رحلة الملك حسين في العمل من أجل السلام

السبت 2013/08/31
الراحلان والوصية واحدة

لندن- صدر مؤخرا كتاب للدكتور جمال ناصر، المستشار السابق للملك الأردني الراحل الحسين بن طلال، ولنجله الملك عبد الله بن الحسن، الذي يمكن اعتباره وثيقة تاريخية قيمة، ليس فقط فيما يتعلق بمواقف الملك حسين بل عن شخصية المؤلف، وهو من أصل فلسطيني هُجّر هو وعائلته من وطنهم فلسطين، وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم من جانب المجموعات الصهيونية.

ورغم وصول الكاتب إلى أعلى المناصب في الأردن وإنكلترا فقد استمر في وطنيته وعروبته وتمسكه بعدالة القضية الفلسطينية، شأنه شأن المناضلين الفلسطينيين الآخرين من سائر الفئات والطبقات الاجتماعية الفلسطينية.

الكتاب بعنوان: "تحت قبعتي كرجل قانون" (Under my wig) وقد صدر بالإنكليزية عن دار (غيلغاميش) للنشر في لندن، وقدمه الكاتب إلى زوجته هيا المصري وأولاده وأحفاده كوديعة لكي ينقلوا رسالته إلى الأجيال القادمة من الفلسطينيين والعرب.

يصعب بالفعل تقييم أهم ما ورد في هذا الكتاب، فهل يجب التركيز على الفصول الأولى منه التي يتحدث فيها جمال ناصر كيف ذهب لدراسة المحاماة في بريطانيا وعاد إلى القدس ليجد منزل عائلته مسلوبا من عصابات صهيونية، فيما تمسكت والدته بمفتاح منزل العائلة؟ أو عن دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت على أيدي مفكرين كبار على شاكلة شارل مالك وأنيس الخوري المقدسي؟ أو في تدرجه في لندن في مهنة المحاماة على يدي كبار رجال القانون في بريطانيا ليصبح ليس فحسب مستشارا للملك الحسين، بل لشخصيات عربية وعالمية بارزة أخرى، ولأناس عرب عاديين لم يجدوا من يدافع عن حقوقهم.

سنركز في هذا المقال على علاقته بالملك الحسين، من دون إغفال المراحل الأولى من هذه المذكرات المفيدة جدا لمتتبعي التاريخ الحديث للعالم العربي.

والمهم في الفصول الأولى أن الدكتور ناصر يظهر أن العرب واليهود في فلسطين قبل النكبة (أي في منتصف أربعينيات القرن الماضي) كانوا متعايشين بوئام، ولكن الهجمة الصهيونية بعد قرار التقسيم فرقتهما. ويستشهد في هذا المجال بقول أول رئيس وزراء لإسرائيل ديفيد بن غوريون بأنه لو كان مكان الفلسطينيين لرفض بشدة موقف الصهاينة الذين أتوا للاستيلاء على وطنهم. ومن المفارقة أن ناصر التقى بالصدفة ببن غوريون قبل قرار التقسيم في رحلة بالقطار النفقي في لندن قبل أن يدرك بأن هذا الشخص سيقود عملية الاستيلاء على وطنه.

ويوضح ناصر التواطؤ من جانب السلطة البريطانية الاستعمارية مع أهداف الصهيونية في فلسطين ومساهمتها في ترجيح كفة عملية استيلاء هؤلاء الغزاة على فلسطين منذ البداية، استنادا إلى اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة.

كما يشير ناصر إلى الدور الذي لعبه في لندن في ما سمّي "المكتب العربي" في الدفاع عن القضية الفلسطينية إلى جانب المناضل والمحامي الفلسطيني موسى العلمي، مما ساهم في تعزيز قدرته على الخطاب في المحافل العامة والمحاكم العدلية. فالمكتب العربي، يقول ناصر، تم إقفاله شأنه شأن المنابر الإعلامية العربية الأخرى في أوروبا والعالم بسبب الضائقة المالية.

ويروي الكاتب كيف استخدم في مناسبات عدة معرفته ودراساته وكتبه، ومراجع أخرى، حول قوانين الأحوال الشخصية في الشرع الإسلامي لفض نزاعات خطيرة على الصعيدين العام والشخصي وحلّها. ويؤكد أن كبار المراجع القضائية البريطانية استخدمت كتبه ونوهت بصدقيتها حول هذا الموضوع.

