"رحلة يوسف"  حكايات واقعية صادمة خارج التصنيف الأدبي

إشكالية التصنيف الأدبي أحد أهم ملامح كتاب سامح فايز، إذ تتداخل حدوده مع أكثر من نوع، فنجد الرحلة واليوميات وغيرهما.
السبت 2018/03/10
موت الرضيع يكشف آلام الفقراء (لوحة للفنانة وفاء نديم)

يتناول كتاب “رحلة يوسف” للكاتب سامح فايز، ثيمة الفقد بطريقة مختلفة، خارجة عن الأجناس الأدبية والذات والرثاء، وهو المهمّ في هذا العمل الأدبي. ولكن ما زالت مسألة خرق الأنواع واحدة من الإشكاليات التي تواجه الناقد والكاتب على حدِّ سواء، فكثير من الكُتَّاب لا تعنيهم مسألة التصنيف، بقدر ما يعنيهم التخلُّص ممّا يُرْهقهم من مادّة الكتابة، وفي ذات الوقت يقع الناقد في حيرة وهو يرى حالة من التداخلات بين الأنواع، خاصّة في ظلِّ المرونة التي تتميّز بها كتابات الذّات.

حدود النوع

إشكالية التصنيف الأدبي أحد أهم ملامح هذا الكتاب، الصادر عن دار الكرمة بالقاهرة، إذ تتداخل حدوده مع أكثر من نوع، فنجد “كتابة الرحلات” التي تعتني بالوصف والتسجيل، في ظل وجود قرينة رحلة في عنوان الكتاب، وتردّداتها في متنه. حيث يحتوي على رحلة المؤلف في أرجاء مصر، بدءًا من الفيوم وصولاً إلى أسوان؛ راصدًا تفاصيل مشاهدته، وهو يرصد انهيار البنية الصِّحية في مصر، من خلال متابعاته لما يحدث في القرى والنجوع، في الوحدات الصحية، وتردِّي منظومة العلاج.

الكتاب جاء في قسميْن الأوّل خاصّ بتجربته مع المرض بعد ولادة ابنه يوسف، وهذا الجزء قريب من اليوميات، حيث يسجّل الكاتب يومياته في المستشفى منذ ولادة طفله ومعاناته التي بدأت مبكرًا في رحلة بحثه عن حضانة خارجية، ثم الحادثة المؤسفة بعد اكتشاف الأطباء وجود “مياه ظاهرة على المخ، وبكتيريا تعيش في رأس الطفل” وهي الكارثة التي أُلقيت على رأس الأب، وهو يرى فلذة كبده تتشبث بالحياة إلا أن كل شيء حولها، يدعوها إلى مغادرة هذه الحياة القاسية.

كثيرة هي الكتب التي تتناول أوجاع الفقد، خاصّة إذا كان متصلاً بالأبناء، لكن في ذات الوقت قليلة هي الأعمال التي لا تتعامل مع الفقد كتجربة شخصية فقط، وإنما تسعى إلى أن تبحث من خلال هذا الفقد إلى البحث عن الخلل في المجتمع، ومن ثمّ يتماهى الذاتي في العام. ولا يقف عند حدود رثاء الذات أو حتى رثاء الابن، وإنما يتجاوزهما إلى رثاء الوطن لما أصابه من فساد توطّن في أهمّ مفاصلة إلى حدّ التكلُّسِ، وهو صحّة الإنسان. كما في كتاب “رحلة يوسف” للكاتب سامح فايز.

وقد سمّى المؤلف هذا الجزء بعنوان “كتاب يوسف” وتأخذ صفة اليوميات، فهي مسجّلة بالترتيب منذ دخول الأم إلى الولادة، حتى رحيل يوسف بعد أن قضّى تقريبًا 54 يوما، وإن كان معظمها داخل المستشفى وغرف العمليات والعناية المركزة، وهو ما أتاح لوالده الذي كان قريبًا منه، وراغبًا في استعادته، أن يرصد لنا حالة من الفساد المزري في العناية الصحية، تصل إلى القتل العمد، يميل أسلوب الكاتب في هذا الجزء إلى السخرية والتهكّم مما يحدث حوله.

أما الجزء الثاني والذي عنونه بـ”الرحلة إلى الجنوب” فيتناول الرحلة التي طاف بها الأب المدن والقرى باحثًا عن سؤال: أين الخلل؟ وإن كانت ثمة بارقة تهلّ في نهاية الرحلة عندما يذهب إلى مركز الدكتور مجدي يعقوب لعلاج الأطفال في أسوان.

