رحلة بحرية خطرة تخوضها امرأة لاستعادة رأس زوجها من السلطان

رواية "ملك المور" لا تطرح قضية استعادة عرش لصاحبه الشرعي من مغتصبه بل تروي حياة المغاربة في القرن الخامس عشر.
الثلاثاء 2018/03/06
ملحمة مغربية أنقذت الشرق

في روايته “ملك المور” يعود بنا الروائي المالي، عمر الأنصاري إلى الأعوام 1574 و1578 ميلاديا وما حدث خلالها في بلاد المغرب من ملحمة خالدة سميت بمعركة “الملوك الثلاثة”. والكاتب المالي المقيم في الإمارات، يعتبر أحد أهم روائيي الصحراء بعد إبراهيم الكوني ويختلف عنه في استخدام لغة مباشرة لا تورية فيها، ولا غموض ولا بلاغة. كما أنه لم يحرك الأشياء الثابتة أو ما سمي في النقد بـ”تداعي الأشياء والمعاني” كما فعل الكوني في معظم رواياته.

خيانة العهد

تبدأ رواية “ملك المور”، الصادرة عن المركز الثقافي العربي 2018، بخيانة محمد المتوكل لعمه عبدالملك بن السلطان المغربي محمد الشيخ، وتولية نفسه سلطاناً على بلاد المغرب، ناقضاً بذلك وصية السلطان المتوفى عبدالله الغالب، ومستغلاً عدم وجود عمه في عاصمة ملكه في سجلماسة.

وما إن وصلت الأخبار إلى ولي العهد المخلوع، وهو مع أخيه أحمد وبضعة حرس في منطقة تلمسان، حتى انتابهم الحزن المرير. وحزنهم لم يكن على العرش الضائع بل على المغرب، الذي سينقسم إلى مدن متناحرة. ويشجع ذلك الأمر ملك قشتالة وملك البرتغال سبيستان، اللذين لديهما أطماع كثيرة في الاستيلاء على المدن الساحلية للمغرب. كما أنه يعرف أن ابن أخيه ميال إلى البرتغاليين، ولا يتوانى عن تحقيق مطامعهم في المغرب لقاء مساندته، في ما أقدم عليه من أمر تولي السلطة، وخلع ولي العهد الشرعي.

لا يطرح الكاتب في متنه قضية استعادة عرش لصاحبه الشرعي من مغتصبه بل يروي حياة المغاربة في القرن الخامس عشر؛ كيف يعيشون، وما الذي يفكرون فيه، أعراسهم وأحزانهم ومخاوفهم، قومياتهم المختلفة. إسبان طردوا من الأندلس بعد احتلالها، وعرب، وأمازيغ، وبريطانيون وأفارقة وأتراك. ديانات متعددة، مسلمون ونصارى ويهود.

بعد مضيّ عقود قليلة على سقوط آخر معاقل المسلمين في الأندلس، صارت بلاد المغرب هدفاً لجيوش البرتغاليين والإسبان والمتطوعين من إيطاليا وباقي الدول الأوربية، الذين شنوا حملة تهدف إلى احتلال بلاد المغرب، والمرور منها إلى المشرق العربي، حتى اصطدموا بحاجز منيع من المقاومة في بلاد المغرب. هذه الحكايات المنسية تنقلها لنا رواية الكاتب المالي عمر الأنصاري “ملك المور”.

تناول الكاتب كل ذلك متبعاً منهج البحث الأركيولوجي في سرده ومتابعته لبحث الأميرين عن وسائل تمكنهما من استرداد عرشهما من ابن أخيهما.

ويجد القارئ نفسه بين خطين فكريين مختلفين. الأول يمثله صاحب الحق الشرعي في العرش، الذي يرى ضرورة توحيد المغرب، وطرد الغزاة البرتغاليين والإسبان، ومنع تداعي المغرب ووقوع أهله فريسة للتنصير الإجباري، الذي وقع الأندلسيون ضحية له قبل 80 عاماً.

وهدفه التالي منع جيوش البرتغال والإسبان من اجتياح بلاد المشرق العربي بكسر شوكتهم على الأرض المغربية. ولذلك اضطر السلطان المخلوع إلى الاستعانة بالأتراك للحصول على مدافع وعتاد وتقنيات لمواجهة الجيش البرتغالي الحديث، المزود بالمدافع. واستخدم في هذا الطلب ورقة الدفاع عن الأرض الإسلامية في وقت كانت الدولة العثمانية تعتبر نفسها وريثة الدولة الإسلامية.

والمفارقة أنَّ الأتراك ذاتهم حاربوا السلطان والده محمد الشيخ بغرض توسيع إمبراطوريتهم على الأرض المغربية، لكنهم فشلوا ولسوء الحظ وقع السلطان الأب أسيراً بيد الجيش الإنكشاري في عهد السلطان سليمان القانوني؛ فصُلب وعُلق رأسه في سور القسطنطينية مع المئات من الرؤوس الأخرى لملوك وقادة أسرهم الأتراك في معارك بمختلف البلدان.

وتسعى “سحابة” أم الأمير المخلوع، التي لا هم لها في الحياة إلا استعادة رأس زوجها، لدفنه مع الجسد بما يليق به من تكريم.

