رحلة سبيس أكس شطرت تاريخ صناعة الفضاء إلى عهدين

خبراء يجمعون على أن كبسولة "كرو دراغن" التي أطلقتها شركة "سبيس اكس" تشكل نقطة تحول في صناعة الفضاء، لكونها أدخلت القطاع الخاص إلى أدوار جديدة.
الأحد 2019/03/24
رحلة تفصل بين عهدين

أكثر عبارة تم تداولها خلال بعد الرحلة التاريخية لكبسولة سبيس اكس هي تعليق رائدة الفضاء آن ماكلين على الصورة التي التقطتها للكبسولة وهي تقترب من محطة الفضاء الدولية في 3 مارس الجاري والتي قالت فيها إنه “فجر عهد جديد لرحلات البشر إلى الفضاء”.

وتختزل تلك العبارة جوهر نجاح كبسولة “كرو دراغن” التي أطلقتها شركة سبيس اكس في العودة والهبوط في المحيط الأطلسي بعد رحلة استمرت 6 أيام، حيث يجمع الخبراء على أنها نقطة تحول في صناعة الفضاء، لكونها أدخلت القطاع الخاص إلى أدوار جديدة. رغم أن سبيس اكس ليست الوحيدة في هذا السباق.

ورغم أن مقصورة الكبسولة لم تحمل أي مسافر، ولم يكن فيها سوى دمية تدعى ريبلي، لكن الاحتفاء الاستثنائي بنجاح الرحلة يؤكد أنها ستستخدم في الرحلات المأهولة بالبشر خلال وقت قريب جدا.

عهد جديد وقيادة جديدة

رغم التاريخ الطويل للرحلات الفضائية المأهولة بالبشر، الذي احتكرته الولايات المتحدة وروسيا، بعد أن ورثت الاتحاد السوفييتي، إلا أن ذلك التاريخ يبدو أنه وصل إلى طريق مسدود، وأنه سيسلم الراية لعهد جديد وقيادة جديدة.

ويأتي هذا التحول، الذي شهدنا بدايته فقط، بعد أن تقلصت رحلات الفضاء الحكومية الباهظة التكلفة بشكل كبير منذ انحسار دور الولايات المتحدة عقب كارثة المكوك كولومبيا ومقتل رواد الفضاء الستة، الذين كانوا على متنه في عام 2003. بل إن واشنطن ألغت رسميا جميع برامج الرحلات المأهولة نهائيا منذ عام 2011.

قبل رحلة سبيس اكس لم يكن هناك سوى كبسولة سويوز الروسية، أما اليوم فهناك شركات كثيرة توشك على تنظيم رحلات فضائية مأهولة بتكاليف تجارية لا يمكن مقارنتها بالبرامج الحكومية الروسية والأميركية العتيقة.

سبيس اكس بقيادة إيلون ماسك تبني حاليا سفينة فضائية تحمل اسم شارشب لنقل ما يصل إلى 100 شخص في رحلة حول العالم خلال دقائق
سبيس اكس بقيادة إيلون ماسك تبني حاليا سفينة فضائية تحمل اسم شارشب لنقل ما يصل إلى 100 شخص في رحلة حول العالم خلال دقائق

برنامج سبيس اكس الذي يقوده إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي للشركة، انفرد فقط بالوصول إلى خط النهاية قبل الجميع، لكن برامج ستارلاينر التابع لشركة بوينغ وبلو أوريجن التابع لمؤسس شركة أمازن جيف بيزوس وبرنامج فيرجن غالاكتيك الذي يقوده ريتشارد برانسون، تقترب جميعا من خط النهاية وتسيير رحلات مأهولة إلى الفضاء.

الفريد في تلك البرامج هو أنها ليست حكومية وسوف تنقل كفاءة البرامج وخفض تكاليفها إلى عهد جديد وتفتح أبواب الرحلات الفضائية التجارية والسياحية على آفاق غير محدودة.

هناك أيضا آلاف الشركات التي تعمل في نشاطات مرتبطة بهذا القطاع، مع انفتاح أبواب غزو الفضاء بالأقمار الصناعية الصغيرة، الأمر الذي يجعل كل التقديرات عاجزة عن تخيل ما يحمله المستقبل القريب ناهيك عن البعيد.

عند وصول كبسولة كرو دراغن إلى محطة الفضاء الدولية، قال رائد الفضاء الكندي ديفيد سان جاك، الذي كان داخل المحطة “إنه شرف كبير أن أكون هنا في هذه اللحظة التاريخية”.

وكرر مضمون عبارة ماكلين التي كانت تقف إلى جانبه قائلا “هذه حقا بداية حقبة جديدة” وهو يتحدث في مكالمة فيديو مع نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ورئيس وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) جيم بريدنشتاين.

خلفيات لا بد منها

تقييم حجم وأهمية هذه الرحلة يتطلب ذكر بعض الحقائق، مثل أن رواد الفضاء الأميركيين لم ينطلقوا إلى الفضاء باستخدام مركبة أميركية منذ زمن طويل، أبعد من إحالة برنامج مكوك الفضاء اتلانتس على التقاعد في يوليو 2011.

