رحلة على دراجة

السبت 2014/07/05

الارتحال ليس مجرد مغامرة أو ارتماء في المجهول، وإنما هو أيضا طريقة لإبطاء هروب الزمن من خلال تجديد متواصل للحظة وتحويل الطاقة إلى فعل. وخلافا للقديس أوغستين الذي كان يرى أن “السعادة هي أن نرغب في ما صار بحوزتنا”، يجد الرحالة سعادتهم في ما لم يحوزوه بعد، فالدافع لديهم هو لذة الاستكشاف، استكشاف عوالم جديدة، من حيث طبيعتها وتضاريسها وطبائع أهلها وعاداتهم وتقاليدهم. ولكن إذا كان الرّحالَةُ الأوائل قد درجوا على تدوين مشاهداتهم وتسجيل الأحداث العجيبة التي عرضَتْ لهم، والعلوم والمعارف التي وقفوا عليها لدى الأمم الأخرى، فما الذي يمكن لرحالة اليوم أن يقدموه في عصر بات فيه كل شيء طوع اليد، بالصوت والصورة ؟

قد نجد في تجربة الفرنسي سيلفان تيسون بعض جواب. هذا الرجل الذي طاف عام 1994 حول العالم على دراجة، وداوم الترحال في سباسب آسيا الوسطى والتبت، وعبَر سيبيريا والهند ممتطيا ظهر حصان أو راكبا متن زورق، أو متسلقا الجبال والمرتفعات، أو سائرا على القدمين، يقدّم في مؤلفات تجمع بين التأمل والنظر الفلسفي، وبين أدب القصة الطويلة كما هي معروفة في بعض البلدان الاشتراكية، وأدب الرحلة، عالَمه الخاص وعلاقته بالزمن ومفهومه للارتحال ورؤيته للتسكع أو التشرد. فالترحال في نظره تسكع، ولكنه تسكع مرح، يشرد أثناءه حيثما يشاء، ليلوذ بالوحدة هربًا من البشر ومن إيقاع الزمن المتسارع.

تيسون هذا، الذي لم يتجاوز الثانية والأربعين من عمره، يميل إلى الوحدة وسكون الليل حتى حينما يحطّ رحاله في باريس، فقد قضى الليل ذات مرة على سطح كنيسة نوتردام بعد أن تسلقها بيدين عاريتين من كل عدّة. ونام في العراء على المقاعد العامة تحت أضواء مصابيح الشارع ليرى الواقع من زاوية أخرى.

يلتقط من مشاهداته عبر العالم ما كان يلتقطه سواه من الكتاب الرُّحّل أمثال جاك لندن وستيفنسن وهرمان هيسة وهنري ميلر من تفاصيل مدهشة وأحداث مثيرة، وسمات فريدة، وعادات غير مألوفة، ليصوغ منها أعمالا فنية عميقة، ولكنه يلتقي بهنري دفيد تورو في إيثار الوحدة والتأمل، لسبر ما يعتمل في ذاته إزاء نبض العالم. فهو لا ينسى في كل مؤلفاته، التي حازت إحداها جائزة غونكور لأدب القصة، أن ينتقد أنماط العيش الغربي وحرص الناس على أن تمضي الأشياء دائما في نسق أسرع. يقول في هذا الشأن: “لست أهرّئ نعليّ حبا في العذاب، وإنما لأن البطء يكشف لي عن أشياء تخفيها السرعة.”


كاتب تونسي مقيم في باريس

17