رحلة المهاجرين إلى أوروبا أحلام تحترق تحت الشمس

المهاجرون واللاجئون يتجهون نحو أوروبا هربا من الحروب والفقر، وعندما يصلون إلى البوسنة، يأملون في عبور كرواتيا البلد العضو في الاتحاد الأوروبي.
الاثنين 2019/07/08
رحلة سيزيف

الحدود والأسلاك الشائكة وقوات حرس الحدود تخنق حرية الإنسان، وتزيد من اختناقه حين يهرب من الفقر والظلم في رحلة البحث عن ملاذ آمن، فتتكسر أحلامه في حدود العبور وتتحول إلى رحلة عذاب ومهانة، هذا ما يعانيه المهاجرون العالقون على الحدود بين البوسنة وكرواتيا.

بيهاش (البوسنة والهرسك) – مع موجة الحر الخانق لصيف البلقان، تضاف إلى معاناة الآلاف من المهاجرين العالقين في البوسنة مشكلة أخرى في رحلتهم المضنية باتجاه الاتحاد الأوروبي.

وتحت شمس حارقة، يسارع صالح الحسن ورفاقه الخطوات باتجاه الغابة طلبا للاحتماء بظل أشجارها. وكانوا فشلوا للتو في محاولتهم المتجددة للعبور بعد طردهم من الشرطة الكرواتية التي تكثّف جهودها في قطع الطريق إلى الاتحاد الأوروبي أمامهم.

يقول الحسن وهو مهندس معماري سوري عمره 33 عاما، “حاولت أكثر من 15 مرة، وأنا أحاول منذ عشرة أشهر المرور، لن أتخلى عن الأمر. أرغب فقط في رؤية ابني” المولود في السويد. ويضيف “لم أره إلا في الصور”.

وكانت زوجته بين مئات الآلاف من المهاجرين الذين سلكوا طريق البلقان في 2015 قبل إغلاق حدود الاتحاد الأوروبي.

ويصل معظم المهاجرين إلى البوسنة بعد أن يمروا من تركيا إلى اليونان ومنها إلى ألبانيا والجبل الأسود.

وقد برزت تلك الطريق بعد أن أغلقت معظم دول البلقان حدودها بوجه المهاجرين في مارس 2016، نتيجة تدفق أكثر من مليون مهاجر قادمين من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشمال أفريقيا في 2015 مع بروز أزمة الهجرة بشكل كبير.

الطريق الجديد يستخدمه لاجئون من دول متعددة للوصول إلى الفردوس الأوروبي عبر البوسنة مليء بالمخاطر.

ومن أبرز مخاطر الطريق الجديد وعورته الشديدة وانتشار مخلفات الحروب السابقة، وخصوصا الألغام المضادة للأفراد والمزروعة في الطرق الجبلية.

الحرارة العالية خلال الصيف الحالي والظروف المعيشية السيئة التي يعاني منها المهاجرون، كلها عوامل ترفع من الأخطار المحدقة بصحتهم العامة
الحرارة العالية خلال الصيف الحالي والظروف المعيشية السيئة التي يعاني منها المهاجرون، كلها عوامل ترفع من الأخطار المحدقة بصحتهم العامة

ويتقدم الحسن ورفاقه على درب معفر غير بعيد من لافتات حمراء معلقة في الأشجار تحذر من وجود ألغام في المكان من مخلفات المعارك في منطقة بيهاتش (شمال غربي) أثناء حرب البوسنة (1992-1995).

وهم لا يتوقفون إلا عند رؤيتهم جدول ماء يحمل بعض الطراوة للأجساد المنهكة من المشي في حرارة تبلغ 35 درجة. وما عاد هؤلاء الهائمون على وجوههم يعرفون أين يرتاحون، فقد امتلأت مراكز إيواء المهاجرين في بيهاتش وفيليكا كلادوسا قرب الحدود مع كرواتيا التي تديرها المنظمة الدولية للهجرة، وتبلغ طاقتها 3500 شخص.

لذلك هم يقيمون في أماكن عشوائية غير صحية، وينوي الحسن التوجه إلى ساراييفو “حيث توجد خيارات أكثر” لمحاولة جديدة للوصول إلى الاتحاد الأوروبي.

بعد تباطؤ في الشتاء، استؤنف تدفق المهاجرين مع “مئة مهاجر يصلون يوميا إلى كانتون” بيهاتش، بحسب علي سيليديديتش المتحدث باسم الشرطة المحلية. ويضيف المتحدث، “لكن في الآونة الأخيرة قل عدد من يتمكنون من عبور الحدود. فقد عززت كرواتيا بشكل كبير الوجود الأمني في هذه المنطقة”.

ويتجه المهاجرون واللاجئون نحو أوروبا هربا من الحروب والفقر، وعندما يصلون إلى البوسنة، يأملون في عبور كرواتيا البلد العضو في الاتحاد الأوروبي، والتي باتت تعدُّ العقبةَ أمام تمكّن اللاجئين والمهاجرين من تحقيق أحلامهم.

وأفادت الجمعيات والمنظمات الإنسانية العاملة مع المهاجرين أن الحرارة العالية خلال الصيف الحالي والظروف المعيشية السيئة التي يعاني منها المهاجرون، كلها عوامل ترفع من الأخطار المحدقة بصحتهم العامة.

