رحلة بحث عن فتاة اختفت فجأة في صنعاء تنتهي بشكل غرائبي

للرواية القصيرة الفضل في تحريك مياه السّرد الرّاكدة والمساهمة في تبديل خلاياه الميّتة، فهي تسكن في منطقة التّداخل الأجناسي بين الأقصوصة والرواية، وتميل إلى طرح الأسئلة عكس الرواية التي تتحمّل مهمّة الإجابات، وفي تاريخ الأدب العالمي أنتجت المخيّلة البشريّة روايات قصيرة خالدة، مثل رواية “الشيخ والبحر” لهامنغواي و”ميتتان لرجل واحد” لأمادو وغيرهما من الروايات القصيرة التي أثّرت كثيرا على أجيال من الروائيين وخفّفت الرواية الكلاسيكيّة من بدانتها وغيّرت رؤيتها التي كانت تنفتح على الأحداث على حساب الأسلوب.
الاثنين 2017/07/24
جني اختطف الفتاة (لوحة للفنان هاني مظهر)

في روايته الجديدة “بلاد بلا سماء” يسير بنا الروائي اليمنيّ وجدي الأهدل في المناطق الوعرة من السّرد، في الخطّ الفاصل بين الرواية والأقصوصة، حيث اللغة أكثر تكثيفا من لغة الرواية، والحدث أبعد من حدث الأقصوصة المحدود زمانيّا ومكانيّا.

اختفاء محير

تدور رواية “بلاد بلا سماء” حول حدث اختفاء فتاة تبلغ من العمر عشرين ربيعا، وهي طالبة جامعيّة من مدينة صنعاء، واسمها الكامل هو “سماء ناشر النعم”، وتُلتقط أحداثها من تقارير ضبّاط التفتيش ومن شهادات المستجوبين أثناء البحث ومن يوميات الفتاة المفقودة التي تعود إليها أمها.

قد يذهب في ذهن القارئ عند منتصف الأحداث أنه أمام رواية بوليسية تتقفّى خيط جريمة اختطاف فتاة، لكن نهايتها المتمثّلة في استنتاج عجائبيّ وصل إليه البحث عن الفتاة المفقودة.

وهو السيناريو الذي خفّف من غضب العائلة المطعونة في شرفها، الاستنتاج الذي اقتنع به الجميع هو أنّ الفتاة اختطفها جنّي دخل بها جذع شجرة رمّان في ساحة الكليّة، هذه النهاية العجائبيّة المدوّخة تخيّب أمل القارئ الذي تحمّس في اقتفاء خيط البحث عن الفتاة المفقودة، وتضعه أمام تساؤل حارق، وهو: ما هي مقاصد الكاتب في روايته هذه؟

لمحاولة فهم ذلك، لا بدّ من العودة إلى شخصيات الرواية والتمعّن في تفاصيلها بقراءة أخرى، فرواية “بلاد بلا سماء” لا يمكن أن تمنح أسرارها من القراءة الأولى، فهي رواية مفخّخة بالرموز، وكاتبها اجتهد في بنائها وتكثيفها وهذا ما عوّضها عن حجمها الصغير الذي لم يتجاوز السبعين صفحة في طبعتها الأولى عن دار التنوير.

أغلب شخصيات الرواية كانت تحرّكها الأحداث، مثل شخصية الشيخ “ناشر النّعم” والد المفقودة وأمّها “وهيبة” والدّكتور “عقلان” وهو مدرّس “سماء” في الجامعة والبقّال “الحاج سلطان” وهو جار عائلة “ناشر النعم”، و”عبد ربه عبيد العديني” وهو ضابط برتبة نقيب في البحث الجنائي و”مطيع ردمان” وهو شرطيّ برتبة مساعد. كلّ هذه الشخصيات كانت محامل للأحداث لا غير.

أمّا الشخصيّتان اللتان حرّكتا الأحداث ودارت حولهما الرواية فهما شخصية “سماء ناشر النعم”، والتي افتتحت الرواية متكلّمة عن حياتها وتفاصيلها اليومية وعلاقاتها بعائلتها ومحيطها الصغير من الجيران والأهل والأصدقاء، وشخصية “علي نشوان” وهو صبيّ لم يدرك الشباب بعد، كان يجاور سماء في سكنها وعاشقها الذي لا يكفّ عن ملاحقتها.

رواية رمزية

إنّ المفكّر في البعد الرّمزي لشخصية “سماء”، باسمها الذي يحمل دلالات القداسة والعلوّ، سيرى أنّها تجسّد الحقيقة، وهي التي افتتحت الرواية متكلّمة، ثمّ دارت الأحداث والأحاديث حول حادثة اختفائها.

وتبدأ رحلة البحث عنها بين تقارير مراكز الشرطة التي تمثّل السلطة السياسية، وبين شهادات المستجوبين والذين يمثّلون العيون التي كانت تحاصر سماء، وأغلبهم من الكهول والشيوخ المتحرّشين بها أثناء سيرها من بيتها إلى جامعتها، وبين ذكريات سماء التي تدار بين أفراد عائلتها التي تمثّل السلطة الدّينية، وبين فضاءات الجامعة التي تمثّل مكان البحث عنها. أمّا النهاية العجائبية والمتمثلة في اختفاء سماء بفعل خارق بتدبير جنيّ، فهي تمثّل سقوط الحقيقة وليمة للخرافة.

سقوط الحقيقة

شخصية “علي نشوان” ذهبت قربانا لعشقها لسماء كما يصفها الروائيّ، فهي تحمل أبعادا رمزيّة كثيرة أيضا، بداية بالاسم الذي تحمله والذي يعيدنا إلى فواصل حارقة في التاريخ العربيّ الإسلامي، والشخصية تجسّد عاشق الحقيقة.

وما النهاية المأساوية التي طالته من إخوة معشوقته بقتله والتّنكيل بجثّته سوى تجسيد لمصائر عشّاق الحقيقة عبر تاريخ السياسة العربيّة التي نصّبت نفسها حارسا لتلك الحقيقة، ولم تكتف بمنعها من متع الحياة كما فعلت عائلة ناشر النعم مع ابنتها سماء وفرض النقاب عليها أثناءخروجها إلى الجامعة، بل يتجاوز الأمر إلى مراقبة كلّ من يحاول التقرّب منها وإلحاق الأذى به.

صدّر الأهدل روايته بهذا المقطع من “الباجافاد جيتا”: إليك يا من لمْ تخطئ، سأشرح لك هذا أيضا، إنها المعرفة الأكثر سرية وخبرة، كيْ تتمكّن من التحرّر من الشرّ.

الباحث في الديانات، يعرف أنّ “الباجافاد جيتا” هو أبعد من كتاب لاهوتيّ يمتلئ بالإملاءات والمواعظ، بل هو يمثّل كتاباً في فلسفة الدين والحياة، يقوم أساسا على تحرير الذات من شرنقتها الضّيقة “الفردية” لتتحوّل ذاتاً كونيّة.

وهذه غاية الأدب في كلّ العصور، رغم تجدّد الأساليب واختلاف المدارس الأدبية والرؤى الفنية. هذا ما أراد أن يقوله لنا “وجدي الأهدل” في روايته “بلاد بلا سماء”، لنقل هو نوع من الشحن الروحي الذي كان يقوم به “كريشنا” مع “أرجونا” في “الباجافاد جيتا”.

14