رحلة هنري فانتان لاتور من الواقع إلى الحلم في معرض باريسي

حتى منتصف فبراير 2017، يقيم متحف لوكسمبورغ بباريس معرضا للفرنسي هنري فانتان لاتور، أحد كبار الرسامين في القرن التاسع عشر، الذي عُرف عالميا بلوحات “الطبيعة الميتة”، و”البورتريهات الجماعية”، ولكن مساره لم ينحصر في هذين الاتجاهين، إذ اختار أن يخط مجرى خاصا به تدرّج خلاله من الواقعية إلى الرمزية، ولم ينخرط في الانطباعية التي راجت في عصره رغم أن مؤسسيها أصدقاؤه.
الاثنين 2016/10/03
لوحات تجمع الإنسان والنبات

يطمح المعرض المقام حاليا بمتحف لوكسمبورغ بباريس، ويتواصل حتى منتصف فبراير 2017 إلى تقديم فكرة شاملة عن آثار الرسام الفرنسي هنري فانتان لاتور (1836-1904)، وتصويب الرأي القائل إنه أقام مجده على جنسين هما “الطبيعة الميتة” و”البورتريهات الجماعية”. هذا الفنان اعتُرف بمكانته وقدراته المتميزة في حياته، بفضل علاقاته بأعلام الوسط الفني في ذلك الوقت، كإدوار مانيه وأوغست رونوار وكلود مونيه وجان فريديريك بازيل، ورموز الساحة الأدبية كبودلير وإميل زولا ورامبو وفرلين، الذين خلدهم في لوحات شهيرة، وكذلك بفضل لوحاته عن “الطبيعة الميتة” التي ركز فيها على رسم مختلف الأزهار، بأسلوب فريد، لا يتكرر، والتي كان يخص بها حرفاءه من الإنكليز لضمان عيشة مرفهة.

وعلاوة على هذين الجنسين، ما فتئ فانتان لاتور يجرب، وينفتح على مقاربات مختلفة، قريبة من الحلم، وهو ما أسماه النقاد “لوحات تخييل”، شبيهة في البعض من أوجهها بلوحات رودون (1840-1916)، وبالأسلوب الذي سوف يسير عليه من بعده مارك شاغال، حيث الأشكال غير محددة، والأبخرة هلامية متصاعدة تنأى عن الواقع وتفتح على الحلم.

لم يكن فانتان لاتور انطباعيا ولا حداثيا ولا رومانسيا ولا أكاديميا، بل كان شغله الشاغل طوال ثلثي مسيرته الفنية التيار الواقعي الذي أخذه عن الفنانين الهولنديين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكذلك عن الفرنسي كوربيه.

ورغم صلته بالانطباعيين، الذين رسمهم في ورشة باتينيول بباريس عام 1870 في بورتريه جماعي ضمّ مانيه وأتباعه من هذه المدرسة الطليعية وقتها، فإنه لم ينضمّ إليهم وفضل المحافظة على استقلاليته، (ولا سيما بعد تجربته العارضة ضمن مجموعة 1863)، لأنه كان يكره الرسم في الهواء الطلق، واستعمال الألوان على طريقتهم، فآثر اتباع سبيل قادته من الواقعية إلى عالم بخاري مسكون بالأحلام قريب من الرمزيين.

ألوان لاتور تقع بين حالين، زاهية مضيئة مشرقة تبعث على الفرح والسعادة في لوحات الأزهار، وعابسة مظلمة في البورتريهات

تعلم فانتان لاتور الرسم في غرونوبل على يدي والده تيودور، ثم انتقل إلى باريس ليلتحق بمدرسة الفنون الجميلة برفقة إدغار دوغا وألفونس لوغرو وجان شارل كازان، وكان يتردد أحيانا على مرسم غوستاف كوربيه. بدأ حياته الفنية برسم المئات من لوحات الطبيعة الميتة، من أزهار وثمار شديدة الواقعية، كان يرسمها كما هي، معلقة في أشجارها، ثم ركز اهتمامه على الأزهار وحدها، وكان يلتقطها بنفسه ويضعها في باقات ومزهريات على مائدة، في خلفية محايدة تتراوح بين البيج والرمادي، تماما كما في البورتريهات التي درج على رسمها، بدءا بصورته هو.

وكان يقول “نرسم الناس مثل مزهريات”، وهو ما يؤكده الرسام جاك إميل بلانش (1861-1948) الذي كتب يقول “كان فانتان لاتور يدرس طبيعة الأزهار، كما يدرس طبيعة وجه الإنسان”، ورغم أنه كان يرسمها لغرض تجاري، لم يخل إنجازها من متعة لديه، تماما كما كان شأنه مع البورتريهات، وإن كانت الألوان التي يستعملها ليست نفسها في الحالين، فهي زاهية مضيئة مشرقة تبعث على الفرح والسعادة في لوحات الأزهار، وعابسة مظلمة في ما يخص البورتريهات.

هذه البورتريهات التي يسّرها له ظهور التصوير الشمسي، إذ كان يجمع المئات من الصور ليتخذها مثالا (موديل) لا تكلفه شيئا، بدءا بصورته هو، ثم صور أختيه عند خلودهما إلى الراحة، أو الجلوس للمطالعة، وحتى صور نساء عاريات يضفي عليهن من خياله ما يجعلهن أشبه بحوريات ميثولوجية يحلّقن في الفضاء. كانت مسيرة فانتان لاتور قد شهدت تحولا جذريا في ستينات القرن التاسع عشر، بعد أن تلقى ما وصفه بصدمة جمالية عنيفة عند استماعه لاستهلال سمفونية فاغنر “المركب الشبح”، فصار عبقري بايروت أهم ملهميه، وانتقل إلى مرحلة السموّ بالنفس إلى مناطق الإبداع الحق، ثم انساق وراء سجيته يرسم لوحات مستوحاة من الميثولوجيا أو من سمفونيات فاغنر مثل “ركب الفالكيري” و”بنات الراين”، وكذلك سمفونيات شومان وبرليوز الذي خصه عقب وفاته عام 1876 بلوحة “عيد الميلاد”، لوحة تظهر أبطال الموسيقار الراحل في إخراج بديع.

في رسالة إلى صديقه الفنان الألماني أوتّو شولديرر (1834-1902)، كتب يقول بعد إنجاز لوحة “أريان متروكة”، تظهر امرأة تلفها أبخرة زرقاء من كل جانب “هذه اللوحة هي النمط الذي أقوم به كل يوم، انتهت لوحات الأزهار والبورتريهات، أنا الآن أتسلى بإنجاز ما يخطر ببالي، وسعيد بأن لي تاجرا يقتني ما أفعل، وكم هو جيد أن نكون قد تخطينا سن الـ20”. هذا التطوّر في مسيرة فانتان لاتور وتقنياته وحتى حالاته النفسية نلمسه من خلال العرض الكرونولوجي الذي توخاه منظمو المعرض، تطوّر لخصه بنفسه حين كتب يقول قبيل وفاته عام 1904 “بدأت بتقليد الكبار، ثم بتصوير الحياة، ومنذ بضعة أعوام صرت أرسم أحلامي، وصلت على مهل من الواقع إلى الحلم، هذه الرحلة دامت ما يقارب حياتي كلها”.

16