رحل أمل دنقل وترك صوته في الشارع

الأحد 2014/02/23
أمل دنقل في صورة عائلية: شاعر الثورة

لم يكن الشاعر أمل دنقل (1940-1983)، شاعرا مرّ كزائر، بل كان شاعرا آثر الخلود بشعره الذي صارت قصائده شعارات للثورات، مات أمل دنقل وظلّ شعره في القلوب، ومثلما كانت دواوين نزار قباني تنام بين أحضان العذارى، كان شعر أمل دنقل يُشْعِلُ قلوب الثوّار، ويستلهمون منه وقود نضالهم، ويؤرقون بكلماته عروش جلاديهم، ومن أفكاره يتحدّون الموت ويتراقصون فرحا به إنْ جاءَ.

مات أمل دنقل وظلت «الكعكة الحجرية» أغنية للثورات، وبيانها الأوّل، والمانفستو الذي يهتدون به، وإنْ حادوا عنه ضلوا الطريق كما حدث بعد ثورة 25 يناير 2011. مات أمل دنقل وبقيت «لا تصالح» بمثابة الشّوكة التي تُنَغِّصُ جُنُوب مَنْ يتصارعون في الخفاء والعلن لتوقيع الاتفاقيات مع العدو وتناسوا أنّ المساواة «بين يد سيفها كان لك وأخرى سيفها أثكلك»، محض وَهْم.

مات أمل دنقل وظلت عيون زرقاء اليمامة تبصّرنا بالقادم، ومع الأسف ولَّيْنَا ظهورنا عنها متجاهلين صيحاتها حتى صرنا عُراةً فـ«لا اللّيل يُخفي “عَوراتنا”. كلا ولا الجدران!» أما هي فقد تركناها «وحيدة.. عمياء». مات أمل دنقل وظلت «أقوال جديدة عن حرب البسوس»، أيقونة للرفض الحاسم ضدّ الاهتراء السّياسي والتَّفَسُّخ الاجتماعي.

«مات أمل» هي الحقيقة التي جاءت في الصَّيْحَة التي أطلقها جابر عصفور في ميدان التحرير، مُنتظرا أن يدوّي صداها خلفه، ليُصدِّقَ النبأ الذي ظنَّهُ خُدعة من أحابيل أمل التي نصبها للموت، عندما أطلّ عليه من انتكاسات الورود، التي تحدثت له عن “لحظة القطف، لحظة القصف، لحظة إعدامها في الخميلة”، فروَّضه ليستكين دون أن يباغته وهو «يطلق -كالطفل- نبلته بالحصى فيصيب بها من يصيب من السّابلة» أو حتى كانت في صورة “مانشيت” رئيسي لصحف الصباح وقتها بلون الحداد الذي خايله في «تاج الحكيمات، وأردية الرَّاهبات، وأربطة الشَّاش، ولَوْن الأَسِرَّةِ، وفي قُرص المنوِّمِ»، وإن كان يعلم أنه سيأتي إليه -لا محالة- في حقيقته عندما يأتي المعزّون متشحين بشارات لون الحداد، لتعلن في صمت دون صخب «مات أمل دنقل»، أو عبر هذا الشّاهِد الذي يرقد فيه أمل في تلك القرية النائية، والمكتوب عليه بخط بسيط يعكس جلال الموت وهيبته «هذا قبر أمل دنقل، كُلُّ مَنْ عليها فان» ليكون هو الأثر المادي على وفاته.


