رحلة في متحف الفن والتاريخ

صحيح أن كتب التاريخ تروي قصص الحضارات والإنجازات البشرية على مر الحقبات السابقة، لكن ماذا لو شاهد الإنسان التاريخ أمام عينيه من خلال زيارة المتاحف والآثار القديمة حتى تحفر تلك الحضارات مكانا لها في الذاكرة بطريقة جميلة لا يتشابه فيها كل الزوار رغم احتوائها على نفس المعلومات والتحف والأحجار والتماثيل.
الأحد 2015/07/05
مدينة غربية بحيطان عربية تؤرخ لمجد أندلسي

كاسيريس (أسبانيا) – لا تعد مدينة كاسيريس الأسبانية بالنسبة إلى معظم السياح من الأماكن التي يقبلون على زيارتها، وهذا شيء مؤسف حيث أن هذه المدينة الريفية المنعزلة وهي عاصمة لمقاطعة تحمل نفس الاسم داخل إقليم إكستريمادورا الذي يتمتع بالحكم الذاتي ويقع في المنطقة الغربية من أسبانيا، قد أدرجت في قائمة اليونسكو لمواقع التراث الثقافي العالمي، كما أنها واحدة من أكثر الأماكن في أسبانيا التي تتمتع بالأصالة ولم يفسدها التطور والتمدين.

في هذه البلدة ترك الرومان وراءهم مؤسساتهم كما منحها العرب إرثا من الحصون وأحواض المياه، بينما قامت عائلات النبلاء الأسبانية ببناء أعداد لا تحصى من الأماكن الجميلة. كل ذلك تراكم في مدينة لم يتغير فيها شيء يذكر طوال السنوات. ولا تزال المعالم الثقافية والمباني الباقية في حالة جيدة غير أن الشيء الحقيقي الذي تفتقده المدينة هو أفواج السياح المعتادة، وكونها حظيت بوضع مدينة الثقافة العالمية عام 1986 لم يغير كثيرا من وضعها كموقع جاذب للسياحة. ولا تزال كاسيريس مدينة مهجورة سياحيا إلى حد كبير.

ولا يرجع السبب في ذلك إلى أن المسؤولين المحليين عن السياحة يفتقرون إلى أفكار جيدة حول كيفية اجتذاب الزوار.

ويساعد هؤلاء المسؤولين مجموعة من الأشخاص مثل هيلغا دي ألفير وهي سيدة ألمانية تمتلك قاعة لعرض وبيع القطع الفنية في مدريد. استخدمت دي ألفير عام 2010 جزءا من مجموعتها الفنية لافتتاح مركز للفنون البصرية حمل اسمها، وحتى ذلك الحين كانت كتل الأحجار هي البقايا الثقافية الرئيسية الموجودة في أنحاء كاسيريس، أما الآن فقد اشتهرت قاعة عرض الأعمال الفنية بعرض أعمال مشاهير الفنانين العالميين مثل بابلو بيكاسو والرسام الصيني آي ويوي.

وهذه السيدة التي اشتهرت بجمع القطع الفنية ليست هي الشخص الوحيد الذي يحاول أن يحرك صناعة السياحة في كاسيريس، ففي عام 1994 أنفقت الحكومة المحلية أموالا كثيرة لترميم متحف فوستل بضاحية مالبارتيدا التي تقع بالقرب من المدينة.

وتزدان منطقة المتحف والحديقة المجاورة له بأعمال فنية غير عادية من تصميم الفنان الألماني المولد والمقيم حاليا بمدينة كاسيريس وولف فوستل إلى جانب أعمال الفنان أنطونيو ساورا وسلفادور دالي.

وفتحت مؤسسة مرسيدس كاليس كارلوس بالستيرو قصر دي لوس بيسيرا في عام 2006. ومنذ ذلك الحين أصبح في وسع الزوار المستنيرين أن يحصلوا على متعة مزدوجة لقدرتهم على مشاهدة أحد قصور المدينة من الداخل إلى جانب الاستمتاع بمجموعة القطع الفنية المعروضة في أعلى طابقين.

ترك الرومان في كاسيريس مؤسساتهم كما منحها العرب إرثا من الحصون وأحواض المياه، بينما قامت عائلات النبلاء الأسبانية ببناء أعداد لا تحصى من الأماكن الجميلة

وهذه فرصة للاستمتاع الفني ذات مستوى عال من المرجح أن توجد في المتاحف ذات الشهرة العالمية مثل متحف برادو وهو المتحف القومي الأسباني الذي يقع في قلب مدريد، وقد اجتذبت هذه المؤسسة بالفعل محبي الفنون من جميع أنحاء أسبانيا لمشاهدة معارض فنية متخصصة في أعمال موريللو ورمبرانت وأندي وارهول.

وتم افتتاح العديد من قاعات عرض وبيع الأعمال الفنية خلال الأعوام الأخيرة، كما تحفل مقاهي الشوارع بفعاليات أدبية مثل القراءة الحية للأعمال الأدبية باللغة الأسبانية التي يقوم بها أعضاء مجموعة من المؤلفين الأسبان.

وتتيح مجموعة كبيرة من المطاعم المحلية مثل مطعم مادرولو أو فندق أتريو ريليس آند تشاتو الجديد الذي يوجد بداخله مطعم حاصل على نجمتين من دليل الطهي العالمي أطعمة عصرية ومبتكرة تقوم على منتجات تمت زراعتها محليا.

ومنذ عامين اشترك فريق يضم نحو عشرة ممثلين مع مجموعة من المرشدين السياحيين بالمدينة لعرض جولات بديلة في كاسيريس.

وأحد هؤلاء الممثلين يدعى فيسنت رودريغيز الذي ارتدى ثياب الشعراء والعرافين في العصور الوسطى بأوروبا، ويقوم بانتظام باصطحاب المجموعات السياحية من ميدان مايور الرئيسي عبر قوس دي لا إستريلا الذي يعد مدخلا من خلال أسوار المدينة إلى متاهة من الأزقة الملتوية الصامتة.

ويخبر فيسنت الزوار بمعلومات عن التحصينات الجبارة للمغاربة التي يرجع تاريخها إلى القرن الثاني عشر وبأبراج بوياكو الحصينة التي اشتق اسمها من الخليفة “أبو يعقوب” الذي استولت جيوشه على المدينة عام 1173.

ويصف فيسنت الصراع الوحشي والدموي لحرب الخلافة القشتالية في القرن الخامس عشر والتي أمرت خلالها الملكة إزابيلا الأولى ملكة قشتالة بأسبانيا بتدمير الأبراج التي شيدها الأتباع الأرستقراط لغريمتها جوهانا إبنة الملك هنري الرابع.

كما يصطحب فيسنت الزوار إلى داخل الأزقة الضيقة بالحي اليهودي القديم لمشاهدة كنيسة سان أنطونيو والتي كانت في السابق معبدا يهوديا، ويبدو في كاسيريس أن ثمة طبقات من التاريخ تكمن وراء كل حجر بل وحتى الأسبان أنفسهم يشعرون بالدهشة الشديدة من الأشياء العجيبة التي يرونها في هذا المكان.

17