رحلة مفاوضات سد النهضة من واشنطن إلى أفريقيا تنذر بالخطر

الأزمة بين مصر وأثيوبيا تتحول إلى معركة دبلوماسية إقليمية سينتصر فيها من يحصل على تأييد أكبر.
الخميس 2020/03/19
قضية تحتاج نفسا طويلا

مع انشغال واشنطن والعواصم الأوروبية بأزمة تداعيات فايروس كورونا، تحولت أفريقيا إلى ساحة تنافس بين مصر وإثيوبيا اللتين تعملان على استقطاب دعم دول القارة في قضية سد النهضة، وهو ما يشير إلى خروج الأزمة من بعدها الفني وتحولها إلى معركة دبلوماسية إقليمية ودولية ينتصر فيها من يحسن اللعب بأوراقه ويحصل على دعم أكبر لوجهة نظره.

القاهرة –  أدى استشعار مصر لتراجع اهتمام الإدارة الأميركية بملف سد النهضة إلى تفعيل سياستها الخارجية لملاحقة تحركات إثيوبيا على الساحة الأفريقية، حيث قامت أديس أبابا بمحاولات جادة لكسب تأييد نوعي من بعض دول القارة تحتمي بها في مواجهة نشاط القاهرة العربي والأوروبي.

 وبدأ وزير الخارجية المصري سامح شكري، الثلاثاء، جولة تشمل سبع دول هي بوروندي وجنوب أفريقيا وتنزانيا وراوندا والكونغو الديمقراطية وجنوب السودان والنيجر، لأجل توضيح موقف بلاده والحصول على دعم سياسي.

خشيت القاهرة من أن يفتر حماس الإدارة الأميركية حيال مفاوضات سد النهضة، وتتجمد مسيرة المحادثات بين الدول الثلاث، مصر وإثيوبيا والسودان، عند النقطة التي توقفت عندها الشهر الماضي، حيث قطعت شوطا مهما في واشنطن وتطرقت إلى زوايا حيوية، وتجمدت عقب رفض أديس أبابا مسودة اتفاق أعدته الولايات المتحدة بالتنسيق مع البنك الدولي.

تعني هذه الحصيلة تمهيد الطريق لشروع إثيوبيا في عملية ملء خزان السد في موعده المقرر يوليو المقبل، وتجاهل الفيتو المصري بشأن عدم إتمام الملء دون اتفاق، وزيادة الهوة بما يدخل الأزمة في سيناريوهات جديدة وغامضة، تحسبت منها جهات متباينة، حيث تفتح الباب لاجتهادات خشنة لم تكن في الحسبان.

هدية غير متوقعة

كورونا يبعثر أوراق القاهرة
كورونا يبعثر أوراق القاهرة

لعب عنصر الوقت دورا مهمّا لصالح أديس أبابا، وجاءت فاجعة كورونا التي تجتاح العالم لتقدم لها هدية غير متوقعة تمنحها المزيد من الوقت. فالآن لا تملك الإدارة الأميركية رفاهية الانخراط في هذه الأزمة أو غيرها من الأزمات التي لا تدخل في صلب الأمن القومي، وبالتالي اختفى الزخم السياسي السابق.

وأضحت القاهرة على وشك أن تفقد ورقة الطرف الرابع المتمثل في واشنطن، والتي أبدت تفهما لرؤيتها وأرسلت إشارات عديدة أفادت بأنها في صفها.

لم يكن الرهان كبيرا على الدور الأميركي لدى دوائر مصرية حصيفة بنت رؤيتها على خبرة تاريخية في مجال الضغط الحقيقي على إثيوبيا وتليين موقفها. وانتقل الحديث من فضاء الاستنتاجات والتكهنات إلى الواقع، فلم تظهر واشنطن عزيمة قوية أو تستخدم أدواتها السياسية والاقتصادية، وربما الأمنية، لثني أديس أبابا عن موقفها الرافض للتوقيع على مسودة الاتفاق.

مصادر تشير إلى أن البيئة الإقليمية والدولية يمكن أن تكون مهيأة ومواتية لتقبل الخيار العسكري لإنهاء الأزمة

لكن كان الرهان المصري الخفي واضحا وهو جعل واشنطن شاهدة عن كثب على حجم التقاعس الإثيوبي، ما يمنح القاهرة فرصة لتكتيل أوراقها على الساحتين العالمية والإقليمية انطلاقا من رغبة طرف في الحل وامتناع آخر عن التجاوب معه، وفتح المجال لأيّ خيارات غير مرغوب فيها، طالما أن إثيوبيا مصممة على غلق الأبواب السياسية.

يبدو أن مصر في سبيلها لخسارة التعاطف الذي حصلت عليه من الاتحاد الأوروبي بسبب انشغال دوله بهمومها الداخلية، وصعوبة التحشيد المادي على الصعيد العربي، كما أن دولا كثيرة لن تعبأ بمعاناة العطش المنتظرة التي تواجهها جراء عدم تغيير توجه إثيوبيا في الأزمة، ما فرض على القاهرة الالتفات إلى الساحة الأفريقية التي انتبهت إليها أديس أبابا مبكرا وشرعت في مخاطبتها بلغة التنمية ومحاربة الفقر والجوع وما يمثله سد النهضة من أهمية قصوى للشعوب الإثيوبية.

جاءت الإشارات التي تلقتها إثيوبيا من كينيا وأوغندا إيجابية للغاية منذ أيام، قبل أن يبدأ وزير الخارجية المصري جولته من محطات مجاورة. وعززت خطواتها الرامية لتوسيع التحرك باتجاه دول أخرى، وهو ما يقلق القاهرة التي انزعجت من هذا الطريق، لأنه يفيد بحدوث انقسام بين دول القارة، فكل من مصر وإثيوبيا لديهما شبكة علاقات جيدة، لكن لا يملك أيّ منهما حصيلة وفيرة تدعم رؤيته على طول الخط وحتى النهاية.