فلسفة الموت


الناقد جمال محمد عطا، رأى في كتابه الجديد الصّادر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بعنوان «تشكيل صورة الموت في شعر أمل دنقل» 2013، أنّ ثمّة جمالا أو جماليات في «قضية الموت» التي تردّدت باطّراد في شعر أمل دنقل، وهو ما تكشّف بالقراءة الواعية عن دلالات الموت وتنويعاته في شعره، فأمل لم ينظر إلى الموت بمعناه الضيّق أي الفناء، وإنما رآه نوعا «من عدم الاتّصال الذي يواجهنا في شكل “الحُزْن-الهَمّ” وذلك عندما نُمَارِسُ أو نجرِّب تهديدًا لاتصال وجودنا مع أنفسنا ومع الآخرين مِن جانبٍ، ومع الحياة والواقع السِّياسي من جانبٍ آخر».من ثَمَّ نُصبح إزاء معنى، أو بالأحرى معان جديدة مُنْفَتِحَة ومُتَعدِّدَة للموت، تسعى إلى الكشف عن جذره الأساسي، في الموروث الثَّقَافي “العربي والغربي” بصفة عامة، وبناءً عليه تتحدَّدُ دلالات الموت وفواعله ومسَبِّبَاته وطرق مواجهته في خِطاب شعري ينطوى في جوهره على إطار فلسفي يتماسُ في استحضاره لإنسانه مع إرادة القوة عند نيتشه، لا مع إنسان سارتر ومثاليته، في الوقت الذي يحتفظ فيه لنفسه بالخصائص الشِّعرية التي تجاوز الخطاب النثري العادي، كدحض لتلك المقولات التي روَّجها “السبعينيون” عن خطابه المباشر والنثري. لكن الأهمّ، هو تلك الرؤية التي قدَّمها شعر أمل دنقل والتي وقف عليها الكاتب بدربة وخبرة مستعينًا بأدواته الإجرائية النَّقدية التي تجعل من المنهج السوسيولوجي ممارسةً تطبيقيّة فاعلة، والمتمثِّلة في تجاوز الموت الطبيعي (ماهيته / قانونه / حجمه) فهذه جميعها كما يرى المؤلف، “أمورٌ مُسلَّمٌ بها”، لكن ما قدمته صورة الموت كما رآه (ها) الشَّاعر واختبره (ها) وجهًا لوجه في المحيطين على اختلاف مستوياتهم كالموت الحقيقي؛ فقد الأهل: (الأب – الأخت)، وَفقد الأصدقاء: (يحيى الطاهر – محمود حسن إسماعيل – صلاح عبدالصبور وغيرهم)، أو كالموت المعنوي، الحاضر في فقد الوطن والقرية؛ لينفذَ إلى معنى عميق مضاد للموت في كُلِّ صوره وأشكاله المختزنة في الوعي عبر إطاره المعرفي والثقافي، يكشف عن «مفهوم ومعنى الحياة ومقوماتها وغاياتها على النحو الذي يُعَرِّف الشيء بالضّدِّ»، وقد استطاعتْ هذه الرؤية بعمقها، بحسب تعبير المؤلف أنْ «تكشفَ لنا عن مَوَاطِنِ العفونة والجمال، القوَّة والضعف في الذَّات البشرية وفي مجتمعها».

