"رحلة في الجزائر القديمة".. الجمال في العراء

الجمعة 2013/11/22
آثار الجزائر.. شاهد على الحضارة الرومانية

باريس- نشأت الدولة الرومانية في شبه الجزيرة الإيطالية ومنها انطلقت لتبسط سيطرتها على معظم بلاد البحر الأبيض المتوسط. وإذا كانت المعالم الأثرية للحضارة الرومانية التي تطالعنا في إيطاليا وفرنسا وغيرها من الدول المتوسطية ومنها قلعة بعلبك في لبنان، معروفة من الجمهور الواسع، فإن ذلك لا ينطبق على آثارها الموجودة في الجزائر رغم أهميتها وتواجدها في إطار طبيعي ساحر.

صدر أخيرا عن دار "آكت سود" الفرنسية بالاشتراك مع دار "برزخ" الجزائرية كتاب فخم وجميل بالفرنسية عنوانه "رحلة في الجزائر القديمة". يشكل هذا الكتاب حدثا ثقافيا هاما لأنه من الكتب القليلة الصادرة حول هذا الموضوع والتي تضمّ صورا تتمتع بمستوى فني رفيع وبمزايا جمالية عالية، وهو من توقيع المصور فيرنتي فيرنتي الذي يتمتع بشهرة عالمية. ترافق الصور نصوص قيمة أعدّها كتاب وباحثون معروفون وهم على التوالي: الكاتب والروائي الحائز على جائزة "غونكور" وعضو "الأكاديمية الفرنسية" دومينيك فرنانديز والمؤرخ المتخصص بتاريخ روما ميشال كريستول وعالمة الآثار الجزائرية المتخصصة بتاريخ الجزائر الرومانية صباح فردي.

تيبازة الثقافات

يركز الكاتب دومينيك فرنانديز في نصه على عظمة الآثار الجزائرية القديمة وجمالها الأخاذ ضمن إطارها الطبيعي المتوسطي الفريد، فهي موجودة على شاطئ البحر وفي الجبال، حيث المياه والأشجار تعانق السماء بعيدا عن الأبنية الإسمنتية وعن كل ما له علاقة بالحضارة الحديثة. كما يتوقف عند آثار تيبازة المطلة على زرقة المتوسط؛ إنها المكان الأمثل للنزهة سيرا على الأقدام وللحب الخفر بعيدا عن القبل والعناق في بلد محافظ كالجزائر، كأننا نستعيد في هذه النزهة التي يرسمها لنا أجواء إيطاليا في مرحلة الخمسينات من القرن الماضي.

وتيبازة التي تقع على بعد 70 كيلومترا غرب الجزائر العاصمة نشأت في زمن الفينيقيين والقرطاجيين وعكست توسعهم التجاري، قبل أن تصبح في القرن الأول الميلادي حاضرة رومانية. عن هذا الموقع الآثر، كتب الأديب ألبير كامو وكان لا يزال في السادسة والعشرين من عمره: "تيبازة يقطنها الآلهة في الربيع.

تطالعنا أصوات الآلهة في الشمس والأبْسَنْت، في البحر المكفّت بالفضة، بالسماء الزرقاء الخامّ. الأنقاض مغطّاة بالأزهار والنور يزبد في أكوام الحجارة. في بعض الأحيان، تكون الحقول سوداء من حدّة الشمس".

تعاقبت على تيبازة ثقافات مختلفة امتدت ما بين القرن السادس قبل الميلاد والقرن السادس الميلادي وامتزجت فيها الحضارات المحلية بالوافدة ومن بينها الرومانية، وقد سادت فيها الديانة المسيحية منذ أوائل القرن الثالث، كما تشهد عليه آثار الكنائس المزينة بالفسيفساء والتي تحيط بها مدافن تضمّ قبورا منحوتة في الصخر. ولطقوس الموت أهمية كبيرة في حياة أهل تيبازة، حيث عكست تنوع تقاليد وعادات الدفن من طبقة اجتماعية إلى أخرى. باختصار، تمثل تيبازة متحفا مفتوحا في الهواء الطلق مستلقيا على ضفاف المتوسط.

معالم خالدة

أما مدينة الجميلة بمحافظة سطيف، فكانت تعرف باسم كويكول الذي يرجع إلى أصول بربرية. وقد تأسست هذه المدينة في زمن حكم الإمبراطور نيرفا في أواخر القرن الأول الميلادي كمستعمرة عسكرية، وشهدت تطورا عمرانيا هائلا، وتعدّ آثارها من أجمل الآثار الرومانية في العالم ومنها المسرح والمعابد وقوس النصر وأبواب المدينة.. وكما في تيبازة، انتشرت المسيحية في مدينة الجميلة، وذكرت المصادر أن أسقفها شارك في المجمع الكهنوتي عام 255، كما عثر فيها على أبنية دينية مسيحية ومنها كنائس وعدد من المنازل المخصصة للأسقف والكهنة.

هذا الجمال الساحر يطالعنا أيضا في مدينة تمغاد بمحافظة باتنة التي شيدت عام 100 في عهد الإمبراطور تراجان، لأغراض عسكرية ودفاعية، وتحولت فيما بعد إلى مركز حضاري هام، وهي تعد بتصاميمها الهندسية من أكمل المدن الرومانية التي بقيت شامخة حتى اليوم.

عرفت المدينة عصرها الذهبي في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي فظهرت فيها أحياء جديدة وشيدت المعابد والحمامات والمكتبة العمومية والمنازل الفخمة المزينة بلوحات مصنوعة من الفسيفساء.. بالإضافة إلى آثار كثيرة منها المسرح الذي يتسع إلى أكثر من ثلاثة آلاف شخص. وذلك كله يؤكد على ما عرفته المدينة من نفوذ وثراء يجعلان منها مرآة حية للعمارة الرومانية في أبهى تجلياتها. ولا بدّ من الإشارة أخيرا إلى أن مدن تيبازة والجميلة وتمغاد مسجلة كمواقع أثرية على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو الدولية.

16