رحلة الرواية إلى السينما

الجمعة 2016/08/19

الحديث عن الرواية والسينما والعلاقة الممكنة بينهما حديث متشعب. فهو يعني في ما يعنيه تحديد أوجه التشابه والاختلاف بينهما من جهة، كما يعني أيضا مدى استفادة كل فن منهما من الآخر إن على مستوى التخييل والارتباط بالواقع أو على مستوى البناء الشكلي سردا وتبئيرا وطريقة حكي.

إن الرواية وهي تنقل الواقع أو تحاول على الأقل أن تنقله فهي لا تنقله إلا عن طريق عملية التخييل، بمعنى أنها تعيد صياغته من جديد وفق شروطها الإبداعية التي منها تحديدا بناء عوالم تخييلية متكاملة مؤسسة على مسارات سردية كل واحد منها يؤدي إلى آخر وفق منطق سببي متكامل ويسميها كلود بريمون بمنطق الحكي والإمكانات السردية. ويمكن قول نفس الأمر بخصوص الفن السينمائي. لكنّ السينما وهي تؤسس عوالمها التخييلية تقدمها بشكل بصري واضح اعتمادا على المتواليات الصورية من جهة، وعلى آليات تقنية متحكمة في هذه المتواليات ومؤسسة للعبة التوالي الصُوَرِي من جهة أخرى.

هكذا يمكن القول أن عملية التلاقي بين كلّ من الرواية والسينما إمكانية قابلة للتحقق. فكلّ فنّ منهما يستفيد من تقنيات الكتابة الموجودة في الآخر ومن لعبة زوايا النظر المتحققة فيها سواء من حيث تسليط التبئير على شخصيات دون غيرها أو فضاءات معيّنة في مقابل أخرى، أو حتى من لعبة التحكم في المسار السردي استرجاعا واستشرافا. وهو ما دعا الكثير من المخرجين السينمائيين إلى الرغبة في تحويل مجموعة من الروايات التي أعجبوا بها إلى أفلام سينمائية، بعضها حظي بالنجاح والبعض الآخر لم يستطع أن يحظى به.

ومن الغريب أنّ كثيرا من الروايات العادية قد أصبحت أفلاما سينمائية قويّة وأثّرت في تاريخ السينما العالمية، ومنها رواية “العرّاب” على سبيل المثال. فهذه الرواية التي ألفها الكاتب الأميركي ماريو بوزو عن المافيا الإيطالية في أميركا انطلاقا من قصة شخصية خيالية هي شخصية دون فيتو كورليونيي ما كان لها أن تترك أثرا في تاريخ الرواية العالمية لولا تحولها إلى فيلم سينمائي قويّ من إخراج العملاق فرانسيس فورد كوبولا، وجسّد دور البطولة فيه كل من الممثل مارلون براندو والممثل آل باتشينو، في حين ظلت روايات قوية رهينة أفلام سينمائية عادية حين نُقلت إلى السينما، ومنها رواية “مدام بوفاري” للكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير على سبيل المثال لا الحصر والتي قدمت في أكثر من فيلم سينمائي ظل عاديا في تاريخ السينما العالمية.

في حالات أخرى وهي حالات فنية رائعة تكون فيها الرواية كبيرة من حيث قيمتها الأدبية وموقعها الهام داخل تاريخ الأدب العالمي مثل رواية “اسم الوردة” للكاتب السيميائي أمبرتو إيكو، وحين تُحوّل إلى مجال السينما لا تفقد هذه القيمة الفنية بالرغم من أن مؤلفها قد لا يرضى تمام الرضا عن الفيلم السينمائي المقتبس منها. لكن هذا الفيلم السينمائي ينجح ويحقق وجوده الفني بكثير من التميز. هذا ما وقع تحديدا للفيلم السينمائي “اسم الوردة” الذي أخرجه الفرنسي جان جاك آنود ولعب دور البطولة فيه كلّ من الممثل العالمي شون كونري والممثل الأميركي كريستيان سلاتر.

في السينما العربية نجد أن السينما المصرية كانت سبّاقة في هذا المجال، مجال التعاون بين كُتّاب الرواية ومخرجي الأفلام السينمائية، وهو ما منح للسينما المصرية تميزا ملحوظا في ذلك الوقت، فقد تمّ تحويل أغلب روايات الكاتب العالمي نجيب محفوظ إلى المجال السينمائي وشكّل بعضها علامة فارقة في تاريخ هذه السينما.

ونفس الأمر يقال على البعض من الأفلام السينمائية العربية التي تمّت عملية اقتباسها من الروايات العربية المتميزة. وهو أمر يدعونا هنا والآن إلى التأكيد مجددا على ضرورة هذا التلاقح الثقافي بين كلّ من الرواية والسينما من جهة وبين كلّ أنواع الآداب والفنون من جهة أخرى.

كاتب من المغرب

14