن تثقل موهبتك، بينما النجاح والشهرة أمر بيد الله”. واضطر رجب إلى الانتقال من “أبو الفنون” إلى شاشة السينما والتلفزيون ليقدم أدوارا صغيرة في عدة أعمال سينمائية، قبل أن يلتفت إليه المنتجون والنقاد، ويبدأ الحصول على مساحات متوازنة جذبت له الجمهور، مثل دوره في فيلم “الشوق”، قبل أن يحصل على مساحة أكبر في فيلم “إبراهيم الأبيض” مع الفنان أحمد السقا، ويبدأ توهجه الفني.

وأكد سيد رجب لـ”العرب”، أنه تدرج في التمثيل إلى أن حصل على البطولة المطلقة في مسلسل “أبوالعروسة”، وهو نتاج اجتهاد وإيمان نابعين من داخله بأهمية التمثيل وحبه له، حيث أفنى فيه عمره، وكان من الطبيعي أن يعود الأمر عليه بالإيجاب.

أزمات نسائية

في المقابل، هناك فنانات لم يحققن الشهرة إلاّ بعد سن الستين، وهو ما حدث مع الفنانة المصرية عارفة عبدالرسول التي عملت كممثلة مسرح قبل 30 عاما برفقة زوجها الكاتب والمخرج مصطفى درويش.

وكشفت عارفة عبدالرسول لـ”العرب”، أنها حضرت إلى القاهرة منذ عشر سنوات، وقبل هذه الفترة قضت عمرها متنقلة بين مسارح الشباب والعروض الحكائية وكانت سببا في أن تنقلها إلى مكانة أخرى، وتحديدا عرض “حكايات بنت البقال” الذي استلهمته من قصتها وهي صغيرة حينما كانت تعمل برفقة والدها في محل البقالة لتساهم في تكوين مخزون روائي من خلال احتكاكها بحكايات المحيطين في سوق الحضرة بمدينة الإسكندرية.

وأوضحت أن البعض يظن أن المواهب النسائية أكثر سهولة في الوصول إلى عالم تحقيق الذات، لكن على النقيض تواجه السيدات صعوبات أكثر لأن فرص الرجال في الأدوار وتنوعها يمنحانهم مساحة أكبر، مقارنة بالفرص المناسبة للراغبات في البحث عن مكان في التمثيل.

وأضافت عارفة أنها بدأت من خلال وجودها في القاهرة بالاحتكاك بصناع الفن لتشارك في عدد من الأعمال، إلاّ أن بداية انتشارها الحقيقي كانت من خلال مسلسلي “أبواب الخوف” و”شمس”، قبل أن تتوقف لفترة بسبب ثورة 25 يناير، ثم عادت من جديد بعد هدوء الأوضاع من خلال مسلسل “البيوت أسرار”، وكان نقطة تحول كبيرة لها، ثم مسلسل “الميزان” الذي حقق نجاحا كبيرا ثم مسلسل “لا تطفئ الشمس”، وأخيرا “أبوعمر المصري” الذي آثار جدلا لما يحمله من قضية مهمة.

13