رحلة الحجري وتهذيب الأطوار وأعيان يمنيون في إسطنبول

السبت 2015/01/17
أدب الرحلة يكشف مظاهر التردي الفكري والأدبي أواخر أيام الإمبراطورية العثماينة

أبوظبي- لندن - في إطار مشروع “ارتياد الآفاق” الذي أطلقته “دارة السويدي الثقافية” من أبوظبي ويرعاه الشاعر محمد أحمد السويدي، ويشرف عليه الشاعر نوري الجرّاح أعلنت الدار، وهي مؤسسة ثقافية عربية غير ربحية، عن نتائج (جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة) التي أنجزت دورتها الأولى مطلع عام 2003، وتمنح سنويا لأفضل الأعمال المحققة في أدب الرحلة، وجاءت انسجاما مع طموحات الدار في إحياء الاهتمام بالأدب الجغرافي.

فاز بالجائزة في دورتها الحادية عشرة التونسيان د. محمد الزاهي ود .حسام الدين شاشية، ومن سوريا الناقد مفيد نجم والباحث محمد حسني ذياب، ومن الجزائر الأديب سعيد خطيبي، ومن اليمن الباحث عبدالله الحبشي، ومن الإمارات محمد عبيد غباش. نتوقف هنا في جولة مع المخطوطات المحققة الفائزة وهي قيد الطبع الآن، والتي اشتغل عليها د. محمـد الزاهـي ود. حسام الدين شاشية، الباحث عبدالله محمد الحبشي، ومحمد حسني ذياب.


الوثيقة الموريسكية الأهم


يُعتبر كتاب “ناصر الدين على القوم الكافرين” أو مختصر كتاب “رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب” لصاحبه أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي أهم وثيقة تاريخية موريسكية أرخت لحدث الطرد من أسبانيا ما بين سنتي 1609 و1614، فقد قدّم لنا هذا العمل رواية حدث الطرد من جانب الجماعة المُوريسكية المُهجرة نفسها.

ولئن مازال كتاب “رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب” إلى اليوم مفقودًا، ولم يحقق منه في العربية إلا مختصره التونسي الذي نشره “المركز العربي للأدب الجغرافي” تحت عنوان “رحلة الحجري-ناصر الدين على القوم الكافرين” والذي دونه مؤلفه في مدينة تونس سنة 1641، فإننا اليوم ونحن في العام الواحد بعد الأربعمئة لانتهاء عملية طرد الموريسكيين (1614 - 2015)، بصدد النسخة المصرية من كتاب “ناصر الدين”، التي حُبرت بالقاهرة سنة 1637، وظلت لما يجاوز الثلاثة قرون ونصف القرن مفقودة.

ناصر الدين علـى القوم الكافرين لأحمد الحجري (أفوقاي)

قام تحقيق هذا الكتاب، بداية، على دراسة، قدّمها الباحث لسيرة المُؤلف أحمد بن قاسم الحجري، بناء على المعطيات التي وقف عليها في النص المُحقق، ووثائق أخرى تعود لهُ، بالإضافة إلى معلومات حديثة وموثقة توصل إليها بعض الباحثين الذين درسوا سيرة الحجري. كما قام الباحث بوصف المخطوط المُعتمد في هذا التحقيق، وقارنه بالنسخة التونسية، ثم قدم منهجيته في التحقيق، وقد أورد النص المُحقق، وذيله بعدد من الملاحق، ولأجل هذا حقق وعرّب مجموعة من الوثائق، بينها رسالة أحمد بن قاسم الحجري المُرسلة من باريس إلى الموريسكيين بالقسطنطينية، ثم رسالتيه إلى المستشرق الهولندي ياكوباس خوليوس، بالإضافة إلى تحقيق خاتمة مخطوط “العز والمنافع للمجاهدين في سبيل الله بالمدافع”، وختم عمله بالكشافات والفهارس.

صاحب هذه الرحلة هو أحمد بن قاسم بن الفقيه قاسم بن الشيخ الحجري الأندلسي، يكنى بأبي العباس، كما يلقب كذلك بشهاب الدين أفوقاي بخارنو، أما اسمهُ المسيحي الذي حملهُ قبل الطرد فهو دياغو بخارانو. المولود سنة 977هـ، الموافق للنصف الثاني من سنة 1569 ميلادي. وتشير المراجع إلى أنه انتهى من تأليف كتابه في العشرين من رجب سنة 1051هـ.