ويشير المؤلف إلى أسبابَ اختياره لقضية الموت دون سائر القضايا التي حَفل بها شعر أمل دنقل، حيث يرى أنَّها ذاتَ اتصالٍ وثيقٍ بواقعها الخارجي (الاجتماعي / السِّياسي) الذي عاشه أمل ذاته، هذا الواقع المُثْقَل بالجراح والهزائم السِّيَاسيّة (ما بين 1948- 1967) أو سيطرة الشِّعَارات الكاذبة (الاشتراكية المشوَّهة والمزيفة، والتبعيَّة “الامبريالية ” …. إلخ) وهذا ما كان كفيلاً بـ«خلق نوْعٍ من النَّزْعَة العدمية والاغتراب والإحساس بالعبث واللاجدوى نتيجة الإحساس بالتناقضات»، أما الدافع الثَّاني فمرجعه رؤية أمل الفلسفية والعميقة إزاء الموت والتي تتخطى الموت كـ«فكرة مصير»، لتؤسِّس لمنهج حياتي وجودي أصيل، وهو ما كَشَفَ عن تلك الرؤية الدقيقة في معالجتها للموت في بعده الأيديولوجي، كاشفةً عن شعور عدمي كان مُسيطرًا على الشَّاعر ربما مرجعه إلى روافده الثقافية التي نَهَلَ منها، والتي كان مِن أهمها تأثُّره بالنزعات الفلسفية عند نيتشه التي تقول بأن «الحياة لا تكون حياة إلا (من دون الآخر / الموت والألم)، أو ما كان يُصَرِّحُ به هيدجر «إن الدازاين (الكينونة) تحمينا من أن نشيخ حتى لا تليق بنا انتصاراتنا»، غير أنه ينبغي أن نفهم – هنا- أنَّ وجود الموت لا يعنى أن نموت «وإنما يعني أنْ نخاطر بموتنا من أجل وجودنا»، أو حتى تلك التي تنتشر في الفكر الوجودي الذي وَجَدَ رواجًا في ثقافتنا لما أحدثته الهزائم من انتكاسات للذَّات، وطموحه في القضاء على «غربة الإنسان» ورفضه القاطع لتلك الحلول التي قدمتها الماركسية في نموذجي هيجل وماركس، كحلٍّ مُقْنِعٍ لمشكلة الاغتراب.

تجربة الموت التي دخلها أمل، خلقت نوعا من الهدوء والحكمة والتأمل والتسليم المطلق للفضاء الكوني، وقد انعكس ذلك بشكل واضح على أدواته وما صاحبها من تشكيل جمالي


أوراق الغرفة 8


كما يُرْجِعُ الروافد التي نَهَلَ منها أمل إلى الثَّقافة بمعناها الواسع بدءًا من المثيولوجيا (الفرعونية / اليونانية / العربيَّة) والنُّصوص الدينيّة (الكتاب المقدس بعهديه: القديم والجديد، والقرآن الكريم) وأيضا إلى التراث الشعبي، وقد شكَّلت هذه المصادر بنية الفصل الأول المعنون بـ (مصادر صُورة الموت في شعر أمل دنقل)، وقد قرأ فيه المؤلف هذه التأثيرات ودورها في حَمْلِ تجربة الشَّاعر لجمهوره وصياغتها فنيًا. أما الفصل الثاني المُعنون بـ (أنماط الموت وآليات مقاومته في شعر أمل دنقل) فقد فنَّدَ فيه اختلاف نظرة الشُّعراء المحدثين عمَّن سبقوهم في تناولهم لقضية الموت، ثم نظرة أمل الخاصة، عارضًا بشيء من التفصيل أنماطه المتعدِّدة (مثل: الموت الطبيعي / الموت الأيديولوجي / الموت المعنوي / الشعور العدمي)، مُبَيِّنًا أبعاد كُلِّ نمطٍ وفواعله وطُرق مقاومته .أما الفصل الثالث والذي كان بمثابة الاختبار التطبيقي للفروض والإجراءات النظرية، فوقف الكاتب فيه على الأدوات التشكيليّة والجماليَّة التي شكَّلت خطابه وصاغت رؤيته بما تَحْمِلُ من بُعْدٍ فلسفي، ومن ثمَّ قسَّمه إلى قسمين؛ الأوّل بعنوان الأدوات التشكيلية التي شكَّلت خطاب «الموت الأيديولوجي»، واقفًا على قدرة أمل في تجاوز التعبير عن الموت في إطاره الفكري، إلى التعبير عنه جماليًا (عبر: الشكل الطباعي / المستوى الصوتي / المستوى التركيبي / المعجم / المجاز / … إلخ) وهو ما يبزُّ فيه الشَّاعر أقرانه ممَّن تناولوا قضية الموت في أشعارهم، حتى أننا نخال أن الشَّاعر صَهَرَ هذه العناصر لخدمة قضيته، وهو ما كاد يصل بنا ـ دون قصد ـ إلى الصَّنْعَة الشعريـة وليس الموهبة، وهو ما يتنافى مع موهبة بحجم أمل.