ويتحدث ناصر في الفصل الخامس من الكتاب عن اغتيال الملك الأردني عبد الله، جد الملك الحسين عام 1951، مشيرا إلى شجاعة الأسرة الهاشمية الأردنية، إذ تم تنبيهه إلى خطورة الظهور العلني، وبرغم ذلك ظهر علنيا في جامع الأقصى وتم اغتياله. ويؤكد أن سيمتا الشجاعة والإيمان بالقدر كانتا وما زالتا من الميزات الأساسية للأسرة الهاشمية.

ويذكر في هذا المجال كيف عزل الملك الحسين بن طلال المسؤول العسكري البريطاني غلوب باشا من منصبه عام 1956 لهيمنته على السلطة الأمنية في الأردن وطرده من البلد. وكان الحسين آنذاك صغيرا في السن وفي مستهل مهمته الملكية الشاقة، علما أن الحسين تسلم منصبه الملكي في الـ 16 من عمره عام 1956، وكان في الوقت نفسه قوميا عربيا وأردنيا، حسب قول المؤلف.

وقد عين الملك الحسين جمال ناصر مستشارا خاصا له وللدولة الأردنية ولسفارتها في لندن، وجعله وزيرا للعدل في الأردن، ووزيرا للخارجية بالوكالة، وكانت ثقته به غير محدودة في شتى الشؤون الخاصة والعامة، مما أثار غيرة شخصيات أخرى وحسدها، حسب ما يلمح المؤلف الذي يؤكد أن هدفه من كتابة هذا الكتاب أنه يعتبر نفسه مسؤولا عن إيضاح تراث الملك الحسين وخطورة القرارات الشجاعة التي اتخذها، من موقفه كمستشار على علاقة مباشرة بالملك وليس من كاتب يعتمد مصادر ثانوية.

ويؤكد ناصر أن علاقته كانت جيدة بإخوة الملك الحسين (محمد والحسن) وأبنائه وأنه كان يهتم دوما بقضاياهم الشخصية والمادية من موقعه كمحام ويزورهم بتواصل لدى إقامتهم في بريطانيا.


المؤامرة

ملك ترك أثاره على قرن كامل


ويؤكد ناصر في الصفحة (91) من الكتاب أنه ساهم في إحباط محاولة انقلاب خطيرة ضد الملك الحسين كان بالإمكان أن تغير مجرى الأحداث في الشرق الأوسط سلبا. وبرغم من أنه لا يذكر أسماء الشخصيات التي شاركت في هذه المحاولة، ولا تفاصيلها، فإنه يشير إلى أن منفذيها كانوا من المحترفين مزدوجي الانتماء، والقادرين على التخطيط الدقيق، وأن الهدف كان إزالة سلطة الملك الحسين وتغيير المعطيات السياسية في المنطقة وأنهم كانوا يريدون أن تذهب مقاطعة غزة إلى مصر، وأن تبقى الضفة الغربية تحت السلطة الإسرائيلية. وبالتالي أن يصبح الأردن دولة غير فاعلة وأن تسلب استقلاليتها وتبقى فقط مصر وإسرائيل مهيمنتين على ما تبقى من فلسطين. ومع أن ناصر لا يذكر الجهات التي كانت وراء هذه الخطة، فإن القارئ يستنتج أن رائحتها إسرائيلية – شارونية وخصوصا كون عائلة ناصر تعرضت لمحاولات اغتيال بعد أن كشف ناصر عنها لوزارة الخارجية البريطانية وبعدما أبلغ عنها مسؤول الشرق الأوسط في وزارة الخارجية البريطانية آنذاك السير ديفيد غوربون المتعاطف مع القضايا العربية.

هذه الخطة، يقول ناصر، كانت ستعزل فلسطين عن الخارطة العالمية وستقضي على دور الأردن. ولكن، حسب قوله، فإن الملك الحسين وطالما كان موجودا، فلم يكن بالإمكان نجاح هذا المشروع، وبالتالي كانت الضرورة لإزالته.

ويوضح ناصر أن غوربون شكك في البداية إزاء صحة الوقائع حول هذه المؤامرة، وأنهما تناقشا في الموضوع بحدة وأن مستشاري غوربون كانوا يزودونه بمعلومات معاكسة. ولكن ناصر سافر إلى جنيف وعاد بمعلومات موثوقة مما أقنع غوربون، الذي نصحه باتخاذ الاحتياطات اللازمة إزاء أي محاولات لاغتياله. فأكد له ناصر أنه يؤمن بالقدر كونه مسلما مؤمنا بإسلامه.

