رحل مؤيد الراوي في المنفى وترك شعره لوطن محترق

الشعراء يغيبون لكن الشعر باق، بين سطوره ترتع أرواحهم وأناملهم، جراحهم وأفكارهم كلها حية قافزة في وجه الموت، ترفضه وتأبى أن تنساق معه إلى النسيان. شاعر آخر من جماعة كركوك يغادر فوضى هذا العالم تاركا روحه العاتية في نصوصه، حيث توفي الشاعر والخطاط العراقي مؤيد الراوي (1939 – 2015) في منفاه بمدينة برلين الألمانية، مساء الخميس، بعد أيام من وفاة صديقه الشاعر وليد جمعة، وبعد يومين فحسب، على صدور ديوانه "سرد المفرد" عن منشورات الجمل في بيروت. والراوي أحد أبرز أسماء جماعة كركوك، التي ذاع صيتها في ستينات القرن الماضي كجماعة أدبية تطرح على نفسها الحداثة مشروعا، والتزام التجديد والابتكار منهجا إبداعيا لا حياد عنه، ظل يرافق أعضاءها حتى بعد ان فرقتهم الجغرافيا والزمن. وقد ظل الشاعر ينحت قصيدته في النثر فاتحا آفاقا جديدة في كل مرة أمام قصائده وفي أذهان ومخيلات قرائه، وهو الذي عرف عنه من مجايليه أن "قصائده تمتاز بجديتها وتتمتع بطرافتها".
الاثنين 2015/10/12
شاعر خير العزلة والشعر على الشهرة الزائفة

لندن - “العرب” تنشر شهادات عن الشاعر العراقي الراحل مؤيد الراوي لشعراء سواء ممن جايله من جماعة كركوك أو ممن تأثر بشعره وارتبط به شاعرا وإنسانا.

مؤيد الراوي شاعر منتش بعزلته

باسـم فـرات

منذ سنوات وأنا أتابع الحالة الصحية للشاعر العراقي مؤيد الراوي عبر زوجته المخلصة فخرية البرزنجي، كانت حالته قلقة ولكن الزوجة المخلصة ورفيقة الدرب التي طالما حكت لي عن مؤيد الراوي الزوج والشاعر والمثقف الحسّاس والمزاجيّ، الشاعر الذي عرفته عبر جماعة كركوك الأثيرة والأقرب إلى ذائقتي الشعرية، ومؤيد الراوي -حسب ما قرأته- كان صاحب الحضور الواضح ضمن هذه الجماعة بكركوك في نهاية الخمسينات والستينات من القرن المنصرم.

حين انتقل شعراء جماعة كركوك إلى بغداد، كان الشعراء البغداديون والذين سبقوهم بالوصول إلى بغداد، يطلقون عليهم جماعة “التركمان” لم يكن مصطلح “جماعة كركوك” شائعا، وثمة مَن رفض المصطلح وادّعى أنه جدّ متأخر. إن السبب في إطلاق لقب “التركمان” على شعراء ألقاب بعضهم عربية، وآخرون أسماؤهم تدلّ على سريانيتهم، لأن مدينة كركوك كانت حتى الستينات من القرن العشرين بغالبية تركمانية، التركمان الذين أتى بهم المعتصم ثم تكاثروا بعد الغزو السلجوقي (سنة 1055 ميلادية)، لتتحول مدينة عربخا (كركوك) بمرور الوقت إلى مدينة بغالبية تركمانية بعد أن كان السريان والعرب قوام أهلها، وكان ريفها مصيفا لبني شيبان.

جماعة التركمان منها أنور الغساني وجليل القيسي وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي، والأخير من السادة الأشراف، عمّه من رجالات الثورة العربية الكبرى ومؤسسي الحكم الوطني في العراق، حسبما ذكرته لي زوجته السيدة فخرية البرزنجي، وكان سبب سؤالي أن شخصا من أدباء العراق وباحثيه، أخبرني بشيء من الاعتداد والغرور أن مؤيد الراوي تركماني، وزعم أن انتسابه إلى العرب ادّعاء، فاتصلت بزوجة الراحل وأبدت استهجانها لهذا الكلام، مؤكدة ما سمعته من مؤيد الراوي ومنها سابقا.

