رحلة مع كريم ابراهيم في جنة الأهوار

الأحد 2016/10/23
ملاك من الأهوار

“لا أحد يعرف متى بدأ ظهور البردي والقصب فقد غرستهما الآلهة في هذه الأرض”. هذا ما تنبئنا به الصحائف القديمة، التي تخبرنا بأن أتونابشتم الذي يعتبر نوح العراقيين القدامى كُلف بصناعة فُلك مِن قِبل الآلهة، كي تستمر الحياة بعد أن غزا جنوب العِراق طوفان عارم. فهل نعتبر ذلك الحدث البداية الثَّانية لغرس البردي والقصب؟ وهل إن الحمامة، حسب قصة الطَّوفان، إنما عادت إلى أتونابشتم ببردية خضراء؟

الصور المنشورة هنا في هذه الصفحات التقطتها عدسة المصور العراقي المقيم في بروكسل كريم إبراهيم برهافة وحساسية وتوق من نوع خاص. يعتقد كريم إبراهيم المصور الفوتوغرافي البلجيكي من أصل عراقي أن الصورة ضرورة حقيقية لإكمال المشهد في هذا العالم، فالحركة في الصورة لا تمتزج بالمكان الذي اجتازَتهُ، فالمكان هو الماضي والحركة هي الحاضر، إنها فعل الاجتياز.

المكان عند الفنان قابلٌ للقسمة على الجميع، بينما الحركة متفرّدة لا تقبل القسمة، فهي حالة ذاتية محصورة بصاحبها.

الأمكنة التي يختارها المصوّر ذات طابع متشابه عندما تتعلّق بالبيئة الطبيعية التي يؤثّر فيها الإنسان، بينما الحركات التي يقوم بها الإنسان غير متجانسة أو ثابتة، إنها متحوّلة باتجاه الحدث الذي يفرض نفسه مهما كان ساكناً.

ويعتقد كريم أن الصورة التي يقدّمها تعتمد على طرفين الأول هو اللحظة الساكنة الثابتة للصورة، والثاني هو الزمن المجرّد من أيّ اعتبارات أو ظروف أو واقع، إلا ذلك الذي يحاول أن يفرض نفسه بقوة تدعو إلى الحوار دون الاعتماد على حركة كاذبة أو مصطنعة لا تشبه المشهد الثابت أو اللّحظي في الصورة.

ملامح مختلفة تتقصاها وتسجلها عدسة كريم ابراهيم

يعتبر كريم إبراهيم الصور التي يلتقطها موضوعات جمالية ووثائقية تقدم معرفة بالمكان والناس والزمن. وهو يلجأ إلى الصورة لتكون جزءا فعّالا بقوة من ثقافته الشخصية وثقافة الحوار في العالم، لكونه يعتبر الصورة أفقا إنسانيا يتفوق على اللغة، ويتحول إلى الطريقة الأمثل لتقديم معرفة تساهم في بناء عالم متصالح بين جميع بشره، مهما كانت التناقضات كبيرة بين البشر، يتكامل هذا عندما تتنوع الصور وأمكنتها، أو عندما تكون معرضا متكاملا حول مكان أو جماعة بشرية محددة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصور المنشورة هنا.

يقول الروائي عبدالله مكسور إن اللحظة التي تشدّ كريم أكثر من غيرها خلال مطاردته الصورة هي تلك التي تكون أكثر تلاحماً مع الواقع، مهما كانت اللقطة حالمة أو مؤلمة، فتراه يسعى عبر عدسته لالتقاط كل ما هو مثير وغريب ويشبه الإنسان النقيّ المتصالح مع عالمه.

ويعترف المصور أنه يلتقط من الواقع صورة آنية ثابتة يمكن تعميمها واستمرارها لما تحمله من خصائص تمثّل التقاطع الإيجابي بين الإنسان والبيئة، فهي في اجتماعها مثلها مثل سيمفونية تؤسس حركاتها لما يُعرف بالهارموني بين مختلف الأصوات والأطياف.

والصورة، عنده، كما يقول هي إعادة إنتاج وَهْمٍ ثابت وعام ليغدو متغيّراً بحسب المُشاهد الذي يراه أو يستقبله، فأهمية دور المتلقي عند كريم تتحدد خلال تلك اللحظات التي تتيح له أن ينفرد بالصورة أو يتّحد معها.

في رحلاته المتعددة إلى المشرق العربي، بين مصر خلال ثورة 25 يناير عام 2011 وبعدها، وإلى العراق حتى ربيع 2016، استطاع كريم إبراهيم إعادة تشكيل المشرق في مخيّلته وهذا ما دعاه إلى تسليط الضوء أكثر على تلك اللحظات الهاربة من الواقع. يقول كريم إن الشرق بكل تعقيداته يمر بظروف استثنائية، ولربّما هو لا يشبه نفسه أبداً. ولذلك يقول كريم ابراهيم “أعمد إلى التقاط الهادئ الغريب في زمن الصخب والموت”. يشير الفنان إلى صورة التقطها في أهوار العراق لقاربين من الصيد يحملان صيادين، بعضهم انشغل بالتقاط السمك من المياه وبعضهم يراقب ما يحدث وسط هدوء في السماء والموج، ويتمنى أن يكون هذا التصالح هو العنوان العريض للشرق، التصالح الذي يصنع حوار الكائن مع نفسه وحواره مع عالمه.

هنا غرست الآلهة البردي والقصب

ميريام ديفريندت الأستاذة التي تابعت المصور منذ بداية مشواره، تقول إن كريم منذ بداياته وإلى اليوم يتمتع بالهدوء التام. فهو يملك عيناً فاحصة تلتقط كل شيء، وهذا ما يظهر في صوره التي تنتظر من المشاهد أن يسمع صمتها بتركيز عال.

هناك انسجام واضح في ما بين الصور التي يلتقطها، وكأنك تشاهد فرقة موسيقية يقودها مايسترو واحد، هو الأكثر حرصاً على الانسجام بين الجميع. وكريم إبراهيم هو الأكثر حرصاً على بناء واقع أقرب إلى المثالية من خلال صوره المتنوعة التي تعتمد على البيئة الصامتة، المتحركة في العقل الباطن للمتلقي، وهذا ما يمكن أن تلاحظه في شخصيته أيضا.

إن إعادة إنتاج اللحظة، في صورة كما يفعل الفنان هي اتصال الواقعي باللاواقعي لإعادة تأليف الحركة، وهذا يتم من خلال تسليمنا بأن اللحظة الواقعية هي امتداد لما هو غير واقعي. فالحركة في الصورة متصلة بما هو حسّي وعقلي، وصولاً إلى التمازح المطلق، لبناء الصورة الكاملة التي تقوم على مفهوم الحب، بفطرته الأولى، من خلال أفكار أو لحظات هي نفسها ثابتة وأزلية، تغدو آنية ومتحركة في العقل الباطن للمشاهد. فالحركة في الصور المعروضة هي عبارة عن انتقال من لحظة إلى أخرى أكثر كمالاً ونضجاً، وما على المتلقي إلا تخيّل العالم والمضيّ في عمق الصورة نحو تهيؤات خاصة بنا كمشاهدين.

كاتب من سوريا

14