رحلة قطاع البناء التركي من الوفرة إلى الإفلاس

أنقرة تحصد تداعيات الاندفاع في مشاريع البناء الاستعراضية، وتفاقم أعباء الديون الأجنبية يرجح انفجار فقاعة عقارية كبيرة.
الجمعة 2019/01/11
مشاريع استعراضية فقدت جدواها الاقتصادية

تجمع التقارير الدولية على أن قطاع البناء التركي يختزل جميع ملامح الأزمة الاقتصادية التركية، بعد أن اندفع الرئيس رجب طيب أردوغان لسنوات طويلة في مشاريع استعراضية تنقصها الجدوى الاقتصادية وتعتمد على الاقتراض، والتي أفلس الكثير منها أو يقف اليوم على حافة الإفلاس.

إسطنبول (تركيا) – تتفرج السلطات التركية اليوم على قطاع العقارات الذي فاخرت به طويلا واعتبرته محور إنجازاتها الاقتصادية وهو يتداعى تحت وطأة الديون الأجنبية الكبيرة، وينتظر مصيرا مجهولا قد يكون أقسى من جميع التوقعات.

وتتعرض الأسس الهشّة للفورة العقارية لضربات شديدة أبرزها تداعيات سياسات أردوغان الاستعراضية وجبال الديون المتراكمة وانحدار الليرة التركية، الذي جعل قيمة تلك المشاريع تقلّ عن حجم الديون، فلا تجد مفرّا من إعلان الإفلاس.

وبعد فترة طويلة من النمو القوي، انكمش اقتصاد تركيا بنسبة 1.1 بالمئة في الربع الثالث من 2018، في وقت يرجّح فيه عدد كبير من خبراء الاقتصاد أن يواصل الانكماش في العام الحالي.

وتعاني جميع القطاعات التركية حاليا من الشلل بسبب ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة إلى مستويات فلكية بعد أن خسرت الليرة نحو ثلث قيمتها في العام الماضي. ولا تزال أسواق المال غير مقتنعة بجهوزية حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان للتصدي لقضايا اقتصادية أساسية.

ألبر دومان: سواء أسميناها فقاعة بناء أو فقاعة إسكان هناك فقاعة في تركيا
ألبر دومان: سواء أسميناها فقاعة بناء أو فقاعة إسكان هناك فقاعة في تركيا

وتبدو ملامح الأزمة في جميع أنحاء البلاد. ففي عمق إحدى محافظات شمال غرب تركيا على سبيل المثال هنالك المئات من المنازل الفخمة المتراصة في صفوف تعلوها قبب تذكر بالقصور الفرنسية أو قصور حدائق ديزني ولكنها خالية من الساكنين.

ويتكوّن مشروع الباباز، الذي بدأ بناؤه قبل خمسة أعوام من 732 فيلا ومركز تسوق وكان يستهدف جذب المشترين الأجانب، لكنه توقف قبل وضع اللمسات الأخيرة بسبب قلة الطلب وفق الأسعار التي كانت تتوقعها مجموعة ساروت، التي قامت ببنائه.

وحتى لو تمت المبيعات فإنها قد لا تغطي ديون المشروع، الذي بلغت تكلفته نحو 200 مليون دولار، وهو ما يفسر لجوء مجموعة ساروت إلى طلب حماية من الإفلاس.

ونسبت وكالة الصحافة الفرنسية إلى نائب رئيس المجموعة مزهر يردلن تأكيده “إلغاء عدد من صفقات البيع” بعد الأزمة المالية، بعد أن باعت الشركة 351 فيلا لمستثمرين عرب.

ولا يختلف حال المشروع عن الآلاف من المشاريع الأخرى غير المكتملة والفارغة في أنحاء تركيا والتي تقدّم دليلا شاخصا على حجم المشاكل التي يتخبّط فيها قطاع البناء والاقتصاد التركي بشكل عام.

وكانت أنقرة تفاخر طويلا بأن قطاع البناء القوة المحركة للاقتصاد التركي في عهد أردوغان الذي شهد نموّا يفوق المعدل العالمي وخاصة في السنوات الأولى بعد تولّيه الحكم في عام 2003، لكن الأزمة الحالية كشفت أنه كان يقف على أسس هشة.

وتشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن قطاع البناء والإنشاءات انكمش بنسبة 5.3 بالمئة على أساس سنوي في الربع الثالث من العام الماضي، وقد يكون انكماشه أكبر من ذلك بسبب ضعف الثقة بالبيانات الرسمية.

ويقول ألبر دومان الأستاذ المشارك في كلية الاقتصاد بجامعة إزمير إن “ثلاث شركات من كل أربع تطلب الحماية من الإفلاس هي شركات بناء… بغض النظر عن تسميتها فقاعة بناء أو فقاعة إسكان، هناك فقاعة في تركيا”.

وأشار إلى عدد المساكن غير المباعة يمثّل دليلا صارخا على ذلك، إذ تظهر البيانات أنه في السنوات الـ16 الماضية تم بناء 10.5 مليون شقة 8 ملايين فقط حصلت على موافقة. وأكد وجود “خطر كبير من أن تنفجر هذه الفقاعة”.

نيهات غولتكين: إذا اقترضت المال للتفاخر فسيأتي يوم يطاردك فيه الدائنون
نيهات غولتكين: إذا اقترضت المال للتفاخر فسيأتي يوم يطاردك فيه الدائنون

وكانت وزيرة التجارة روهصار بكجان قد ذكرت منتصف الشهر الماضي أن 846 شركة قدّمت طلبات للحماية من الإفلاس منذ مارس 2018، لكن صحيفة سوزجو المعارضة ذكرت في أكتوبر إن الرقم يتجاوز ثلاثة آلاف شركة.

وعبّر رئيس غرفة المهندسين المدنيين في تركيا كمال غوكتشه عن تشاؤمه بترجيح تقديم المزيد من طلبات الحماية من الإفلاس بين شركات البناء. وأكد أن عددا كبيرا من المنازل بنيت في تركيا.

ومعظم تلك المنازل ليست فيلات فاخرة مثل برج الباباز بهندسته التي تذكر بقصر الجميلة النائمة في حدائق ديزني، بل هي شقق بسيطة ومنازل للأتراك العاديين.

ويقول غولتكين “إن تمويل الدولة لا يختلف في الواقع عن التمويل الشخصي. إذا اقترضت المال للتفاخر، فسوف يأتي يوم يطاردك فيه الدائنون حين تكون الديون بالعملات الأجنبية فأن أعباءها ستكون مضاعفة بعد انهيار الليرة.

ويشير معهد الإحصاء التركي (تركسات) إلى تراجع مؤشر الثقة في قطاع البناء بنسبة 2.1 بالمئة في ديسمبر مسجلا 55.4 نقطة ليبتعد كثيرا في حفرة التشاؤم، حيث أن أي رقم دون المئة يشير إلى آفاق متشائمة.

وتنتشر في جميع أنحاء تركيا أدلة على حدوث طفرة بناء جامحة تستند إلى الديون دون تفكير بالعواقب الخطيرة، حيث تنتشر ناطحات السحاب الجديدة ومراكز التسوق الضخمة في الشوارع، إضافة إلى مشاريع استراتيجية مثل أكبر مطار في العالم.

10