والخط الآخر المعارض في الرواية كان يمثله مغتصب العرش محمد المتوكل، الذي وعد البرتغاليين والإسبان بمنحهم أجزاء واسعة من سواحل المغرب. وتكلف بتجهيز حملتهم العسكرية الذاهبة لاحتلال المشرق العربي ومكة المكرمة بالمؤن، وما تحتاجه من حماية لطرق الإمداد، وجعل المغرب جبهة خلفية لجيوشهم وأسطولهم.

وطوال سرد الأحداث كانت فكرتان تسيطران على المشاهد، الفكرة الأولى الدفاع عن المغرب كأمة واحدة، وفي حالة الخسارة تكون النتيجة مغرباً متشظياً تحت الاحتلال البرتغالي والإسباني.

ويصير مصير المغرب كمصير الأندلس، التي فعل أمراؤها ذات الفعل بتحالفهم مع ملوك الإفرنجة ضد بعضهم البعض. لذا يضطر الأميران إلى التطوع لنجدة القوات التركية في تونس بما جمعاه من أتباع وحرس قليل في إحدى معارك استعادة الأتراك لحصن “حلق الوادي” بتونس الذي وقع بأيدي الحفصي القائد التونسي المتمرّد بمشاركة مع حاكم قشتالة.

حاول باشا القيروان وباشا طرابلس اقتحام الحصن، وإعادته إلى الحكم العثماني لكنهما فشلا. فجاء من القسطنطينية أمر سنان باشا بأن يتوجه عامله التركي خيرالدين في تلمسان، التي لجأ إليها الأمير المخلوع، وأخوه أحمد على رأس القوات التركية الموجودة في المدينة لإعادة الحصن إلى السيادة التركية.

ويبرع الروائي في نقل المشاعر التي تعتمل في نفسيهما وهما يتطوعان لإعادة حصن خارج المغرب وبلادهما مهددة بالاحتلال والتقسيم من قبل البرتغال، ويتطوعان أيضا للقتال تحت راية تركية لهما ذكريات مريرة عنها أولاها “رأس أبيهما” الذي لا يزال معلقاً بأسوار القسطنطينية.

الرواية تشبه البحث الأركيولوجي في سردها ومتابعتها لبحث الأميرين عن وسائل تمكنهما من استرداد عرشهما
الرواية تشبه البحث الأركيولوجي في سردها ومتابعتها لبحث الأميرين عن وسائل تمكنهما من استرداد عرشهما

الملحمة المغربية

وبعد الانتصار الذي يحققه الأميران باستبسالهما، ومن معهما من قوات مغربية صحبة الجيش التركي، فتتم استعادة الحصن التونسي من المتمردين، تسافر سحابة أم الأميرين حاملة رسالة النصر من عامل الأتراك إلى السلطان العثماني، وفيها إشادة بجهود الأميرين والمغاربة في استعادة الحصن، لكي تكون تلك المشاركة شفيعاً لهم لاستعادة رأس زوجها، ومساعدة ابنيها في استعادة عرشهما، وكسر شوكة جيش البرتغال.

ويصف الكاتب الرحلة البحرية المملوءة بالمخاطر والعواصف حتى وصول سحابة إلى القسطنطينية، وتقوم الأم بمحاولات كثيرة للوصول إلى السلطان العثماني من خلال إحدى زوجاته الأربع، التي لم تر زوجها منذ شهور بسبب متابعته لما يجري في إمبراطوريته الواسعة من مشاكل وثورات ومعارك، ولكثرة الجواري المترددات على مخدعه. ويبرع الكاتب في وصف الحمامات، والأطعمة، ومجوهرات النساء، وحياة البذخ، والترفيه في قصور السلاطين العثمانيين.

 وأخيراً تصل بُشارة دحر التمرّد في تونس بواسطة زوجة السلطان، فيعطي لسحابة ما طلبت “رأس زوجها” والمدافع والعتاد الذي يحتاجه ابناها، وفرقة من الإنكشارية للمساعدة في دحر الغزو البرتغالي للمغرب.

وتعود سحابة إلى ابنيها معززة مكرمة، ومعها أمر السلطان، فيجهز عامله جيشاً قلبه من المغاربة، واحتياطيه من الإنكشارية. وتقع معركة تاريخية فاصلة سميت بمعركة “وادي المخازن” في 4 أغسطس 1578، التي انتهت بهزيمة المملكة البرتغالية في واحدة من الملاحم التاريخية التي أوقفت سقوط المشرق الإسلامي بيد البرتغاليين.

كتبت رواية “ملك المور” برؤية واقعية تسجيلية. نقلت عالم القرون الوسطى في المغرب، وكيف يدير السلاطين المغاربة شؤون بلادهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وطريقة تعاملهم العادل مع رعاياهم المسلمين والمسيحيين واليهود.

وما كتبه الكاتب المالي عمر الأنصاري وثيقة إنسانية عميقة المعاني عن حروب وحياة القصور وسلاطين المغرب، وظروف وملابسات معركة وادي المخازن الشهيرة، ومن المفروض أن يكتب عن هذا الماضي الزاخر بالبطولة كاتب مغربي، وما أكثر الروائيين البارعين في المغرب، ولكن عمر الأنصاري كان جديراً بهذه المهمة.

14