ولد الحجري في تييرا دي باروس(Tierra de Barros)، التابعة لمقاطعة أكستريمادورا القريبة من غرناطة، وقضى طفولتهُ في قرية تسمى “الحجر الأحمر”. ولما شب اشتغل في الترجمة من العربية وإليها. ورغم كل الامتيازات التي حظي بها في غرناطة، فإنه اختار الهروب إلى المغرب سنة 1598، تقريبا، في رحلة مُعقدة وخطيرة، في ظل القوانين الأسبانية التي كانت تمنع الموريسكيين من السفر، وكان عمرهُ تسعا وعشرين سنة، فحل في مراكش، ودخل في خدمة مولاي زيدان مترجما.

هجر المؤلف الأندلس ناجيا بعقيدته، كما عبر في نص رحلته، في ظل الاضطهاد التاريخي الذي شهدته الأمة الأندلسية، أما خروجه من المغرب في رحلته التي دونها فقد ترافق مع تدهور وضعية الموريسكيين في بعض المناطق المغربية، وتأزم علاقتهم بالجماعات الأخرى، كما هو الشأن بالنسبة إلى علاقة موريسكيي قصبة سلا بمحمد العياشي وجماعته، الذي اتهمهم بالخيانة والتحالف مع المسيحيين. وبعد خروجه من سلا استقر الحجري وعائلته لمدة بمدينة تونس، وهذا يؤكد أن تركه المغرب سنة 1635 لم يكن فقط بنية الحج.

توجه الرحالة بدايةً إلى مكة ومنها إلى المدينة مارًا في طريق عودته بمصر التي يبدو أنهُ استقر بها لبعض الوقت، مشتغلا كأمين بدكان محمد بن أبي العاصي الأندلسي، ومُنتقلاً بعد ذلك إلى تونس تقريبًا منذ أواخر سنة 1637، حيث توفي سنة 1641.

إن تحقيق هذا النص ونشره بمثابة إضافة مهمة إلى مكتبة أدب الرحلة، وقد نال عليه الباحث بجدارة وامتياز جائزة ابن بطوطة لتحقيق المخطوطات.

رحلة أعيان اليمن إلى إسطنبول 1907للعلامة السيد محمد بن الحسين غمضان الكبسي


من الشام إلى مصر


نصّ رحلي مهمّ من القرن الثامن عشر مؤلفه مرتضى الكردي المتوفى سنة 1171هـ/1758م دمشقي المولد والنّشأة، ويعرف بالأمير الكردي. دوّن فيه المؤلّف رحلته التي قام بها انطلاقا من دمشق وصولا إلى مدن الصّعيد المصري وقراه. وهي بمثابة سجّل حافل وصف فيه المؤلف المدن والقرى والجسور والأودية والمفازات وعادات الناس. ولم يفته كذلك تسجيل بعض الأحداث والوقائع التي جدّت في عهده بين بعض الطوائف، كما سجّل سيرة بعض الحكّام والوزراء.

ويحفل النص بطرائف وحكم وأمثال وأشعار بأسلوب شابته العاميّة في بعض المواضع، وقد اعتمد المحقق على نسخة يتيمة من المخطوط محفوظة بمكتبة الدولة ببرلين، وتشكل وثيقة مهمة للفترة التي تغطيها الرحلة.

ولعل جانبا من أهمية هذا النص يكمن في سعة اطلاع الرحالة على الناس والأحوال في صعيد مصر حيث كان مندوبا إلى عمّال وقيّاد قرى ومدن الصّعيد المصري دجرجا ومنفلوط وإخميم وبني سويف مكلفا بجمع ما عليهم من ضرائب ومداخيل الغلال.

ومن أبرز شيوخه على الإطلاق الذين كان لهم الأثر الكبير في تكوينه ونحت مسار حياته الشيـخ عبدالغني بن إسماعيل بن عبدالغني النابلسي الحنفي النقشبندي القادري.

غادر مرتضى دمشق في صفر سنة 1127هـ/1517م. وهناك دافعان أساسيان لرحلته، الأوّل وضعيّته الماديّة والنّفسيّة المتدهورة في مدينة دمشق، والثاني قتل طائفة من الأعراب عمّه إسماعيل بن حسن الكردي، فغربته تشبه تلك التي عانى منها أبو حيّان التّوحيدي في القرن الرّابع الهجري.

والأرجح أنّه دوّن رحلته قبل سنة 1143هـ/1730م تاريخ وفاة شيخه النابلسي لأنّه كلّما ذكره في موضع من مواضع الرحلة كان يدعو له بطول العمر. وقد استغرقت الرحلة ستّة أشهر وبضعة أيّام، منذ خروجه من دمشق ورجوعه إلى القاهرة عائدا من مدن وقرى الصعيد المصري. اعتمد المؤلف المسار المعهود عند الرّحالة المشارقة الذين كانوا يفدون على مصر أو حتى الرحالة الوافدين من الغرب الإسلامي عند عبورهم المدن الشامية انطلاقا من القاهرة وصولا إلى البقاع المقدسة أو العكس.