مؤيد الراوي الذي ناضل من أجل عراق يسع الجميع، حين تحدّث أحد أقرب المقربين إليه من الشعراء العراقيين غير العرب ضدّ العرب في العراق ومرددا جملة لا تليق بشاعر في مثل قامته أن يفكر بها لا أن يقولها، ألا وهي “العرب سبب خراب العراق فليخرجوا من وطننا” جاء ردّ الشاعر مؤيد الراوي بكل صلابة الماسك بجمرة مبادئه “أنا عربي” تأكيد الشاعر لعروبته في هذا الموقف يبرهن أن مؤيد الراوي المناضل اليساري المؤمن بحقوق الأقليات وحق الاختلاف والحفاظ على الخصوصيات الثقافية لفئات العراق جميعها، نضاله ضدّ التطرف والتعصب والإلغاء والإقصاء وكل أشكال التمييز والعنصرية.

كان مؤيّد الراوي من الشعراء المتفردين في جيل الستينات العراقي، وقبل وفاة سركون بولص بسنة تقريبا، كان الراوي محور حديثنا في مكالمة هاتفية استغرقت أكثر من ساعة ونصف، كنت في هيروشيما، وسركون بولص في مستقره الأميركيّ، نتحاور حول تجربة شاعر يعيش في برلين منذ أكثر من ربع قرن، وجدت سركون يدافع عن تجربة صديقه أمام كل سؤال يصدر مني، كنت أورد الأسئلة لأتعلم من شاعر أعتقد أن تجربته الشعرية هي الأقرب إلى ذائقتي، عبر سركون بولص علمت أن مؤيد الراوي لديه نتاج واضح لكنه غير منشور، وأن سركون بولص يلحّ عليه لنشره في كتاب، وتحقق هذا الأمر بعد مدة، إذ صدر الكتاب تحت عنوان “ممالك” عن دار الجمل.

الشاعر العراقي مؤيد الراوي من أهم شعراء الحداثة وقصيدة النثر العراقية عاش بعيدا عن الأضواء

بعد هذا الحديث مع سركون بولص، علمت من مؤيد الراوي نفسه، أنه يهتم بتنقيح القصيدة كثيرا، وقال لي بالحرف الواحد “إنني أكتب القصيدة مثل معمار، أدقّق في ما أكتب وأنقّح كثيرا، وبين فترة وأخرى أعود إليها لأحذف كلمة هنا وجملة هناك”.

ثمة أسماء لا تحبّ الأضواء، أو أنها لا تجيد التسويق لأنفسها، وبعضها بسبب عدم حضورها المستمر في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، حيث كان ذلك سببا رئيسيا لبقائها في الظلّ، وما يميز الشاعر الراحل أنه كان منتشٍ بعزلته، لا يحبّ الأضواء، ولا يجيد التسويق لنفسه، ولا يهمّه هذا الأمر أصلا، وعلى الرغم من أنه بدأ حياته صحفيّا، وعمل في بيروت في الصحافة الفلسطينية، وجاءت هجرته إلى ألمانيا (برلين) لأن النظام وضعه في قائمة الاغتيالات، وبنصيحة من ياسر عرفات حسب ما أخبرتني به زوجته، تركوا بيروت إلى ألمانيا (الشرقية)، ولم يعرف له نشاط بالصحافة، مثله مثل كثيرين ممن هاجروا إلى بلدان اللجوء، لا سيما والصحافة العربية كانت متركّزة في لندن وباريس، ثم تَركّزت بعد ذلك في لندن، وهذا عامل مساعد في تنائي عدد كبير من الشعراء والأدباء العراقيين عن الصحافة.

مؤيد الراوي، شاعر لا يغفل دوره، وجيله حسبما أعتقد هو الأهم في العراق، أكثر من خمسين شاعرا وناقدا وقاصّا وروائيّا لم يتوقفوا عن العطاء إلا مع الموت، معظم الأجيال التي جاءت بعدهم، نصف مبدعي الجيل، وهج إبداعهم يخفت بعد سن الأربعين ومعظمهم يكاد يصمت أو يتحول إلى الصحافة أو الوظيفة الأكاديمية وهو لم يبلغ الخمسين إن لم يكن لم يبلغ الأربعين، إلاّ جيل الستينات العراقي. الموت فقط أوقف تدفق إبداع سركون بولص وحسين عبداللطيف ومحمود جنداري وأنور الغساني والأب يوسف سعيد ويوسف الحيدري وجليل القيسي ومحيي الدين زنكَنة ووليد جمعة ومحمد الجزائري وسواهم، وأخيرا الشاعر مؤيد الراوي.

