رحلة في وادي الدهشة.. بيتر بروك ينطق الطير في باريس

الأحد 2016/11/27
يكفي تحريك قطعة في هذا العرض حتى تتغير الدلالات

تمتد مسيرة المخرج المسرحي بيتر بروك لأكثر من خمسين عاماً، فصاحب “المهابهاراتا” و”مارا-ساد” ما زال مُنتجاً بالرغم من أن عمره تجاوز التسعين عاماً وعروضه حتى الآن تتنقل بين فرنسا وبريطانيا، وحالياً يشهد مسرح Théâtre des Bouffes du Nord في باريس، عرض “وادي الدهشة” تأليف وإخراج بروك والفرنسية ماري هيلين إستاين، العرض الذي يستمر لساعة وعشرة دقائق من بطولة الإنكليزية كاثرين هانتر، والإيطالي مارسيلو ماغني والبلجيكي بيتشو وومبا كونغا إلى جانب الموسيقي رافييل شامبوف، كما أن النص يستند إلى الملحمة الشعرية “منطق الطير” للشاعر الفارسي فريد الدين العطار الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي.

فضاء العرض يتكون من ثلاثة كراس وطاولة ومشجب للثياب، يستخدمها الممثلون للعب أدوارهم المختلفة التي يكفي تحريك قطعة واحدة منها لتغيير الفضاء المتخيّل، فالعرض يحكي قصة “سامي كوستاس″ ذات الأصول اليونانية والمصابة بالسينثيسيا” أي حين تحرّض حاسة في الجسم حاسة أخرى، وفي حالة كوستاس الظاهرة تتجلى بذاكرتها الحديدية، فهي قادرة على تذكر كلّ ما يمرّ عبر حواسها، وبعد أن يكتشف مديرها في الصحيفة ذلك، يطردها من العمل، ويحثّها على التوجه للأطباء المعرفييّن الذين يدهشون من حالتها، لتنتقل بعدها إلى العمل في أحد عروض السحر بوصفها “ظاهرة” كما قال لها الأطباء، فتتحول حالتها إلى وسيلة للتسلية، لنراها تُمارس “خُدعها” إلى جانب لاعب خفّة إيطالي يُشارك جمهور العرض (الحقيقي) خدعة لأوراق اللعب تنتهي بالجمهور يصفق هرجاً من إتقان الخدعة.

مشهد من عرض يقوم على لغات متعددة

يكشف العرض الجوانب المختلفة المرتبطة بعدم فقدان الذاكرة، إذ يطرح العرض ثلاث مستويات للتعامل مع هذه الحالات، المستوى الإنساني بوصف هؤلاء ذوي الذاكرة الحديديّة مثلنا لا غرابة وإيكزوتيكية تحيط بحياتهم، ويختلفون عنّا أن الذاكرة تتشكل أمامهم بوصفها ألوانا وأماكن وتبقى عالقة للأبد.

هذه الحالة الشعرية نراها مرئيّة عبر الفضاءات المتخيّلة التي يرسمها المؤدون أمامنا، لننتقل إلى مستوى آخر وهو الطبي، الذي يتعامل مع الأفراد بوصفهم نماذج منحرفة عمّا هو “صحيح”، فهم ظواهر لا اعتيادية، لا بد من إخضاعهم للتحليل والدراسة، ولو كان ذلك يعني الكذب وتدمير حياة أولئك الأشخاص أنفسهم في خدمة المصلحة الطبيّة، أما أخيراً فنرى الجانب الجماهيري الترفيهي، استهلاك هذه الظاهرة بوصفها مثاراً للمتعة، إذ تتحول الحالة الفريدة التي قد تشكّل مأساة لصاحبها إلى مجرد توظيف آنيّ بهدف اجتذاب الجمهور والصناعة الاستهلاكيّة.

تتعدد اللغات في العرض بين الإنكليزية والفرنسية والإيطاليّة، وينعكس هذا على مستوى الأداء الذي يبدو أحياناً هشاً ومصطنعاً، في حين نراه أكثر تماسكاً حين قام الممثل الإيطالي بأداء عرض الخفة مع الجمهور، إذ نراه حيوياً أكثر من المشاهد التي تتناول الأطباء أو رئيس التحرير التي تبدو كأنها أقرب للأداء السطحي وخصوصاً من قبل ماغني وكونغا.

يطرح العرض الذاكرة بوصفها مجالا حيوياً، فالغموض الذي يحيط بها من وجهة النظر الطبية يتلاشى حين نسمع تجارب الأفراد الذين يمتلكون ذات الحالة، هم يدارون عقولهم المهددة بالانهيار في أيّ لحظة، فالتشكيلات المرئية للذاكرة عبر ألوان أو أماكن تختزن في داخلها دفقاً عاطفياً مرتبطاً بتقنيات التذكّر يستعاد دوماً، ليغدو التساؤل الجوهري هو كيف ننسى؟ كيف يمكن أن يتخلص العقل من العدد اللانهائي من الصور التي يتلقاها يومياً؟ وهل يمكن أن تملأ الذاكرة حد الانهيار؟

يستحضر العرض نصوصاً أخرى عبر الحوار بين الشخصيات، كالكوميديا الإلهية لدانتي عبر افتتاحيّة “الجحيم”، وكأن البحث في الذاكرة أشبه برحلة نحو الجحيم حقاً، كَشفٌ لسراديب من المفترض أن ننساها، لكن في حالة كوستاس هي تظل حولها تهدّدها دوماً، إذ لا فكاك من الذاكرة، فهي “توضّب” الصور والأحداث في الشوارع والمدن التي تعرفها وتتنقّل فيها، وتترك بعض الأزقّة خالية لنفسها، لكن ماذا لو امتلأت هذه الطرقات والشوارع؟ ماذا لو أن كلّ ما قاله الآخرون يتكدّس في الطرقات التي عرفانها، كيف ستغدو الحياة ونحن نغرق في ذبائح الذاكرة وألوانها التي نراها تتشكل مرئية أمامنا، تماما كألوان فضاء اللعب التي تتغير وتتبدل، بذات تقنية تشكيل الذاكرة عبر الألوان.

كاتب من سوريا

16