رحلة صيد اللؤلؤ في قطر للحفاظ على تراث الأجداد

الغوص في عدد من بلدان الخليج، بحثا عن اللؤلؤ الثمين، أضحى اليوم تراثا يُحتفى به بعد أن كان في قلب الحياة وسبيلا لاستمرارها ومكابدة متاعبها من أجل تلبية حاجياتهم ومغالبة شظف العيش.. في هذا السياق نظّم قطريون مسابقة لاستذكار نشاط عريق، كان علامة بارزة في بلادهم، ثم بات من الذكريات بعد حلول طفرة النفط.
الاثنين 2015/05/25
المتنافسون لا يقومون بفتح المحارات وذلك من أجل إعادتها إلى المياه بعد عدها

الدوحة - يغوص رجال في مياه الخليج الزمردية لاصطياد محارات اللؤلؤ قبالة شواطئ قطر. قد يذكّر المشهد بتاريخ هذا البلد الغني، غير أنه مشهد واقعي من مسابقة تثير الكثير من الاهتمام بين القطريين.

ويعد "السنيار" أكبر حدث سنوي لاصطياد اللؤلؤ في قطر، وهو يقدم لمحة عن تاريخ هذا البلد الذي حوّلته ثروة النفط والغاز إلى واحد من أغنى دول العالم.

وعلى متن كل من السفن التقليدية الخمس، يقوم خمسة غواصين بالتناوب على الغوص تحت أشعة الشمس الحارقة إلى قعر المياه من دون أي وسائل مساعدة، وذلك لالتقاط المحارات.

ويمكن لبعض الغواصين أن يظلوا تحت الماء لفترة تصل الى تسعين ثانية قبل ان يخرجوا مجددا الى السطح. وإذا ما حالف الغواص الحظ، يخرج حاملا سلته الصغيرة مملوءة بعدد كبير من المحارات التي بداخلها اللؤلؤ الثمين.

ويتنافس الغواصون في هذه المسابقة على جائزة أولى قدرها أربع مئة ألف ريال، أي بما يعادل 110 آلاف دولار.

وقبل الطفرة النفطية الهائلة في الخليج، كان الغواصون يقومون في الماضي بهذا العمل من أجل توفير لقمة العيش. وقال جهاد الجيدة، وهو أحد منظمي المسابقة، إن صيد اللؤلؤ كان أحد النشاطات الاقتصادية الرئيسية في قطر حتى الخمسينات من القرن العشرين، لكن "الغوص توقف عندما تم اكتشاف النفط".

المسابقة ليس هدفها المال، وإنما الحفاظ على تقليد تراثي اختفى، بعد طفرة النفط، ويراد إعادة إحيائه اليوم بالوسائل نفسها

وتتيح هذه المسابقة للقطريين إعادة إحياء عادة الغوص التاريخية، بعد أن أصبحوا في غنى عنها.

وقال محمد السادة، وهو أحد المشاركين، "هناك خمسة فرق مشاركة، وهناك فريقان علينا أن نتابعهما عن كثب، وبإذن الله سوف نغلبهم".

وتتحرك سفينة الداو التقليدية حينما يحين دورها، وعندها يبدأ الغواصون بتبادل التوجيهات بصوت مرتفع وبكثير من الحماسة، وذلك لجمع أكبر عدد ممكن من المحارات.

وعندما يصعد غواص وهو يحمل سلة مليئة بالمحارات، يصفق رفاقه ويطلقون صرخات التحدي في وجه منافسيهم. ويقود المركب قائد عليه أن يتمتع بخبرة كبيرة ليعرف أين يوقف مركبه من أجل الغوص والحصول على أكبر عدد من المحارات.

كما أن هناك شخص آخر مسؤول عن تزويد الغواصين بالطعام والمياه العذبة، فيما يجلس حكم المسابقة على كوم من البراميل عند الشاطئ بانتظار عدّ المحارات.

110 آلاف دولار قيمة الجائزة الأولى التي يتنافس عليها الغواصون

ويتم تعداد المحارات وليس حبات اللؤلؤ التي بداخلها، فالمتنافسون لا يقومون بفتح المحارات، وذلك من أجل إعادتها إلى المياه بعد عدها.

ولا يكفي جمع أكبر عدد من المحارات للفوز بالمسابقة، بل يتم احتساب نقاط على طريقة تعامل الفريق مع مهمة الغوص.

وقال السادة "يجب إعادة المحارات إلى بيئتها الطبيعية لتبقى على قيد الحياة وتتكاثر"، مشيرا إلى أن فريقه فشل مرة في المسابقة بسبب هذه القاعدة. وهذه السنة أيضا، لم يفز محمد السادة بالجائزة الأولى.

وقال عبدالله بلال، وهو أحد ممارسي الغوص لصيد اللؤلؤ، إن هدف المشاركة في المسابقة ليس المال "بل الحفاظ على تقليد اختفى ونريد إعادة إحيائه".

أما جهاد الجيدة، فقال إن هدف المسابقة هو التذكير بأهمية البحر بالنسبة إلى قطر، "فغالبية القطريين ولدوا بالقرب من البحر ويذهبون إليه مرتين أو ثلاث مرات في الأسبـوع.. إنه أسلوب حيـاة"، على حـد تعبيره.

وتحدث الجيدة عن المصاعب الجمة التي كانت تواجه الغواصين في الماضي، فقد كانوا يمضون عدة شهور بعيدا عن منازلهم، إذ أن موسم صيد اللؤلؤ يمتد من ايار/مايو إلى آب/أغسطس، وكانوا يأكلون القليل ويعملون بجهد للحصول على ما يكفي من اللآلئ لبيعها وسداد احتياجـات عـائلاتهم في فصـل الشتاء. وقال الجيدة "الحياة كانت صعبة" في هذا البلد الذي تنتشر فيه اليوم ناطحات السحاب والمراكز التجارية والفنادق الفخمة.

20