رحل حسني مبارك تاركا الحكم على مسيرته للتاريخ

حنين شعبي بعد سنوات متقلبة إلى عهد رئيس حكم مصر ثلاثة عقود من الزمن.
الأربعاء 2020/02/26
وفاة مبارك صالحته مع الشعب

اختار القدر أن يرحل الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، الثلاثاء، بعد أربعة أيام فقط على تبرئة نجليه علاء وجمال في القضية الشهيرة المعروفة بالتلاعب في البورصة. الوداع الأخير لمبارك لم يكن صامتا، بل توّج فيه الراحل باعتراف الدولة بمجهوداته طيلة ثلاثة عقود من الحكم، بعدما أعلنت السلطة الحداد ثلاثة أيام، كما نعاه الجيش ودول عربية كثيرة.. ترجّل مبارك إلى مثواه الأخير فاتحا صفحة جديدة في مصر ستكون فيها الكلمة الفصل للتاريخ لتقييم فترة حكمه التي أنهتها ثورة 25 يناير 2011.

القاهرة - رحل الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، الثلاثاء، عقب صراع مع المرض، تاركًا للتاريخ الحكم على نحو ثلاثة عقود قضاها في السلطة، انتهت بتنحيته في ثورة شعبية عام 2011 أعقبتها سلسلة من الاتهامات والمحاكمات والبراءات.

وأعلنت الرئاسة المصرية الحداد لمدة ثلاثة أيام في البلاد، اعتبارا من الأربعاء، لوفاته. ونعاه الجيش المصري، قائلا “تنعى القيادة العامة للقوات المسلحة ابنا من أبنائها وقائدا من قادة حرب أكتوبر المجيدة”.

كما نعت دول عديدة الفقيد، أبرزها دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أصدرت وزارة شؤون الرئاسة بيانا نقلته وكالة أنباء الإمارات (وام) جاء فيه “بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره تنعى وزارة شؤون الرئاسة المغفور له محمد حسني مبارك الرئيس المصري الأسبق الذي انتقل إلى جوار ربه اليوم”.

وأضافت في البيان “لقد فقدت الأمة العربية اليوم قائدا بارزاً كرس حياته لخدمة وطنه وأمته العربية ورفعة شأنها عبر مواقف مشهودة من أجل تحقيق التضامن العربي ووهب حياته لنهضة جمهورية مصر العربية الشقيقة والدفاع عن قضاياها بكل صدق وأمانة وإخلاص”.

وأشادت بالجهود التي بذلها لعودة مصر إلى اللحمة العربية بعد انقطاع دام عدة سنوات، فضلا عن دوره في تعزيز دور مصر على الصعيدين العربي والدولي، وقررت تنكيس الأعلام ليوم واحد.

كأن مبارك أبى أن يرحل عن العالم قبل أن يكتمل عقد البراءات القانونية له ولأفراد أسرته، فقبل أربعة أيام فقط من الوفاة حصل نجلاه جمال وعلاء، على براءة نهائية في القضية الشهيرة المعروفة بالتلاعب في البورصة لتحقيق مكاسب خاصة، ما أغلق واحدة من القضايا المثيرة التي ظلت تلاحقهما طوال السنوات التسع الماضية.

وغادر مبارك، المولود في 4 مايو 1928 بكفر المصيلحة في محافظة المنوفية في دلتا مصر، الحكم بعد ثورة 25 يناير 2011، لكن لم تتغير الكثير من سياساته، حيث جرى إعادة إنتاج الكثير منها، على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وصاحب وفاته حنين شعبي جارف، تقديرا لتصوراته وتصرفاته، وتغيرت النظرة إليه من حاكم مستبد وفاسد إلى حكيم ومحنك، وحافظ على وحدة بلاده وعبر بها الكثير من الصعاب.

أعمدة الحكمة والبراءة

سعدالدين إبراهيم: في الالتفاف الشعبي بعد وفاة مبارك رد اعتبار لمسيرته
سعدالدين إبراهيم: في الالتفاف الشعبي بعد وفاة مبارك رد اعتبار لمسيرته

مثلت الوفاة دراما تشبه الأساطير الإغريقية أو الفرعونية، فالرجل الذي ثار عليه شعبه وصمم على رحيله عن الحكم يترحم على أيامه عند كل مشكلة تواجهه أو يستعصي حلها، أو تواجه بقرارات مُكلفة ومؤلمة أحيانًا، حتى باتت أي مناقشة للأوضاع الاقتصادية لا تخلو من تساؤلات حول كيفية إدارة حكوماته أمور الدولة دون رفع للدعم أو غلاء للأسعار.

مع ذلك لم يكن النظام السياسي الحالي بعيدًا عنه في المضمون النهائي، فبعد فترة طويلة من التردد، انحازت السلطة الحالية ضمنيًا لمبارك، على حساب ثورة 25 يناير 2011 التي أسقطته.

