رحلة نيازك المغرب من خبايا الصحراء إلى المتاحف العالمية

تيسنت، قرية في الجنوب الشرقي للمغرب، شاهد سكّانها في إحدى ليالي شهر يوليو 2011، شهابا منيرا ارتطم بالأرض على بعد كيلومترات من قريتهم الهادئة، ليتبيّن بعد ذلك أنّه نيزك فضائي من نوع نادر. عندها شدّ العلماء الرحال إلى تيسنت سعيا إلى كشف أسرار هذا الزائر الجديد، لكن تحرّك أيضا صيادو النيازك ومهرّبو الأحجار الكريمة للظفر بجزء من الحجر الثمين، وترويجه في الأسواق العالمية.
الاثنين 2015/06/01
مختبر علمي مغربي يتفحص يوميا نوعية ما يعرضه عليه هواة النيازك من صخور فضائية

نقلت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، بعد ستة أشهر من سقوط نيزك في قرية تيسنت البعيدة نحو 70 كيلومترا شمال مدينة طاطا المغربيّة، أن النيزك المذكور هو تحديدا حجر فضائي قادم من كوكب المريخ، وأنّ متحف التاريخ الطبيعي في لندن قد اشتراه بمبلغ مالي خيالي يفوق بأضعاف عديدة الميزانية السنوية التي يخصّصها هذا المتحف لاقتناء مثل هذه الأحجار.

وأطلق على هذا النيزك اسم "نيزك تيسنت"، وهي القرية الصغيرة التي سقط على مشارفها الواقعة بالجنوب الشرقي للمغرب، وقد شكّل هذا النيزك واحدا من أهم الأحجار الفضائية التي سقطت على وجه البسيطة خلال المئة سنة الماضية، حسب تقارير علميّة متخصصة.

وأثار الحجر أيضا الكثير من علامات الاستفهام حول أنشطة شبكات تجارة النيازك في المغرب، ممّا دفع جهات كثيرة إلى المزيد من الاهتمام بما أضحى مجالا للتنافس والصراع بين العلماء والتجار.

يقول إبراهيم الوادنوني، خبير مغربي في مجال البحث عن النيازك، إن “تجارة النيازك بالجنوب سوق نشيطة اختلط فيها الحقيقي بالمزوّر، يديرها تجار ووسطاء يشترون هذه الأحجار من السكان البسطاء، ومن الرحل في الصحراء بأثمان زهيدة ويستغلون فقرهم وحاجتهم وجهلهم بالقيمة العلمية الحقيقية لهذه النيازك”.

وفي مدينة أغادير، جنوب المغرب، قدم الشاب جلال الركيبي من مدينة السمارة في الصحراء، حاملا كيسا يضمّ مجموعة من الصخور مختلفة الأحجام، يقول إنها نيازك مهمة، وينتظر فحصها في المختبر للتأكد من نوعيّتها وقيمتها العلمية والتجارية.

ويوضح الركيبي، وهو في منتصف الثلاثينات من عمره، أن رحلة البحث عن النيازك في الصحراء “تجربة محفوفة بالمخاطر وتتطلب صبرا كبيرا للوصول إلى عينة من الصخور الفضائية”، مضيفا أنهم يخرجون مع الرحّل إلى الصحراء للبحث عن النيازك عندما يعلمون بسقوطها في مكان معيّن، وقد يستغرق البحث أحيانا أكثر من شهرين.
50 هو عدد النيازك المريخية في العالم، 21 منها التقطت بالمغرب

واستطرد قائلا “عندما نعثر على بعض الحبيبات الصغيرة من النيزك يعطينا ذلك مؤشرا على وجود أجزاء أكبر حجما في مناطق قريبة، وقد يصل وزنها أحيانا إلى أكثر من سبعة كيلوغرامات".

ويروج في المغرب أنّ شبكات الاتجار بالنيازك ليست شبكات منظمة بقدر ما هي شبكات تجمعها علاقات تجارية ومصالح، تنقسم إلى فئات أهمها فئة تسمى “صيادو النيازك”، وهم المصدر الأساسي لهذه الأحجار من الصحارى والمناطق التي تتساقط فيها، حيث يقومون بجولات ورحلات طويلة بحثا عن النيازك، أو شرائها من السكان والرعاة، بأثمان تكون غالبا زهيدة بالمقارنة مع الأسعار الخيالية التي تباع بها هذه الأحجار في الأسواق العالمية، وتختلف أسعارها حسب قيمتها ونوعيتها.

وتصل قيمتها أحيانا إلى ما بين 500 و1000 دولار للغرام الواحد، حسب نوعها وقيمتها العلمية وعمرها فوق الأرض، وتمّ بيع غرام واحد من نيزك تيسنت، بسعر يفوق عشرين مرة سعر نفس الوزن من الذهب، وفق المصدر نفسه.

