رحلة الفايروس من الاختفاء إلى المشي في الشارع

شكلت الكائنات المايكروبية رعبا على مدى التاريخ وغواية للفنانين حيث أبرزوا البعد الخفي للأوبئة من خلال لوحات ومنحوتات فنية.
الأحد 2020/03/29
الفايروس ضيف على العالم

كيف تعاملت الثقافات مع الأوبئة، عبر التاريخ، وكيف تمثلتها الفنون وعكست صورها الأعمال الفنية من تشكيل ونحت وأعمال مسرحية، فضلا عن الروايات والأعمال الفكرية؟ هذا السؤال الجامع ينطوي على جملة من الاسئلة التي زودنا التاريخ الفني لأوروبا خصوصاً بعدد من الامثلة الفنية بوصفها أجوبة. فالرسامون على وجه الخصوص أبرزوا البعد الخفي للأوبئة، والمفكرون ورجال الدين خصوصا تنافسوا ليقدموا من خلال أجوبتهم مفاهيمهم عن الخير والشر، وعن معنى حياة الإنسان وفنائه.

يقدّم لنا ابن سينا في كتابه “القانون” المنشور عام 1025 نظرية لعمل الجسد باعتباره وعاء يحوي سوائل “سوداء وحمراء وصفراء” تتحرك ضمن الأوعية بنسَب مختلفة، وكلما اختلفت هذه النسب تغيرت الأعراض وخصائص الأعضاء ما يسبب أمراضا مختلفة، هذه المقاربة لتشخيص المرض قائمة على ما هو مرئي وما يمكن رؤيته بالعين المجردة، فالمرض، عدو للصحة، لا بدّ أن يكون مرئيا، أما ما هو خفيّ، ولم يعرف سببه المرئيّ فيعزى إلى أسباب روحية أو دينيّة، وكأن كل ما يمكن رؤيته يمكن قتاله.

أما الخفي، فلا مجال إلا الاستسلام والصلاة أمامه، وبالرغم من إدراك وجود بعض الجراثيم والكائنات اللامرئيّة حينها، لكن لا تصور بصري متداولا لها، وبقي الأمر كذلك إلى حين اختراع المايكروسكوب، إذ اكتُشفت كائنات جديدة، وأشكال من “الحياة” التي دفعت المؤسسة الطبيّة والثقافيّة إلى إعادة النظر في تعريفات الحياة والمرض والصحّة.

يُمكن لأي متابع للأخبار أو وسائل التواصل الاجتماعي الآن في ظل جائحة كورونا أن يلحظ أن للفايروس وجها، أي صورة تمثّل شكله المجهري، هذا الوجه/ الصورة لا يمتلك أي قيمة حقيقية بالنسبة للجمهور العادي، لكن عادة ما يتم توظيف هذا الأسلوب لتكوين صورة للعدو الذي تشنّ السلطة السياسيّة حربا ضدّه، هو غامض، غير مفهوم، شكله غير مألوف بالنسبة للجمهور، ما يجعله مرعبا ويستحق “القتل”.

الحرب الأشد في القرن الماضي والتي تم تبنيها سياسيا كانت ضد فايروس عوز المناعة المكتسب "الإيدز"، والتي وظف فيها الفايروس لتهديد وقمع فئة كبيرة من المرضى وغير المرضى بسبب خياراتهم الجنسية

الصورة السابقة مُرتبطة بتاريخ تمثيل الأمراض الفايروسيّة بوصفها أعداء للحياة والصحة، خصوصا أن هذه الكائنات/ الأعداء تراهن على الاختفاء، وتتجاوز الحدود والطبقات، ما يجعلها تبث الرعب في جسد الناظر، الذي يكتشف هشاشة جسده وضعفه أمام هذا “العدو”، مع ذلك، صورة الفايروس المعاصرة هذه مُرتبطة بالتطور التكنولوجي، وميل السيادة السياسيّة لتحديد خصائص هذا العدو الذي قسّم الناس بين موتى محتملين وبين أصحاء خائفين.