تمثل سيرة مبارك تعبيرًا عن تقلبات التاريخ، فبعد اعتباره بطلاً للحرب والسلام والتركيز على دوره كقائد للقوات الجوية في حرب أكتوبر 1973 ومساهمة أول ضربة جوية في فتح باب التقدم للجيش المصري لعبور قناة السويس باتجاه سيناء، لم يرد ذكره ولو على هامش أي احتفال رسمي لوسائل الإعلام المصرية الرسمية في ذكرى الحرب.

في الاحتفال مؤخرا بانسحاب آخر جندي إسرائيلي من سيناء عام 1982 وفقا لمعاهدة كامب ديفيد ما عدا مدينة طابا التي استردت لاحقا بالتحكيم الدولي، لم يرد أي ذكر لمبارك أو أدواره مع التركيز فقط على دور سلفه أنور السادات.

ربما كان مبارك يعرف جيدًا أن آراء الشعوب تتقلّب إزاء الأشخاص بعد رحيلهم باستمرار، فسجل تجربته المستقبلية مع الجماهير في آخر خطاباته الرسمية للمتظاهرين في ميدان التحرير في فبراير 2011، مردداً عبارته الشهيرة “سيحكم التاريخ لي وعلى غيري بما لنا أو علينا.. والوطن باق والأشخاص زائلون”.

على مدار السنوات التسع الماضية، طاردت الاتهامات أسرة مبارك لكن في النهاية تلقت إنصافًا من أحكام القضاء التي برّأت ساحتها براءة نجليه علاء وجمال مبارك في القضية المعروفة إعلامياً بالتلاعب في البورصة المصرية إبان صفقة بيع أحد البنوك المحلية، لتظل قضية تحويل أموال كانت مخصصة لصيانة القصور الرئاسية إلى منازل ومكاتب خاصة مملوكة للرئيس الأسبق وابنيه هي التهمة الوحيدة التي صدرت أحكام نهائية بالإدانة بشأنها.

تؤمن قطاعات عريضة من المصريين بأن مبارك ظل حاكمًا جيدًا حتى ظهور نجله جمال على الساحة في أمانة السياسات بالحزب الوطني المنحل التي ظهرت خلالها قرارات مثيرة للجدل، مثل التخلص من الشركات الحكومية بأسعار زهيدة، والتضييق على الأحزاب المعارضة، معتبرين أن دوره لم يكن سوى حاكم صوري لآخرين يديرون الأمور.

قال سعدالدين إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميركية، لـ“العرب”، إن “الالتفاف الشعبي حول وفاة مبارك يمثل ردّ اعتبار كبير لرحلته في الحكم التي شهدت في بداياتها حالة من الاستقرار، بخلاف أعوامها العشرة الأخيرة السيئة سياسياً”.

خيط رفيع

Thumbnail

ارتبط مبارك في بداية عهده بعلاقة خاصة مع المصريين عندما كان يقطع خطواته الأولى في عالم السياسة ونجح في إعادة عضوية مصر التي جُمدت في الجامعة العربية منذ اتفاقية كامب ديفيد وقدم نفسه كحليف موثوق للغرب ومقاوم لحركات إسلامية متشددة في البلاد، وقرّبَ من دوائره المحنكين واستطاع أن ينال رضا المواطنين بحديثه عن النزاهة والشفافية والتجرد في حكمه عن الأطماع، وردد عبارته الشهيرة “الكفن لا يتضمن جيوبًا”.

خلال سنوات ولايته الخامسة واجه انتقادات عنيفة بسبب جمود الحياة السياسية، خاصة بعد انتخابات مجلس الشعب في نوفمبر عام 2010 التي أسفرت عن انتخاب برلمان يسيطر عليه الحزب الوطني الحاكم بأغلبية كاسحة تزيد عن 90 في المئة، وشابتها اتهامات من أحزاب المعارضة بوجود تزوير ببعض اللجان لإنجاح رموز النظام حينها.

أضاف إبراهيم الذي تعرض للسجن ثلاث مرات إبان عصر مبارك، لـ“العرب”، أنه بعد فترة من نهاية أي نظام، يعود الجمهور لتقييمه في ضوء ما خلفه، وكما أُنصف الرئيس الراحل محمد أنور السادات بعد رحيله، الأمر نفسه يحدث مع مبارك الآن، حيث أعاد الاستقرار عقب حالة من الفوضى أعقبت اغتيال السادات، وكبح جماح الجماعات الإسلامية، مروراً باستقرار اقتصادي واجتماعي في عهده.

فتحت الأزمات المصيرية التي تمر بها مصر باب المقارنات المستمر بين تصرفات حكومات مبارك ومن جاؤوا بعدها، ففي خضم أزمة سد النهضة كانت مقاطع الفيديو التي تحدث فيها عن توعده بضرب أي سد إثيوبي بقاذفة “توبوليف” السوفييتية، أو في خضم قرارات رفع الأسعار كان حاضرًا بآراء قديمة يرفض فيها المساس بالقطاعات الفقيرة.