شاعر العزلة المتفرد

كاظم الشبلي

مؤيد الراوي شاعر ستيني خطير وفنان كلمات ومبدع سرد فائق القدرة، ولكننا للأسف لم نكن نعرفه، ولم يكتب عنه أحد، عراقيا، أو على الأقل لم يكن متاحا لنا أن نقرأ له خلال الثمانينات إلى زمن دخول الاحتلال والسبب كما يبدو أن مؤيد كان خارج السجل الرسمي للشعر والشعراء في زمن النظام السابق ومن المغضوب عليهم رغم أهميته كشاعر حداثي من طراز مميز وإنسان من نوع راق كما بدا لنا حين قرأنا له وعرفناه وهو مثل أغلب جماعته: جان دمو، وسركون بولص وغيرهما، كان قد هاجر مبكرا بعد أن حاول أن يقدم مجموعته الأولى “نزهة في غواصة” والتي رفضت من الرقابة فغادر إلى بيروت وبعد بضع سنين ظهرت مجموعته “احتمالات الوضوح” 1974. وهو الديوان الذي أثبت فيه مؤيد الراوي أنه واحد من أهم شعراء قصيدة النثر في العراق وفي العالم العربي، وكان له تأثير مهمّ في أن يكون للقصيدة النثرية مسار جاد ومرموق، وهذا رأي الشاعر سعدي يوسف وهو رأي صائب تماما.

شاعر ذو خيال ساحر وروح عظيمة عاشقة للإنسان والحب والسلام

وإن لمؤيد أعمالا سردية مهمة هي “زيارة لينين” و”المكان الأول”، وهي أعمال مهمة حقا أبدع فيها إبداعا تنويريا مدهشا كأنه مسافر شديد الملاحظة وكثير الدهشة أتمنى أن أراها وهي في أيدي شعرائنا ومثقفينا اليافعين لأنها دروس لطيفة وعميقة.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود ظهرت مجموعته الأخيرة “ممالك”، والصادرة عن دار الجمل عام 2010، والتي أتيح لي أن أقرأ بعض نصوصها الطويلة نسبيا لأرى أن هناك شاعرا كبيرا لا يكترث كثيرا بالشهرة، ولكنه بالتأكيد شاعر مبدع ذو خيال ساحر وروح عظيمة عاشقة للإنسان والحب والسلام وصاحب عوالم ساحرة ومدهشة والرجل عراقي إلى حدّ النخاع عالي الأنسنة، ومجرّد قراءة أولية لنصوصه لا تعطينا ما يكفي لفهم تغريدات هذا المهاجر القديم، ورغم طول نصوصه التي تكاد تقترب من الروح الملحمية، إلا أن مؤيد لم يكن يحبّ الهذر والمفردة الزائدة.

مؤيد الراوي شاعر مهمّ أهمل كثيرا، وهذا ظلم محض، فهل نستطيع أن ننصفه بعد رحيله؟ أتمنى ذلك…

ممالك الرجل الحيّ

صلاح حيثاني

لا يمكن لكركوك أن تكتمل في الذاكرة دون أن نستدعي مؤيد الراوي.

لقد كان شيئا شبيها بسرّة المدينة، تنحدر أنهارها إلى بيته وتنهض فيه صيحات جنود قدامى، من أرابخا وسومر وأكد. هكذا كان يريد لنفسه أن يكون محاطا بأسلافه وممسكا بلحى أجداده كما كتب الراحل سركون بولص.

في العراق لم يكن ممكنا التعرّف على جماعة كركوك على نحو يجعلهم في مواجهتنا، كان جان دمو والبقية الباقية من الجماعة في العراق تمسك بهم حتى لا ينفرطوا من الذاكرة، ولكن بمعزل عن الأحاديث الشحيحة هذه لم يكن توفّر نصوصهم أمرا سهلا كما يعتقد البعض، فسركون بولص مثلا لم يصدر مجموعته الأولى “الوصول إلى مدينة أين” إلا عام 1985، ولم يكن الراوي على حدّ علمي مهتما بإصدار نصوصه، أما صلاح فائق فقد كان يتقلّب في عزلته، وكأنه يمعن في تخفيه حتى لا تحاصره جهة أو مكان. ويمكننا أن نقول الأمر ذاته عن الغساني وإلى حدّ ما جليل حيدر والأب يوسف سعيد.

عرفت مؤيد الراوي ومشروعه من خلال مجلة فراديس في عدد خصّصه الناشر لجيل الستينات، وعرّج فيه على جماعة كركوك، وكأنه كان في محاولة جادة لإعادة اكتشافهم وتركيزهم في الذاكرة الثقافية.

