رحلة الحياة المجهولة

لتحقيق التوازن في حياتنا بالغربة، من الأفضل أن نحاول التعرف على المزيد من الأشخاص والتحدث إليهم عن الموضوعات المشتركة بيننا، وفي الوقت نفسه لا مانع من المحادثات عبر الإنترنت مع أصدقائنا وأهلنا في بلدنا الأصلي.
السبت 2019/10/05
"من علامات القوة أن تكون بمفردك"

الحياة رحلة غير معلومة الوجهة، وأصعب ما نواجهه في هذه الحياة هو تغيير المحطة التي ألفناها وتآلفت معنا وارتبطت بها تفاصيل حياتنا وذكرياتنا، ونتجه نحو مكان مجهول ونظام اجتماعي جديد، لا نعلم ما إذا كنا سنتمكن من إعادة تثبيت جذورنا فيه أم لا.

الهجرة تبدأ غالبا بطريقة مشوقة، ولكن عند الحلول بالمكان الجديد نعيش حالة من الريبة والخوف، ربما تؤدي بنا إلى الإحساس بمشاعر مكبلة بالضغط وحتى الكآبة، التي قد لا ينفع معها التواصل الافتراضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فالحنين إلى المكان الأول الذي ارتبطت به حياتنا نظل نحمله على جوانحنا أينما ذهبنا، وأعتقد أن هذا الحنين يكون أحيانا أقوى بكثير من الانتماء إلى ذلك المجتمع أو ذاك.

تشعر صديقتي بالضياع والحيرة ولا تعرف كيف تتصرف لتوازن بين أمرين أحلاهما مر بالنسبة إليها، وهما رغبة زوجها في الهجرة من جديد لأنه لم يستطع التأقلم في بلده الأصلي بسبب أنه عاش لسنوات طويلة في بلد أجنبي، وعدم رغبتها في الاغتراب، إلا أنها وجدت نفسها مجبرة على الاختيار بعد أن يئست من إقناع زوجها بضرورة البقاء في وطنهما الأم.

ذكّرتني تجربة صديقتي بما عشته عندما انتقلت برفقة زوجي إلى لندن، وجعلني أستعيد كل كلمة قالتها وأشعر بحجم ما تشعر به الآن من هواجس ومخاوف، فلا شك أن القيمة العاطفية لتفاصيل حياتنا الماضية والذكريات التي ارتبطت بالأهل والأصدقاء والجيران وبالمكان الذي عشنا فيه، جميعها شكلت هويتنا وليس من السهل تركها وراء ظهورنا والتأقلم بسهولة مع واقع مغاير تماما لحياتنا السابقة.

في كتابه “جماليات المكان” قدم الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار سببا عميقا لمعنى “التعلق بالمكان” وخصوصا البيت، فهو يرى أن البيت ليس مجرد شيء مادي بل هو ظاهرة نفسية، فهو الوسيلة التي نثبت بها جذورنا في هذا العالم وليس من السهل التخلي عن هذه الرابطة العاطفية التي نمت عبر الزمن والمتعلقة أساسًا بذلك الإحساس بالأمن والأمان والحماية الذي زرعه البيت بداخلنا. إلى أن يصل إلى تعريف بارع للبيت باعتباره “المكان الذي يجب أن يقبلنا عندما نذهب إليه”، تأمّل كلمة يجب!

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وتعد العلاقات الاجتماعية من أثمن ما يملك في حياته، وفي أوقات الشدة، قد يساعدنا الأهل والأصدقاء، حتى لو كانوا غير مقربين منا، على تخطي المحن التي نمر بها، وقد أدركت أن صديقتي محقة في عدم رغبتها في السفر بسبب تعلقها بأمها وأشقائها وأقاربها وأصدقائها، فالتحدي الكبير الذي قد يواجهه أي إنسان في بداية اغترابه هو الوحدة العاطفية، ربما يكون هذا الأمر هينا بالنسبة إلى البعض ولكن البعض الآخر يشعر وكأن الحياة ستنتهي، ويتعين عليه بذل مجهود كبير لإيجاد أصدقاء يشاركونه اهتماماته، وقد كنت من هذه الفئة، وتعلمت كيف أكسر دائرة الوحدة في الغربة. وقد أكدت الأبحاث على أهمية الروابط الاجتماعية في زيادة الشعور بالسعادة والرضا عن الحياة.

ويقول جون إف هيليويل، الأستاذ السابق بجامعة بريتيش كولومبيا “إن الشعور بالانتماء إلى المجتمع له أكبر أثر في تفسير الاختلافات التي نلحظها في معدل الشعور بالرضا عن الحياة من مجتمع إلى آخر”.

ولكي نحقق التوازن الأمثل في حياتنا بالغربة، من الأفضل أن نحاول التعرف على المزيد من الأشخاص والتحدث إليهم عن الموضوعات المشتركة بيننا، وفي الوقت نفسه لا مانع من الاشتراك في المحادثات عبر الإنترنت مع أصدقائنا وأهلنا في بلدنا الأصلي.

فرغم الأوقات الصعبة التي قد نمر بها في البداية، إلا أن العيش في بلد أجنبي غير الذي نشأنا فيه يعلمنا الكثير وينمي شخصيتنا، وهذا يذكرني بمثل سويدي قديم يقول “من علامات القوة أن تكون بمفردك”.

كنت أظن أنني لن أمكث سوى بضعة أشهر في لندن ثم أعود إلى بلدي، ولكني تعلقت بالمكان، وأحببت الناس، إنهم يبتسمون دائما، وحتى من لا أعرفهم من الجيران يلقون التحية، وهذا لا يحدث على الإطلاق في بلدي الأصلي، وأتمنى أن تأخذ صديقتي تجربتي بعين الاعتبار وتخرج من دائرة الحيرة التي تعيش فيها.

21