وهناك فئة أخرى من سماسرة النيازك تقوم بدور الوسيط مع التجار الكبار، وغالبا ما يكون هؤلاء الوسطاء مستقرين في المدن الكبرى المحاذية للمناطق المعروفة بسقوط النيازك، مثل طاطا، وكلميم والراشيدية وأرفود وورزازات وغيرها من المدن الصحراوية.

وتمرّ الأحجار الفضائية في مراحل بيعها وتهريبها، إلى أهم مرحلة وهي نقلها إلى تجّار خارج المغرب الذين يقومون ببيعها في الأسواق العالمية، ولكبريات المتاحف في العواصم العالمية، وغالبا ما يقوم بهذه المهمة تجّار من جنسيات أوروبية وأميركية يزورون المغرب، كلّما وصلتهم أخبار عن سقوط نيزك مهمّ.

وتعد هذه الأحجار بضاعة مطلوبة لكل من معاهد البحوث وكبريات المتاحف وهواة جمع الأحجار الثمينة من الأثرياء في أوروبا وأميركا، وتتربّع وكالة الفضاء الأميركية ناسا على رأس هذه المؤسسات العلمية التي تصل إليها الأحجار الفضائية ذات القيمة العلمية العالية.

عبدالرحمن إبهي: لابد من إنشاء متحف للنيازك لأنها إرث وجب الحفاظ عليه في المغرب
داخل مختبره في كلية العلوم بجامعة ابن زهر باكادير، جنوب المغرب، يعكف الدكتور عبدالرحمن إبهي، وهو باحث مغربي متخصص في النيازك، على دراسة بعض العينات من النيازك التي تتساقط في جنوب المغرب، ويستقبل إبهي يوميا زوارا من الرحل ومن هواة النيازك الذين يأتون من مناطق مختلفة حاملين ما وجدوه في الصحارى من الصخور الفضائية لفحصها في هذا المختبر المتخصّص في دراسة البلورات والمعادن.

يقول إن هذا المختبر، وهو الثاني من نوعه في المغرب، أسهم بشكل كبير في نشر ما وصفها بـ“ثقافة النيازك” لدى سكّان الصحراء والرحل في المناطق الجنوبية حيث مناطق تساقط النيازك، مشيرا إلى أنّ المغرب يتصدّر الدول التي تُسَوق النيازك إلى العالم، في ظلّ تصاعد الاهتمام بهذا الموضوع خلال السنوات الأخيرة وتهريب عدد كبير من النيازك الثمينة إلى خارج المغرب.

ويؤكد أنّ نيزك تيسنت الذي جادت به السماء على جنوب المغرب “يكتسي أهمية علمية كبيرة لأنه سيكشف عن معلومات لا تقدر بثمن حول كوكب المريخ".

كما دعا الخبير المغربي إلى “إنشاء متحف وطني متخصّص في حفظ النيازك، لأنّها إرث وطني مهمّ يجب الحفاظ عليه في المغرب ويكون متاحا للناس والأجيال القادمة”، مضيفا أنّ "عدد النيازك المريخية في العالم هو 50 نيزكا، 21 منها التقطت بالمغرب وكلها غادرت إلى الخارج، دون أن يعلم أحد ظروف نقلها إلى خارج الحدود، منها نيازك بيعت في مزادات بأميركا لمتاحف عالمية معروفة".

وحسب ما ذهب إليه إبهي، تكتسي النيازك التي تتساقط في الصحارى المغربية أهمية علمية كبيرة لأنها تسقط في الصحراء، ولا تتعرّض لآثار التلوّث المائي، ولا للتفاعلات الكيميائيّة للتربة، ممّا يساعد على الحفاظ على مكوّناتها الأصلية، وكمثال على ذلك النيزك القادم من كوكب المريخ، الذي سقط قبل أربع سنوات بالقرب من قرية تيسنت.

مختبر الدكتور إبهي بجامعة بن زهر بأكادير حاول ملء فراغ كبير في المؤسسات البحثية المعنية بالنيازك في المغرب، حيث يوجد مختبران فقط في المغرب كله.

وتشكل المختبرات نقطة التقاء بين تجار النيازك الذين يحتاجون للعلم لمعرفة حقيقة ما لديهم من صخور ونوعيّتها لتحديد ثمنها في السوق، وبين الحاجة العلمية للباحثين والمختصين الذين تلزمهم دائما عيّنات من النيازك التي تتساقط لدراستها وتحليلها واستخلاص حقائق علمية جديدة منها.

20