حسابات معقدة

أزمة بانتظار حلول من خارج الصندوق
أزمة بانتظار حلول من خارج الصندوق

نجح النظام المصري، حين ترأس العام الماضي دورة الاتحاد الأفريقي التي انتقلت حاليا إلى دولة جنوب أفريقيا، في إعادة تصحيح الكثير من المسارات الخاطئة في العلاقات التي تأثرت بانزواء القاهرة وترك هذه الدائرة أمام إثيوبيا بمفردها.  واستفادت من غياب الأولى والمضي قدما في بناء سد النهضة، وأصبح فيها المشروع قاب قوسين أو أدنى من التشغيل، ويحظى بتعاطف جهات أفريقية عديدة.

في ظل الحسابات المعقدة تكاد تكون علاقات مصر وإثيوبيا متعادلة أو متوازنة، بمعنى من الصعوبة أن يحصل أيّ من الطرفين على دعم مطلق، ولن تتمكّن الدعوات التي طالبت بعقد قمة للاتحاد الأفريقي لمناقشة الأمر من الخروج بنتيجة محدّدة أو قابلة للتطبيق، فالتحرّكات الدبلوماسية التي يقوم بها الجانبان في ربوع القارة تؤثّر على توجهات بعض الدول حيال كل دولة، وتفرض على الغالبية تبنّي مواقف غير حاسمة للمحافظة على العلاقات الودية.

تنظر بعض الدول الأفريقية إلى الأزمة على أنها محلية ما ينتصر لرؤية إثيوبيا في أحقية الهيمنة على السد والتصرف بالطريقة التي تراها مناسبة وعادلة لها وتمنحها الفرصة في التنمية الواعدة، بينما تنظر دول أخرى إلى أنها إقليمية وتستحق مشاركة الدول المعنية وفقا لمبدأ لا ضرر ولا ضرار، ما يؤيد رؤية مصر.

وفي الحالتين تصبح فرص التسوية مرهقة، لأنها تعود إلى نقطة البداية من المحادثات، وتهمل نتائج الجولات المختلفة للمفاوضات التي تمت في واشنطن وعواصم الدول الثلاث، الخرطوم والقاهرة وأديس أبابا، وتضع العراقيل أمام أيّ وساطة تريد تحريك الأزمة للحل.

علاقات مصر وإثيوبيا تكاد تكون متعادلة أو متوازنة، بمعنى من الصعوبة أن يحصل أيّ من الطرفين على دعم مطلق

تحتاج طريقة التعامل مع الأزمة إلى حلول مبتكرة ومن خارج الصندوق للحسم. فقناة الوساطة الأميركية أو ما يعرف بالطرف الرابع الذي ألحت عليه القاهرة أغفلت تقريبا، كما أن هذا الطرف تحوّل إلى عبء على كاهل القاهرة، فقد عزفت أديس أبابا على وتر أن واشنطن من خارج القارة ولا يحق لها التدخل، ولعبت على نغمة استدعاء الوساطة الأفريقية بحكم معرفتها أكثر بامتدادات الأزمة ما يصعّب مقارنتها بأزمات تتعلق بتقاسم المياه في مناطق أخرى.

إذا دخلت الأزمة هذا النفق لأيّ سبب معناه خسارة مدوية لمصر، وعليها أن تتعامل مع السد كأمر واقع، أو تقرر التعامل معه بخشونة عسكرية كأن يتم التلميح إليها على استحياء، لأن كل السبل السياسية والفنية باتت مغلقة، ولم تحصل على طرف يستطيع ممارسة ضغوط تجبر إثيوبيا على تغيير موقفها المعلن وهي مقبلة على انتخابات عامة في أغسطس المقبل، وحوّلت سد النهضة إلى مشروع قومي تتوحد خلفه شعوبها المختلفة، فأيّ تغيير في الثوابت الرئيسية يؤدي إلى حدوث هزات مدوية في جسم الدولة، ولن تستطيع الحكومة الحالية تحمل تبعاتها.

عمل عسكري

جهود مصرية حثيثة
جهود مصرية حثيثة

تميل دوائر سياسية في القاهرة إلى أن الجولات الدبلوماسية الواسعة في الشمال والجنوب التي يقوم بها سامح شكري تتجاوز مسألة توضيح موقف بلاده من السد إلى تبرئة ذمتها على رؤوس الأشهاد ونفاد صبرها من إثيوبيا التي تصر على عدم التجاوب مع الحل التفاوضي. والدليل أن مصر دخلت محادثات لسنوات ووقّعت على اتفاق مبادئ في الخرطوم عام 2015 ومسودّة اتفاق آخر في واشنطن الشهر الماضي، وأبدت كل ما يمكن عمله لتأكيد حسن نواياها تجاه إيجاد تسوية عادلة للجميع.

تشير الدوائر ذاتها إلى أن البيئة الإقليمية والدولية يمكن أن تكون مهيأة ومواتية لتقبل الخيار العسكري لإنهاء الأزمة أو عدم الممانعة، وتستفيد مصر من انشغال العالم بفايروس كورونا وتداعياته، بالتالي تقويض ردود الفعل السلبية إزاء عمل ضخم من هذا النوع والتي كانت أحد الكوابح أمام الإقدام على هذه الخطوة وتأخيرها، ما يجعل مصر رقما مهما في التفاعلات الإقليمية عندما يرحل كورونا وتطوى صفحته وتظهر معالم جديدة في النظام الدولي.

7