أمّا الأسلوب الذي دوّن به الرحالة رحلته فقد عكس بكلّ وضوح النمط السائد في أدب العصر العثماني، وهو نمط بدأت تظهر فيه سمات التدهور في مختلف المجالات العلميّة والفنيّة ومنها أدب الرحلة.

لكن الرّحلة قيّمة وطريفة في محتواها لِما حفلت به من إشارات أدبيّة وتاريخيّة وجغرافيّة وطوبوغرافيّة واجتماعيّة من عادات وتقاليد.

وقد أولى المؤلّف في هذه الرحلة مدينة دمشق مسقط رأسه اهتماما كبيرا. فوصف معالمها ومنتزهاتها وعادات أهلها وبعض أماكنها، وسجّل ما قيل فيها من بديع الأشعار. كما أولى الرحالة القاهرة اهتماما مماثلا، فتحدّث بإطناب عن النيل والأهرام وعن مناطقها وحاراتها كبولاق والجيزة والقرافة، وعن أبوابها ومدارسها وجوامعها. ووصف بدقّة القرافة الكبرى وخان الخليلي.

وقد استحق الباحث عن عمله الممتاز في تحقيق النص ودراسته بجدارة جائزة ابن بطوطة لتحقيق المخطوطات.

صفحتان من مخطوط موريسكي والرسم يمثل رجلا اندلسيا خلال هجرته القسرية


من صنعاء إلى إسطنبول


هذا نص رحلي يحمل أهمية تاريخية وأدبية خاصة، دونه العلامة اليمني محمد بن حسين بن علي بن الحسين بن يحيى غمضان الذي سافر إلى الأستانه عام 1907م، 1325هـ على رأس وفد توجه من صنعاء للقاء السلطان العثماني على إثر اضطرابات سياسية عرفها اليمن، وكان يومذاك جزءا من الإمبراطورية العثمانية.

وقد دون الرحالة في نصه مراحل هذه الرحلة ووقائعها بلغة سردية جمعت إلى المعلومة والوثيقة ودقة الملاحظة وصفا أدبيا وبساطة في اللغة.

انطلقت الرحلة من صنعاء عن طريق متنة ومناخة إلى الحديدة ليركب الرحالة، من هناك، البحر إلى تركيا، مرورا بالسويس، وعلى طول الطريق، وعلى الرغم من صغر هذا النص، يكتب المؤلف مشاهداته مقتصرا على ما يبدو لافتا أكثر من غيره من مناظر ووقائع عرضت له وللوفد المتجه إلى “عاصمة الدنيا”.

في إسطنبول، التي يسميها دار السعادة، سوف تبهره أضواء المدينة ببهرجها الحضاري، وقد حل في عالم ليس له عهد به من قبل. فيصف المناظر باندهاش وكأنه طفل صغير لم يبرح مبهورا بما يرى.

يزور الرحالة المدينة، ويتعرف على ملامحها الحديثة التي لم تكن لتختلف عن مدن أوروبا، لما بلغته من تطور في العمران والاجتماع.

ولا يتوقف المؤلف، خلال وجوده هناك عن إبداء سعادته الكبيرة بوصوله إلى عاصمة الإمبراطورية.

ولسوف تتسع الدهشة ويبلغ التعجب منتهاه خصوصا وهو يقف على بعض مستحدثات العصر الحديث من مدارس ومستشفيات وأسطول حربي، ومصانع بآلاتها ومعداتها، وصولا إلى حديقة الحيوانات، والمقاهي، فالمتاحف، وأغلبها ممــا يؤرخ لعظمــة الدولـــة العثمانية وأبهتها. كل ذلك ينقله لنا الكاتب بدهشة مقرونة باحترام، فهو يبدو متقبلا للجديد ومعجبا به دون تحجر أو انكماش.

يكتسب هذا النص أهميته من كونه وثيقة سياسية، إلى جانب كونه نصا سرديا، وأدبا ممتعا، لرحالة كان شخصية مهمة اجتماعيا وسياسيا، فهو متحدر من عائلة علمية، عينه الإمام يحيى حاكما بقضاء ذمار، ثم في ريمه، وفي سنة 1343هـ، تم تعيينه حاكما للواء الحديدة، ثم رئيسا لحكومة سنحان.

ولكل هذه الاعتبارات نال عليه محققه عبدالله الحبشي جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة-فرع تحقيق المخطوطات.

17