لا يمكن أن أنسى ذلك العدد الذي نشرت فيه مجموعة من صور مؤيد وهو في أوضاع يومية أخّاذة، ومن ثم التعليق الذي أورده كاتب المقال “مؤيد الراوي في يوم لا ينقصه الكسل” وكان يبدو بشعره الكثّ المشعّث وسيجارته التي توشك أن تحفر أخدودا في لحم أصابعه وملامحه الحادة، وكأنه عائد من غزوة أو من بلاد بعيدة.

كانت “ممالك” مؤيد الصادرة عن دار الجمل هي ما جعلنا نتعرّف على منطقته ورهاناته الشعرية بعد أن قرأنا عنه عرّابا للنقد بوجه عام والنقد التشكيلي على وجه الخصوص، ورساما ورجلا يشير ببراعة إلى مكامن القوة في التجارب على اختلافها وتنوعها.

من الموجع أن يرحل وفي قلبه وروحه أشياء لم تكتمل بعد، ربما كانت تركض به خيول الذاكرة إلى العراق، وربما كان يعكف ساعات على استعادة تفاصيل كثيرة لم يسعفه الوقت على تحقيقها.

الراوي شكل مع سركون بولص وصلاح فائق وفاضل العزاوي وآخرين مدرسة كركوك الشعرية

بين برلين وكركوك ترقد ممالك الراوي، ممالك تعبر به إليه في يوم لا تنقصه الحياة.

صيحة مؤيد الراوي شبه الأخيرة


أحمد خلف

ينتسب الراحل الكبير الشاعر مؤيد الراوي إلى الصفحات الأولى من دفاتر الحداثة الشعرية العراقية التي تشكلت روحها الحية في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي، لذلك أرى أن من يريد أن يتعرف على مؤيد عن كثب كما حاولت عشرات المرات في ما مضى وحتى الآن، هو اللجوء إلى قراءة قصائده ودراستها والتمعن في جوهر كلماتها الصادمة.

كان مؤيد بما يمتاز به من كاريزما واضحة المعالم وشخصية ذات مواصفات مثيرة للآخر من حيث القامة المثالية بين الطول المحبب والقصر المثالي، لهذا كنا نراه نموذجا من نماذجنا المرتقبة كانت المقولة الشائعة في تلك الحقبة الستينية تقول بضرورة تغيير العالم، وكنا نعتقد أن هذا الجيل قادر على فعل التغيير، وأن مؤيد الراوي بحضوره الخلاق مع آخرين كأنور الغساني مثلا سوف يتمّ على يديه فعل التغيير.

قصائد مؤيد الراوي ظلت على قلتها في حينه هي المفتاح للغور عميقا في شخصيته المثالية، وبعد رحيله عن العراق في النصف الأول من السبعينات فوجئنا بإحدى المجلات العربية، ربما الكرمل أو مواقف، تنشر له إحدى أهم قصائده المدهشة “طلقة للعراق الذي نحبه”، لا لأن هذه القصيدة قد رسمت بحضورها الأخاذ ما عليه قصائد الشعراء العراقيين المنفيين، من قوة وتجاوز صريح بل ومواجهة لكل أشكال الطغيان آنذاك، بل ويمكن لقصيدة مؤيد هذه أن تظل شاهدا على سقوط السلطة الجائرة في طيات لعنة النسيان بينما يشمخ مؤيد الراوي وبقية زملائه في الصفحات الأولى من تاريخ البلد الذي خصص له مؤيد طلقة لكي يريحه من عذاب مستديم.

كان مؤيد يمثل نزوعا شخصانيا يماثل بالنسبة إلى الشبيبة العراقية المبدعة آنذاك اكتفاء ذاتيا يعوضها عن حضور أولئك الشعراء والمبدعين الأجانب. قد حاول العديد من الشعراء الشباب تقليد شعراء لهم حضورهم القوي في الساحة العراقية آنذاك، وكانت شخصية الراوي من أبرز هؤلاء الشعراء الذين أصبحوا نموذجا للذين جاؤوا من بعدهم خصوصا من شعراء المنفى، ولعله كان مسكونا بالحنين أثناء سنواته الأخيرة في منفاه الإجباري، حنين إلى تلك الرفقة النادرة من مبدعي مدينته الخالدة كركوك، ومن أبرز الأصدقاء سركون بولص وصلاح فائق وفاضل العزاوي وأنور الغساني والروائي الكبير جليل القيسي.

15