رحلة شعرية في حياة الأنبياء الأربعة للبشرية

السبت 2014/07/19
يتسرب التصوف من بين سطور السعودي الشعرية

بيروت - عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، صدر ديوان بعنوان “أطفال وأنبياء”، للباحثة والشاعرة الأردنية، المقيمة في لندن فتحية السعودي. قدم للديوان، الذي يقع في 112 صفحة من القطع المتوسط، الباحث فيصل دراج، أما الغلاف فهو من تصميم الفنانة هناء السعودي.

يقول فيصل دراج، في تقديمه للكتاب، تحت عنوان “اغتراب الروح وبوابات الأمل”: «استندت فتحية السعودي، في بوحها الشعري، على تجربة ذاتية مديدة، قوامها الأمل المجزوء واستئناف الأمل، وقوامها محاكاة سير الأنبياء، التي بدأت شاقة وعصيبة وانتهت إلى راحة ونور. ولهذا يتسرّب التصوّف إلى الكلام، مستوحيا تعب الروح لا القواميس وأقاليم القراءة، ولصيقا باستحواذ روحي، يضيف إلى الكون توقعاته، ويرى فيه “ذرة واعية” تنظر إلى الأعلى، وتنتظر السواء والحالات السعيدة».

ويضيف قوله: «والاستحواذ، الذي يبدأ من الأنبياء، رسالة تنتظر جوابا سعيدا، عاشها الرسل وهجس بها الشعراء، والاستحواذ مدخل إلى ترويض الغامض والسري، وهو لواذ بالمفرح والنائي والعُلْوي، وتوقع لمكافأة، تصل إلى النبي في شكل كتاب ونُصرة، وتبلغ المريض في شكل دواء يهزم الأمراض».

ويتابع قوله: «ولعل اللواذ بمحاكاة الأنبياء، كما توسل المآل الذي وصلوا إليه، هو الذي أملى على الكاتبة صيغة الأنا، التي توزعت عليها وعلى الأنبياء الأربعة الذين استعادت، روحيا، تجاربهم المتنوعة. تبدأ الكتابة عن إبراهيم بالجملة التالية: “جئت إلى الحياة عند ضفة الفرات”، ويقول عيسى: “تملكني جمال أمي لحظة تكويني”، ويستهل النبي محمد “بوحه” بـ”مذاق كملح الدمع يبلل شفتي”، وتكون للنبي موسى “سيرته الذاتية” أيضا: “جئت إلى الحياة، وصدى همسات راجفة تعصف قلب أمي.. لكل أناه المفردة وسيرته، الخارجة من الرحم وقلب الأم، ولكل كلامه، الذي يتوحد بغيره، ويغدو كلاماً "مؤسياً"، صاغه مريض أعطى لسانه إلى غيره واستعار منه مبادئ حكاية سعيدة عنوانها: الخلاص».

عثر الأنبياء على خلاصهم في رسائلهم المنتصرة، التي أرادت للبشر خلاصا يحرّرهم من فساد الأزمنة. انتصر كل نبي بكتابه وانتصر لكتابه. وأرادت فتحية السعودي، التي دفعتها الحياة إلى طريق مخادعة، أن يكون لها كتابها: “أطفال وأنبياء” مدركة، بسبب التجربة، أنها تنصر كتابها دون أن ينصرها كتابها، إلا صدفة، بسبب محدودية العمر وسطوة الصدفة. كتبت ما استطاعت، وجسّدت بالكتابة مسافاتها المتقطعة بالوجع والرجاء وجمالية الإرادة.

ومع أن في حكايات البشر والأنبياء ما ينفتح على موت أخير، فقد سعت فتحية إلى حكاية مزهرة، متوسلة ببعدين: شقاء الأنبياء وحقهم المنتصر، والوقوع على نسق من الكلمات المضيئة: الفجر، الأم، الأحلام، المناجاة المستريحة، عبق الياسمين، الحرير الأزرق، الفراشة اليافعة، عبق العنبر، إيقاع الدمع. يتكوّن المعنى من بوابات الكلام، هذا الكلام الذي يحاول أن تكون له أجنحة.

تقول فتحية بعد أن اتكأت على "أنا واسعة:

"مَنْ أَنَا لِأَحْمِلَ عِبْءَ قَافِلةٍ مِنَ الآلامِ؟

يأتي الجواب، الذي يزيح الغربة عن مواقعها، من البوح الهادئ والصمت اللامرئي وإيقاع الحوار الداخلي:

فِي مَطْلَعِ فَجْرٍ صَيْفِيٍّ

وَالقَصْرُ وَالمَدِينَةُ وَحُرَّاسِيَ غَارِقونَ فِي مَدَارَاتِ النَّوْمِ،

بَدَتِ الشَّمْسُ أَليفَةً

تَخَطَّتْ خُطُواتِيَ بَوَّابَاتِ أَفْكَارِيَ:

سَوْفَ أُهَاجِرُ الآنَ،

سَوْفَ أُحَرِّرُ نَفْسِيَ.

قد يستمد الكسيح إيمانه من ضياء القمر وقد يبدأ بالمسير".

احتفظت فتحية، في كتابها "أنبياء وأطفال"، بضياء القمر واعتبرت "ثقل النهار" عبئا متطفلا عارضا.

يذكر أن فتحية السعودي، شاعرة أردنية، ولدت في عمان، ودرست الطب، وتخصصت في طب الأطفال في فرنسا، عملت كطبيبة في لبنان والأردن، وساهمت في العديد من الندوات والمؤتمرات حول قضايا الإنسان العادلة والحريات في العالم.

صدرت لها مؤلفات باللغة العربية والفرنسية والإنكليزية من بينها "النسيان المتمرد" بالفرنسية، و"أيام الجمر" و"بيت النهار" بالعربية، وديوان شعر باللغة الإنكليزية، نالت عدة جوائز وأوسمة لنشاطاتها في الحقلين الاجتماعي، الإنساني والثقافي بما فيها وسام الاستحقاق الفرنسي من رتبة فارس.

16