هذا وقد ارتفعت الشهادات والتقارير حول تعرّض المهاجرين للضرب من قبل شرطة الحدود الكرواتية، الأمر الذي تنفيه سلطات كرواتيا.

ويؤكد الشاب السوري سمير بأن الشرطة الكرواتية ضربته بالعصي وركله أحد عناصر الأمن وأخذ منه هاتفه المحمول وجرّده من كل ما يمتلك، “حتى حقيبتي الصغيرة التي وضعت فيها بعض الثياب، قام الشرطي بأخذها مني.. اضطررت إلى العودة إلى هذا المكان المزري ريثما أجد حلا لعبور الحدود”.

وقال منظمة العفو الدولية في تقرير لها نشر في مارس الماضي، “يتعرض الفارّون من الحرب والاضطهاد للضرب على أيدي الشرطة الكرواتية، التي تسطو على ما لديهم، وتدفع بهم قسراً نحو حالة مريرة من الوضع القانوني المبهم، وتبقيهم تحت رحمة نظام لجوء فاشل في البوسنة والهرسك”.

أحد الشبان من غزة روى لمنظمة العفو الدولية ما حلّ به عندما أمسكت به الشرطة مع تسعة أشخاص آخرين. قال، “نقلونا بالسيارة إلى الحدود مع البوسنة. ثم دفعونا إلى مغادرة السيارة، واحداً تلو الآخر، وراحوا يضربوننا بالهراوات”.

ثم وصف كيف رشوا ما يعتقد أنه رذاذ الفلفل في وجوههم “لم أستطع رؤية شيء. وكانت عيناي تحرقانني. ثم طلبوا منا أن نذهب وألا نفكر بالعودة إلى كرواتيا في يوم من الأيام”.

وأبلغ سامي، من الجزائر، منظمة العفو الدولية أنه ومجموعة من الرجال الآخرين اقتيدوا واحداً تلو الآخر، وأجبروا على الوقوف وسط حلقة من رجال الشرطة المقنعين الذين قاموا بضربهم بالهراوات، وبمضرب بيسبول. وقال، “بعد ذلك أخذوا نقودنا وهواتفنا وأمرونا بالتوجه إلى البوسنة”.

العيش في العراء صيفا وشتاء
العيش في العراء صيفا وشتاء

وكثيرً ما يعاد من يُمسك بهم في إيطاليا وسلوفينا مكبلين بالسلاسل، ويسلمون إلى الشرطة الكرواتية دون التقيد بإجراءات تذكر، ليعادوا بالقوة إلى مخيمات البوسنة والهرسك دون النظر في طلبات لجوئهم.

ومع تصاعد صرخات الاحتجاج على مزاعم الإعادة بالقوة وبصورة عنيفة من الحدود، راحت السلطات الكرواتية تتستر بصورة متزايدة على ممارساتها المتعلقة بالهجرة كي لا تصل أخبارها إلى الرأي العام.

وسدَّت السلطات السبل في وجه مساعي المؤسسات الكرواتية العامة إلى الإشراف على العمليات المتعلقة بالهجرة في المناطق الحدودية، بينما استهدفت السلطات المنظمات العاملة بشأن حقوق المهاجرين واللاجئين لمنعها من القيام بعملها”. وبحسب وزارة الأمن البوسنية دخل أكثر من 34 ألف مهاجر آسيوي وأفريقي بشكل غير قانوني البلاد منذ بداية 2018، ويوجد نحو ثمانية آلاف منهم حاليا في البوسنة، بحسب المفوضية الأوروبية.

وهذا ما قد يؤدي إلى توتر مع أهالي هذه المنطقة الفقيرة التي تعاني صعوبات اقتصادية. ويحتل المئات من المهاجرين أماكن عامة في بيهاتش التي تضم 65 ألف نسمة.

وخوفا من غضب الأهالي، أقامت السلطات في بداية يونيو بمساعدة فرع الصليب الأحمر، مخيما في فوتسياك في منطقة غير مأهولة تبعد عشرة كيلومترات من الحدود يتم فيها إيواء المهاجرين الذين لا يجدون لهم مكانا في مراكز منظمة الهجرة.

وبحسب الأمم المتحدة، فإن المنطقة المحيطة بالمخيم تحوي ألغاما مع مخاطر انفجارها حيث كان الموقع مصبا سابقا.

وكما هو حال موقع كاليه في شمال فرنسا، أطلق سكان هذا المخيم في البوسنة عليه اسم “الغابة”. ويؤوي المئات من الشبان في ظروف صحية مزرية، إذ ينامون على فرش ودون رعاية طبية ولا أماكن استحمام أو مراحيض. وزوّد المخيم بعدة براميل من الماء لا تتيح إلا الحد الأدنى من النظافة.

ويقول سليمان أشرف وهو باكستاني في الـ29 من العمر يسعى إلى الانضمام إلى شقيقه في إسبانيا، “الطقس حار جدا. لا يمكن أن نبقى في خيام. الغذاء الذي يأتي مرتين يوميا هو كل ما نحصل عليه هنا. إضافة إلى بعض الماء، ما يتيح لنا البقاء أحياء”.

20