وقبل سفر الملك الحسين للمعالجة من السرطان في أميركا، يقول المؤلف، دعاه العاهل الأردني لوداعه في لندن ولشكره على كل ما فعله من أجله ومن أجل الأردن، واعترف له بأنه كان الشخص الأكثر صدقا نحوه وبأن ثقته به كانت ومازالت الأقوى. ويؤكد ناصر أن الملك الحسين استمر حتى آخر دقيقة من حياته في العمل من أجل السلم في المنطقة برغم استيلاء إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية، وأن قراره توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994 اندرج في رغبته في الحفاظ على ما تبقى من الحقوق العربية وعدم السماح للجهات الإرهابية في استخدام ما مارسته إسرائيل للاستمرار في العمليات الإرهابية التي تسيء إلى الإسلام وصورته النقية ودوره في نشر السلام والتعايش والحوار في العالم. وقد توفي الملك في شباط (فبراير) 1999 بعد قيادته الأردن لـ 46 عاما وشيّعه العالم وقياداته، من سائر التوجهات حسب المؤلف.


تهديدات واعتداءات

أحداث مريبة يرويها ناصر في كتابه

وفي الفصل السابع من الكتاب، يتحدث الدكتور ناصر عن أحداث مريبة واعتداءات وتهديدات تعرض لها هو وأفراد عائلته مشيرا إلى أنها ارتبطت بكشفه المؤامرة لقلب نظام الملك الحسين، ومنها هجوم بسيارة ضخمة على سيارة ابنته، كاد يودي بحياتها، واعتداء بالضرب على زوجته لدى عودتها من رحلة للتسوق في حي كينزنغتون حيث أوقعها أرضا رجلان مقنعان وأوسعاها ضربا، بالإضافة إلى تهديدات تلقاها بواسطة الهاتف.

ويشير الدكتور ناصر إلى مهمات عديدة قام بها في سائر أنحاء العالم (أفريقيا، آسيا، أميركا) إما لتمثيل الأردن أو جهات رسمية أو جهات خاصة أخرى، وإلى لقاءاته خلال هذه الزيارات بشخصيات عربية وعالمية مرموقة بينها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، والقائد الصيني ومؤسس دولة الصين الحالية ماو تسي تونغ والسلطان قابوس بن سعيد وقادة دولة الإمارات العربية المتحدة.

ويروي في الفصل التاسع كيف كان الملك الحسين يفاجئه بتعيينه في أرفع المناصب من فرط ثقته به وبينها تسليمه وزارة العدل ثم وزارة الخارجية، في حكومة الرئيس أحمد طوقان. وقد قبل المهمة الأولى واعتذر عن الثانية ولكنه مارسها بالوكالة لفترة محدودة بسبب كثافة أعماله الخاصة كمحام دولي.

ويتطرق إلى اتفاقية السلام التي وقعها الملك الحسين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في تشرين الأول (أكتوبر) 1994 مشيرا إلى تحفظه الشخصي على عدم وجود أي بند فيها يذكر حقوق الأفراد الفلسطينيين في استعادة الممتلكات التي سلبها منهم الإسرائيليون، وخصوصا في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ولا إلى أي تعويضات على خسارة الفلسطينيين، وبينهم عائلته وهو شخصيا، لممتلكات في تلك المنطقة، ولا إلى إمكانية المقاضاة حول هذه الأمور.

ويشمل الكتاب وقائع وأحداثا عديدة تنشر للمرة الأولى وتشكل وثائق تاريخية قيمة عن الحياة السياسية والقانونية في العالم العربي لا يتسع المجال لذكرها كلها في هذا العرض، وبالتالي، على المهتمين قراءة الكتاب لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع.

ويؤكد ناصر وجود ثورة تنمية في العالم العربي في مجالات عديدة، وخصوصا في المجال الثقافي والعمراني في دول زارها وتعاطى معها وبينها دولتا الإمارات العربية المتحدة وعُمان بشكل خاص.

ويدعو، في ختام كتابه، كل سكان العالم أن يفعلوا شيئا من أجل القدس في سبيل إزاحة الألم والمعاناة عن الشعب الفلسطيني ووقف محاولات الاستيلاء على المواقع الإسلامية المقدسة في هذه المدينة عبر التطبيق الفعلي للقوانين والشرائع الدولية وتوعية شعوب العالم إزاء فلسطين وآلام الفلسطينيين.

15