صورة فايروس كورونا ترتبط بداية باسمه كونه ينتمي للتاجيات، التي يحيط بغلاف خلاياها تاج من نوع ما، لكن اختيار هذه التسمية كان لأسباب سياسيّة وإنسانيّة، فحسب منظمة الصحة العالميّة، تم تفادي استخدام كلمة سارس، السلالة التي ينتمي لها الفايروس لتجنب خلق حالة ذعر لدى الناس، خصوصا في آسيا، وتمت الإشارة له بـcovid 19، وهنا تظهر بدايات الاختلاف بين الصور الثقافية وتلك الطبيّة، وكيفية تداول المعلومات ضمن الثقافة العامة.

حرب ضدّ العدو

ثقافة عوز المناعة المكتسبة
ثقافة عوز المناعة المكتسبة

أثار تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن البلاد في “حرب” مع فايروس كورونا حفيظة الكثيرين، خصوصا أن إعلان حالة الطوارئ الطبيّة قد يعني تطبيق الأحكام الاستثنائية وتفعيل عنف قوانين الطوارئ، لكن لغة الحرب في مواجهة الفايروسات والأمراض “المناعية” التي تهدد الجسد الوطنيّ حاضرة في الثقافة الشعبيّة المعاصرة قبل هذا الوباء بكثير، إذ نشاهد في المسلسل الشهير “كان يا مكان الحياة – 1987” جهاز المناعة والخلايا البيضاء والأدوية بوصفها عناصر من الجيش وقوى حفظ الأمن المسلحين بالهراوات والطائرات لقتال الفايروسات/الأعداء، وهنا يظهر التعريف التقليدي لما هو سياسي بوصفه أسلوبا لخلق الاختلاف بين الصديق أو المدافع، الجميل، والنظيف والقوي، وبين “العدو” البشع والمقزز، الذي يجب تجنبه والابتعاد عنه، وهذا ما نراه بوضوح في المسلسل الكرتوني.

المتخيلات السابقة عن “الفايروسات” كانت أشدّ “قبحا” بالعودة في الزمن، فقبل تحول الحياة المايكروبيّة إلى جزء من الثقافة الشعبية، كان التعبير عن الأوبئة يعني تصوير المصابين بها، فالجذام والطاعون والجدري، كانت غضبا ربانيا وعقابا توراتيا يحل على الناس، هذا المتخيّل نراه في لوحة “خيانة الإنسان” لسيلفاتور روسا التي تعود للقرن السابع عشر، وفيها يظهر الطاعون كدرس للبشر وعليهم عقد صفقة مع الموت للتسليم بمصيرهم المحكوم بالهشاشة والخطيئة، وهنا يظهر معنى اسم اللوحة، “الخيانة” بوصفها شرط البشرية نفسها، ومحرك ضعفها، وكأننا محكومون بالموت بمجرد ولادتنا، لذلك نرى رضيعا، يوقع صفقة مع الموت أساسها  الفايروس/ الوباء بوصفه علامة على اقتراب فنائنا.

المرئية التي اكتسبتها الفايروسات والجراثيم والموجودات الخفيّة ألهمت العديد من الفنانين في القرن الماضي، فالإسباني خوان ميرو تأثر بهذه الكائنات الحيّة “اللامرئيّة” وهذا ما نراه مثلا في لوحته “امرأة وعصفور ونجمة” والتي تبدو أشبه بصورة مجهريّة لكائنات الفنان المايكروبية، فالعمل الفني رؤية عميقة في العناصر التي تكون عوالم اللوحة، والخطوط أشبه بحدود تميز كائنا مايكروبيا عن آخر لكنها في ذات الوقت تتيح تداخل هذه الكائنات لخلق أعراض/ ألوان جديدة.