أما القسم الثاني فجاء بعنوان، الأدوات التشكيلية التي صاغت رؤية أمل دنقل «للموت في بُعْـده الكوني» ووقف فيها عند ديوان «أوراق الغرفة 8»، ورأى المؤلف أن تجربة الموت التي دخلها أمل خلقتْ «نوعًا من الهدوء والحكمة والتأمُّل والتسليم المطلق للقضاء الكوني»، وقد انعكس ذلك بشكلٍ واضح على أدواته وما صاحبها من تشكيل جمالي حيث «خف نهج التقابلات الحادة التي كانت تسم شعره قبلها، وخفـَّت معها القوافي الناتئة المدببة لتحل مكانها قوافٍ ممدودة ثقيلة، ودخلت قضاياه مسحة من التجريد (المحسوب) بما يستلزمه من خفوت الإيقاع الظاهر الحاد باتجاه الإيقاع المتأني الذي يسري في روح القصيدة قبل أن يسري في جسدها»، كما رأى الشاعر حلمي سالم في اقتباس طويل استشهد به الكاتب. وإن كنا نرى أن يكون هذا الاقتباس هو النتيجة التي يستخلصها، لا مجرد افتراض يوجِّه البحث والباحث، فالنتيجة معلومة مسبقًا، ومن ثمَّ لا حاجة لاختبار الفروض وتلك الجداول الإحصائية التي وضعها في نهاية الكتاب. ثم ختم الكتاب «ببليوغرافيا» عنيت بدراسة حياة وشعر أمل دنقل.

هكذا قدَّم لنا الكاتب رؤيته عن الموت في شعر أمل عبر جماليات تشكيله، التي جعلت من الموت حياة، وتحديقنا فيه ما هو إلا تحديق في الحياة ذاتها، وهو ما كشف لنا عن موت الذَّات العربيَّة والخلل الاجتماعي والسِّياسي وحالات الاغتراب، وقبلها عن مَوَاطِن العُفونة والجمال، القوة والضعف في الذات البشرية وفي مجتمعها، لكن نسي المؤلف الذي اجتهد كثيرًا في تحليلاته وكادت أن تعصف به أن أمل مَات، رغم فلسفته الوجودية، وبقي جمال شعره، وأن ما هَزَمَ أمل في أحد مراحله وكاد يهزم المؤلف (أيضًا)، رغم مراوغته له بالمراوحة بين اليأس والأمل والإقدام والإحجام، هو عفونة وفظاظة وتردِّي الواقع بكل حمولاته السِّيَاسيَّة والاقتصادية، ومع الأسف ما تغيَّر، ولم ولن يتغيَّر الواقع في شيءٍ “حتى ولو رآها البعض رؤية سوداوية منّي، ومصادرة لأمل بازغ” بل زاد سَوْءَةً على ما كان عليه. الشَّيءُ المهم مع كلِّ ترددات الموت، كان هذا الكتاب الذي خَرَجَ إلينا ليقدِّمَ صَوْتًا نَقْدِيًا لافتًا ومشاكسًا أوّلا، وثانيًا تلك القوَّة التي سَرَتْ وسرَّبها الكتاب إلينا عبر مشاكسات أمل ومراوغاته للموت في حضوره وغيابه، أو حتى في استحضاره للغائبين والرَّاحلين، لتخلق القدرة على المواجهة وقبول التحدّي والتجرؤ ـ ربما ـ على مناوشة القط “مَنْ يجرؤ أنْ يَضَعَ الجرس الأوَّل في عنق القط” .فهلْ مِنْ مُجيب، أم يأتي إليّ صوت أمل متسائلاً «فمتى يُقْبِل موتي./ قبل أن أصْبحَ – مثل الصَّقر – / صقرًا مُسْتَبَاحًا؟!».

15