وكانت الولايات المتحدة وكل دول العالم منذ ذلك الحين، تعتمد في إرسال رواد الفضاء إلى المحطة الدولية على مركبة الفضاء الروسية سويوز، التي تطلق صواريخ تحمل نفس الاسم وتحتوي على ثلاثة مقاعد، يباع كل منها بثمن باهظ يبلغ حاليا نحو 80 مليون دولار.

الولايات المتحدة كانت تفترض منذ عام 2011 أن ذلك الاعتماد على روسيا إجراء مؤقت، لحين ردم فجوة التفوق الروسي من خلال تطوير المركبات الأميركية عبر شركات القطاع الخاص.

وبدأت الخطوات العملية في عام 2014 حين وقعت وكالة ناسا صفقات تجارية مع شركتين أميركيتين هما سبيس اكس، التي حصلت على 2.6 مليار دولار لتطوير كبسولة كرو دراغن، في حين تلقت شركة بوينغ 4.2 مليار دولار للعمل على كبسولة الفضاء ستارلاينر.

في ذلك الوقت، قال مسؤولو ناسا إنهم يأملون في أن تعمل واحدة من هاتين الكبسولتين أو كليهما بحلول نهاية عام 2017. وقد تم تأجيل ذلك الجدول الزمني بالطبع. ولكن مع نجاح رحلة سبيس دراغن أصبح تحقيق هدف إرسال رحلات مأهولة برواد الفضاء وشيكا على الأقل من قبل سبيس اكس.

في الواقع، يمكن للشركة نقل رواد فضاء أو مسافرين سياح إلى الفضاء خلال هذا العام بعد استكمال اختبارات السلامة وإجراءات الطوارئ في يونيو المقبل.

سبيس اكس تستعد لإخراج رحلات الطيران الطويلة إلى الفضاء للسفر بين نيويورك وشنغهاي في 39 دقيقة بدلا من 15 ساعة حاليا

وإذا سارت الأمور على ما يرام، فقد تقوم كبسولة كرو دراغن برحلة تحمل رواد فضاء إلى المحطة الدولية بحلول شهر يوليو المقبل. وسوف تتبعها رحلات متواصلة تحمل الواحدة منها 4 رواد فضاء في أي وقت بعد ذلك.

ولا يتخلف جدول بوينغ وكبسولتها ستارلاينر كثيرا عن ريادة سبيس اكس. وقد تقوم بالمراحل الثلاث للرحلة غير المأهولة إلى محطة الفضاء الدولية وتجارب الطوارئ خلال الأشهر المقبلة لتصبح بعد ذلك جاهزة لإرسال رحلات مأهولة.

فتح أبواب غزو الفضاء

يقول مسؤولو ناسا ومؤيدو استكشاف الفضاء إن نجاح رحلات كرو دراغن وستارلاينر ستفعل أكثر من تضميد جرح الكرامة الأميركية المفتوح منذ كارثة مكوك الفضاء تشالنجر في فبراير 2003.

وأكد بريدنشتاين في تسجل تم بثه على الإنترنت بعد نجاح رحلة سبيس اكس أن المركبات الفضائية الخاصة، وغيرها من الابتكارات الحديثة مثل الصواريخ التي يتم إطلاقها بشكل روتيني، ستساعد في خفض تكلفة الوصول إلى الفضاء، وبالتالي تمكين الكثير من النشاط في المدار الأرضي المنخفض وما بعده.

وتوقع أن تكون النتيجة هي ظهور “سوق تجاري قوي” تكون فيه ناسا مجرد واحد من العديد من العملاء لمركبات فضائية مثل كرو دراغن.

أما إيلون ماسك مؤسس شركة سبيس اكس ورئيسها التنفيذي فيقول إن رحلات سياح الفضاء على متن تلك الكبسولة ستبدأ في المستقبل غير البعيد.

وقال بريدنشتاين إنه مع ازدهار عمليات المدار الأرضي المنخفض في أيدي القطاع الخاص، ستتمكن ناسا من تخصيص المزيد من الموارد لأهدافها الرئيسية في مجال رحلات الفضاء مثل العودة لهبوط على القمر مرة أخرى ثم نقل رواد الفضاء إلى المريخ.

وأضاف أن رحلة كرو دراغن ديمو 1 هي الخطوة الأولى “في تلك الرؤية العظيمة حقًا وهي ليست خطوة صغيرة، هذا إنجاز رائع في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية”.

وعبر إريك ستالمر، رئيس الاتحاد التجاري لرحلات الفضاء، عن مشاعر مماثلة قائلاً إن نجاح رحلة كرو دراغن سيكون له على الأرجح آثار مدوية في جميع أنحاء صناعة الفضاء والطيران.

ونقل موقع سبيس دوت كوم عن ستالمر قوله إن “رحلة كرو دراغن كشفت عن الفرص الهائلة التي تنتظرنا والتي لم تعد في المستقبل البعيد بل على بعد أشهر قليلة فقط”.