هنا يأتي التساؤل عن مسألة النوع، إلى أي نوع ينتمي الكتاب: هل إلى اليوميات، كما هو في الجزء الأول، أم إلى الرحلة كما في الجزء الثاني؟ في الحقيقة على الرغم من التداخل بين النوعين خاصة في ظل استخدام المؤلف للمصطلحين، يصبح من الصعب التمييز بين الرحلة واليوميات، ففي الرحلة التي اشتملت على العديد من المدن، ثمّة يوميات ظاهرة، وإن كانت لا تأخذ شكل اليوميات كما في الجزء الأول، إلا أنّ الكاتب حريص على تسجيل ما حدث خلال اليوم، وما تمّ من مقابلات، وكيف انتهى اليوم؟ سواء بأحداث حزينة أو بالهروب كما حدث عندما عاد إلى الأقصر، وقضّى أكثر من ليلة وهو يذهب إلى البار لكي يغيب عمّا شاهده.

طرائق الكتابة

حالات التداخلات لا تقف عند تماهي الحدود بين اليوميات والرحلة، وإنّما أيضًا تشمل تداخلات أنواع أخرى، أكّدت مرونة السّرد في قبولها، ومنها الرّسائل التي كان يرسلها الأب لابنه سواء في غيبوبته أو بعد رحيله، وأيضًا كتابات الفيسبوك التي أدخلها الكاتب في نسيج اليوميات، وبالمثل مآسي الفقراء الذين استمع لهم وهم في قوائم الانتظار أمام العيادات الخارجية، أو حالات التحايل على الفقر، بصرف العلاج وبيعه، وهي حالات إنسانية تكشف فساد الضمائر من الذين لا همّ لهم إلا بالتربُّح حتى ولو كانت وسيلتهم هي شراء علاج الفقراء، ومساومتهم على فقرهم.

هي حكايات واقعية مروية عن آخرين. ومن ثمّ نحن أمام عمل استطاع أن يتماهى مع كافة الأجناس الأدبية ويكيِّفُها ليخرج لنا هذه المأساة التي عاناها الأب، ويعانيه قطاع عريض من الفقراء، لكن الفارق أن الأب كانت لديه ملكة الكتابة فسجّل وكتبَ، أما هم فاكتفوا بالحكي لمن لديه القدرة على أن يسمع أو يساعد كما حدث مع المجنّد العسكري الذي قابله في رحلته إلى أسوان، وحكى له أنه مصاب بمرض إلا أنه دخل الخدمة العسكرية، ولم يعترف أحد بمأساته، وعندما عرف أثناء حديث الراوي مع أحد أصدقائه في الهاتف أنه صحافي، حكى له عن مأساته علّه يساعده.

حكاية الكتاب سهلة وبسيطة، بل ومن الممكن لو جلست لمجرد ساعة أمام مستشفى القصر العيني أو أبوالريش في القاهرة، لاستمعت إلى الآلاف من الحكايات التي ربما تكون أكثر مأساة من حكاية يوسف، فوالد يوسف على الأقل وجد دعم الأصدقاء لتسهيل الكثير من الصعوبات التي مرّ بها.

نص بسيط يختزن مرثية جارحة للإنسان والوطن
نص بسيط يختزن مرثية جارحة للإنسان والوطن

الأهم هنا، كيف نقل هذا النص السهل، بسيط اللغة، والذي يمكن قراءته في جلسة واحدة، إلى نص اعتمد فيه الكاتب على أساليب كتابية، أسبغت عليه الصفة الأدبية. ومن هذه الوسائل، تنوُّع الأساليب التي اعتمد عليها الراوي الأنا في نقل التجربة، وقد مزج بين الغنائية، وهو يسرد معاناته في المستشفى أو معاناة الآخرين أثناء الرحلة، وبين ثنايا الملحمية يرصد مآسي الفقراء في رحلة علاجهم، وقد تداخل الذاتي بالعام هنا أيضًا. علاوة على الصّراع القائم على الحوار وتشابُك الشخصيّة الرئيسيّة مع الآخرين، من ممرضين وأطباء وغيرهم ممن رآهم أثناء رحلة المستشفى، فالحوار زاد من حدّة المأساة، حيث حولها من أزمة شخصية إلى أزمة عامة، وكأنّ الرَّاوي يُصارع الفساد في صور هؤلاء.

ومن الفنيّات التي لَعِبَ عليها الكاتب، استحضار يوسف الغائب سواءً بفعل المرض أو الغائب بفعل الموت (في مرحلة لاحقة) وجعل منه شخصية حاضرة، مستقلة، يخاطبها، ويتحدَّث إليها، بل ويستمع لما تقول. وكذلك الاتكاء على صيغة المخاطبة والرسائل التي بثَّها إلى ولده باعتباره حاضرًا وملهمًا للأب بأن يدافع عن حقّه وحق الآخرين الذين ظلمهم الإهمال. إضافة إلى اللُّغة التي اعتمدها الكاتب، فمع أنها تحتوي على شريط لغوي قريب من لغة التداول اليومي في الخطاب، إلّا أنّ توظيف هذه اللغة في مواقف معيّنة زاد من قوتها وجمالها، كما أنّ النص في كثير منه ابتعدَ عن اللغة البلاغيّة، فبلاغة الواقع الحاملة لها لا تحتاج إلى زخارف فنية أو استعارات.

15