ترتبط المقاربة الفنيّة السابقة بالتطور التكنولوجي، واكتشاف عوالم جديدة وسحرية، ذات علاقات متغيّرة لا تراهن على الثبات، وكأن عدسة المايكروسوب كما التحليل النفسيّ فتحت أعين الفنانين على مساحة جديدة من الأشكال والكائنات، والمثير بالأمر، أن انفتاح الحدود وتغيرها بين هذه الموجودات لا يخضع في المجال الفنّي لتصنيف “صحي ومريض”، بل يتم التعامل معها ككائنات تتجاوز البشر والآلة، كائنات قادرة على تعديل ذاتها عبر الزمن، وهذا ما جعل بعض المتأثرين بالسوريالية يناقشون علاقة الحياة المايكروبية مع العمل الفني والتي ظهرت في بعض أعمال السويسري بول كلي ولوحته الشهيرة “الجسر الأحمر”، وبعيدا عن المعنى الواضح، كل واحدة من عناصر اللوحة أشبه بخليّة أو كائن مايكروبيّ يرتبط مع آخر بشكل لا يدّعي الإتقان أو التماسك، بل يبدو وكأنه على وشك الانزياح، وكأن ما نراه مؤقت، يسعى للتغير والتحرك في سبيل اكتمال من نوع ما.

المرئيّة للأقصى

هشاشة الإنسان أمام العقاب الرباني
هشاشة الإنسان أمام العقاب الرباني

يوظف الفنان البريطاني لوك جارم أشكال الفايروسات نفسها في أعماله الفنيّة، محوّلا إياها إلى منحوتات وأعمال تجهيز بأحجام مختلفة، وأنجز [ مكبرا بمقدار مليوني مرة، ويقول إن العمل تقديرا لجهود الأطباء والعلماء الذين يحاولون أن يجدوا علاجا للمرضى في ذات الوقت المنحوتة وسيلة لجعل

الفايروس أكثر مرئية للعامة، واستبدال الصورة الملوّنة عبر الكمبيوتر بشكل آخر يمكن إدراكه، خصوصا أن الفايروس لا لون له، ما يُحيلنا إلى تمثيلات الفايروسات في الأخبار، الألوان الحمراء والبنفسجية والسياق الجدّي يبث الرعب في المشاهدين حين يرون هذا “الكائن الغريب”، أما منحوتات جارم فهي أسلوب سياسي – فنّي لضبط وخلق إيمان عميق بقدرة العلم على تجاوز الجائحة، ورهان على العقلانيّة والتأني بمواجهة احتمالات الذعر العالمي.

الفايروس المرح

الحرب الأشد في القرن الماضي والتي تم تبنيها سياسيا كانت ضد فايروس عوز المناعة المكتسب “الإيدز”، والتي وظف فيها الفايروس لتهديد وقمع فئة كبيرة من المرضى وغير المرضى بسبب خياراتهم الجنسية، بالرغم من التغيرات الكثيرة التي طرأت على أسلوب تمثيل المصابين، إلا أن الأمر بقي هاجسا لعدد من الفنانين، كالبريطاني جون والتر الذي تبنّى شكل فايروس الإيدز ضمن أعماله وحوله إلى موتيف متكرر مرح ومضحك، وذي ألوان زاهية، كما نراه في الأداء الذي أنجزه بعنوان “فايروس يدخل إلى بار” وهو لعب لغويّ على مقدمة نكتة تقليدية باللغة الإنجليزيّة، وما فعله والتر هو صناعة كرة تشبه الفايروس في تصميمها والمشي في الشارع محاطا بمؤدين يرتدون زيا مبهرجا يسخر من أزياء العاملين في مكافحة الأوبئة، كل ما سبق هو تعليق وسخرية من بعض الأفكار الشعبية التي تقول إن الإيدز ينتقل باللمس ويجب عزل المصابين به وعدم الاقتراب منهم.

يحضر الفايروس ضمن عوالم والتر بوصفه جزءا من تكوينه كفرد لكنه لا يتطابق معه أو يطغى عليه، هو عنصر طارئ يعيد ترتيب علاقته مع نفسه ومع المحيط، وهذا ما نراه في لوحة بعنوان “مُعلق، ومرسوم ومختون” والتي تصور والتر والفايروس في العالم، فهناك أيد مكبلة بالأصفاد، وأحصنة تسحب الفايروس في اتجاهات مختلفة، أشبه بلوحة سوريالية يظهر فيها الفنان أسير ما حوله، وكأنه في سجن أو مكبّل بسبب الخطاب السياسي والثقافي الذي يحكم المصاب بعوز المناعة المكتسبة.

العالم بوصفه علاقات مجهريّة
العالم بوصفه علاقات مجهريّة

 

14