جمال مظلوم: إقامة جنازة عسكرية لمبارك أمر يليق بمسيرة الرجل
جمال مظلوم: إقامة جنازة عسكرية لمبارك أمر يليق بمسيرة الرجل

ظل مؤيدو مبارك يحسبون له عدم استماتته في التمسك بالسُلطة وتجنب توصيل الأمور إلى صدامات دموية مُسلحة، كما حدث في بعض الدول العربية خلال أحداث ثورات الربيع العربي، وتجنيب أي صدام داخلي بين مؤيديه ومعارضيه، ويحتكمون إلى تبرئته في قضية قتل المتظاهرين بعدما أكد القضاء المصري عدم وجود أدلة يقينية أو قرائن أو إشارات على مساهمته سواء بصورة أصلية أو تبعية في قتل أي متظاهر.

يؤمن الخبير العسكري اللواء جمال مظلوم بذلك، وأكّد لـ“العرب”، أن مصر شهدت في عهد مبارك استقرارًا، فلم تتورط في أي حروب، وتبنت سياسات خارجية متوازنة ما جعلها تحتل مكانة فاعلة في منطقة الشرق الأوسط وتحظى بتقدير من جميع الدول الكبرى.

وحافظت مصر في عهد مبارك على سياستها الخارجية التي تعطي الأولوية لعلاقتها مع الدول العربية والولايات المتحدة، لكنها انعزلت عن الساحة الأفريقية عقب محاولة اغتيال فاشلة تعرض لها في أديس أبابا في طريقه للمشاركة في حضور القمة الأفريقية عام 1995.

وأثار آخر حوار لحسني مبارك مع الإعلامية الكويتية فجر السعيد، المزيد من التعاطف الجماهيري معه بعدما تحدث عن سياساته الخارجية، ورأيه في صفقة القرن الذي جاء مواكبًا للموقف العربي الموحد، وذكرياته التاريخية التي من بينها تأكيده للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، أنه لن يوجد زعيم عربي يستطيع التنازل عن القدس، وأي محاولة فرض حلول غير عادلة في قضية الشرق الأوسط بسبب اختلال موازين القوى لن تجعل أي سلام أو تعاون دائما بل قد تفجر الأوضاع.

يحمل الكثيرون، من مؤيدي مبارك أو معارضيه، تقديرًا لتفضيله البقاء في بلاده وأن يدفن في ترابها وعدم لجوئه إلى الهروب للخارج، حتى أن مركبه الرئاسي في شرم الشيخ كان جاهزًا للإبحار به في المياه الدولية خلال أي من أيام الثورة الثمانية عشر لكنه فضل البقاء، ولا يشهد الإعلان عن تنظيم جنازة عسكرية لتشييعه اعتراضات من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي كما كان متوقعًا باعتبارها تتضمن تكريما له.

قال اللواء مظلوم، لـ“العرب”، إن “إقامة جنازة عسكرية لمبارك أمر يليق بمسيرة الرجل، في ظل التعاطف الشعبي معه وتقديره في بيانات نعي صادرة من غالبية المؤسسات المصرية، وحتى اختيار مسجد المشير طنطاوي كمكان لخروج جنازته يحمل دلالات حول التكريم”.

تمثل تجربة مبارك مصدر إلهام لمحافظته المنوفية الشهيرة بانضمام أعداد ضخمة من أبنائها للقوات المسلحة، لتكرار تجربته في الترقي عسكريا منذ التحاقه بالكلية الحربية وحصوله على بكالوريوس العلوم العسكرية. وتم تعيينه ضابطًا بسلاح المشاة، ثم التحق بالكلية الجوية وتخرج فيها وحصل على بكالوريوس علوم الطيران وتلقى دراسات عليا بأكاديمية “فرونز” العسكرية بالاتحاد السوفييتي وتدرج في الرتب العسكرية حتى تم تعيينه قائدًا للقوات الجوية قبيل حرب أكتوبر، ثم نائبا لرئيس الجمهورية.

يرى البعض من المراقبين أن عهد مبارك شهد التحول من النظام الاشتراكي إلى السوق الحر، وحقق نموا اقتصاديا غير مسبوق في آخر 5 أعوام من حكمه وصلت إلى 6.7 في المئة وهي النسبة التي تجاهد الحكومة حاليا في تحقيقها متخذة سلسلة من القرارات الاقتصادية الصعبة.

وتتزامن وفاة مبارك مع أدوار أكبر لرجال عصره على الساحة المصرية كخبراء يقدمون آراءهم وخبراتهم في الأزمات مثل الدكتور مفيد شهاب، وزير المجالس النيابية والشؤون القانونية الأسبق، الذي يقدم نصائحه في التعامل القانوني من سد النهضة، أو وزير الثقافة السابق فاروق حسني دائم الظهور في المناسبات الثقافية والفنية، لتعطي انطباعات بأنه كان رجلا يجيد اختيار من يحيطون به. وعندما تتعثر السياسة المصرية في بعض الملفات يخرج الترحم على أيام مبارك الذي كان يحيط به الأكفاء الذين يجدون حلا مناسبا لكل مشكلة.

Thumbnail
Thumbnail
Thumbnail
Thumbnail
Thumbnail
7