ومع ذلك هناك من لا ينظر إلى رحلة كرو دراغن التجريبية “ديمو 1” على أنها نقلة نوعية في صناعة الفضاء، رغم إقرار الجميع بأنها نقلة نوعية كبرى.

على سبيل المثال يرى خبير السياسة الفضائية جون لوجسون أن المهمة “مثيرة للغاية من الناحية الرمزية، لأنها خطوة أولى ضرورية لاستعادة قدرة الولايات المتحدة على إرسال بشر إلى الفضاء مرة أخرى.

آن ماكلين علقت على صورة التقطتها من محطة الفضاء الدولية لوصول كبسولة سبيس اكس بالقول "فجر عهد جديد لرحلات البشر إلى الفضاء"
آن ماكلين علقت على صورة التقطتها من محطة الفضاء الدولية لوصول كبسولة سبيس اكس بالقول "فجر عهد جديد لرحلات البشر إلى الفضاء"

ويضيف أن رحلة كبسولة كرو دراغن لم تفعل أي شيء جديد على وجه الدقة، مشيرا إلى أن رواد فضاء رحلات برنامج أبولو الأميركي قاموا بمثل هذه الرحلة مرات عديدة وهبطوا في المحيط قبل حوالي 50 عاما. وكان ذلك بعد رحلات إلى القمر.

كما لا يرى لوجسون أن كبسولة كرو دراغن وسيلة تجارية حقيقية، لأنها تم تمويل تطويرها وتسيير رحلاتها من قبل وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا).

وقال لموقع سبيس دوت كوم إن هناك هالة ابتكارية مثيرة تأتي من كون المشروع مرتبطا بإيلون ماسك وسبيس اكس. لكنه أضاف أنه “يعتقد أن تلك الإثارة مفيدة وجيدة للجميع. لكنها ليست تغييرا وطريقة جديدة للقيام بالأعمال”.

هناك اليوم بالفعل استثمارات كبيرة في الفضاء وهي تقدم خدمات لا غنى عنها للاقتصاد العالمي وحياة البشر من خلال أساطيل الأقمار الصناعية التي تخدم الاتصالات وحركة الملاحة البحرية وتعتمد عليها قطاعات كثيرة. وهناك ثورة الأقمار الصناعية الضئيلة التي ستنشر النطاق العريض للإنترنت.

رحلات طويلة خلال دقائق

في الشهر الماضي حلقت طائرة صاروخية تابعة لشركة فيرجن غالاكتيك عند حافة الفضاء حاملة راكبا للمرة الأولى لتفتح أبواب إطلاق الرحلات السياحية المنتظمة إلى الفضاء والمتاحة لمن يستطيع دفع التكاليف.

وحملت الطائرة الفضائية وايت نايت تو كبيرة معلمي رواد الفضاء في الشركة التي ستدرب السائحين في المستقبل بث موسيز، إلى جانب الطيارين لتقييم التجربة، التي حلقت إلى ارتفاع أكثر من 88 كيلومترا.

ويتوقع تقرير لمصرف يو.بي.أس أن يمثل سوق السفر عالي السرعة عبر الفضاء الخارجي نحو 20 مليار دولار سنويا بحلول عام 2030 ويشمل السياحة وأغراضا أخرى.

ويعتقد التقرير أن السياحة الفضائية يمكن أن تكون نقطة انطلاق لتطوير السفر لمسافات بعيدة على الأرض بشكل تدريجي مع تزايد المنافسة لتحقيق قفزات تكنولوجية وخفض التكاليف.

ويتوقع أن تتضاعف صناعة الفضاء، والتي تبلغ قيمتها حاليا نحو 400 مليار دولار لتصل إلى 805 مليارات دولار بحلول عام 2030 عند حساب جميع الاستثمارات. وأكد انتشار حالة التفاؤل بشأن اقتصاد الفضاء والسياحة الفضائية والسفر لمسافات طويلة.

ويقول تقرير يو.بي.أس إن شركات الفضاء الخاصة “تستثمر بقوة في جميع الفرص المتعلقة بالفضاء وأن نجاح الرحلات هو بوابة دخول تلك الاستثمارات”.

ورجح أن يتم الاستغناء عن جميع رحلات المسافرين الحالية التي تستغرق أكثر من 10 ساعات لتحل محلها رحلات أقصر عبر الخروج إلى خارج الغلاف الجوي.

وأشار التقرير إلى أن سبيس اكس تخطط لاستخدام صاروخ عملاق يحمل سفينة فضائية يجري بناؤها حاليا باسم شارشب لنقل ما يصل إلى 100 في رحلة حول الكرة الأرضية خلال دقائق.

وتقول سبيس اكس إن شارشب ستكون قادرة على الطيران من نيويورك إلى شنغهاي خلال 39 دقيقة بدلاً من 15 ساعة التي تستغرقها الطائرة حاليا.

17