رحمة الله عليك يا "بوخلف"

الأحد 2014/11/23

لا تصدق أي شخص يقول أو يكتب أن محمد خلف المزروعي “بوخلف” كان صديقه هو أكثر من غيره. فبغض النظر عن سنوات معرفة أي شخص لـ”بوخلف” سواء كانت عشرات السنوات أو سنة أو حتى أياما فهو يشعر أنه صديق “بوخلف” وأنه يهتم به وأنه المفضل لديه.

الحقيقة أن كل شخص يعرفه “بوخلف” وبغض النظر عن جنسيته أو جنسه أو دينه ومذهبه فهو مكرم ومحترم وعزيز وغال عنده. عندما تلتقي به وتشاهده يتعامل مع الكل بعدالة ومساواة في الوقت نفسه، تستغرب من أين لهذه الشخصية كل هذا الحب والاحترام للناس بدءًا من الشخص الذي يقدم للضيوف القهوة في مجلسه العامر إلى أكبر شخصية في العالم.

نعم هناك عفوية في تعامله ولهذا يكون الاستغراب أكبر لأن الإنسان يستطيع أن يتصنع لفترة محددة مهما كان ماهراً لكن العفوية تكشفه، لذلك كل من تعامل مع “بوخلف” يعلم أن ما أكتب هنا خالٍ من أيّ مبالغات وهو حقيقة. كنت دائماً أختم رسائلي النصية له “أنت الرجل المفضل للجميع لأنك مختلف، ليت هناك مثلك عشرة رجال فقط”، وكما هي عادته هو لا يرد على المجاملات لأنه لا يُحب أن يمدحه أحد ولا حتى أن يشكره فهو عندما يتعامل معك ويستجيب لطلب لديك أو شكوى هو لا يؤمن أنه فعل أي شيء يستحق الشكر عليه.

نعم حتى أنا أعتبر “بوخلف” صديقا وأخا، فالصديق هو من يصدقني القول والفعل وهو الذي لم أسمع منه كلمة إلا وكانت في محلها وحقيقة وما لجأت إليه يوما أشكو له من موقف أو من تصرف شخص إلا وقال وفعل ما قال مع أنه لا يقدم أيّ وعود عندما يتحدث معك إلا أن كل كلمة يقولها تصدق فعلاً. وهو الأخ الذي يُمارس دور الأب الحامي السند المدافع والمشجع فهو كان لي ولغيري السند وكان هو أول من يأتي في ذهني إن أردت أن أسأله عن رأيه في أمر يخص العمل.

وما كانت معرفتي به إلا من خلال العمل عندما شاركت في تحليل شخصيات الشعراء وقراءة لغة الجسد لديهم مباشرة على المسرح وكان ذلك في الموسم الخامس من برنامج شاعر المليون. والحقيقة أنني وعلى الرغم من ثقتي في معرفتي في تخصصي كنت مترددة من فكرة قراءة لغة الجسد مباشرة من المسرح، لكنني أتذكر عندما صافحته يوم انعقاد المؤتمر الصحفي وكانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها، سألته باستغراب “ألا تعتقد أن فقرة التحليل النفسي ستكون غريبة وربما غير مقبولة هنا”، رد مبتسماً “أنتِ من سيُغير الفكرة لدى الناس” وذهب تاركاً كمّا من المشاعر المتناقضة من شعور جميل لثقته بي وخوف وتردد وتحد لعمل شيء أول مرة يحدث في العالم كله تحليل شخصيات الشعراء وقراءة لغة الجسد وهم يلقون قصائدهم على المسرح وكل هذا يُنقل إلى كل العالم مباشرة على الهواء. فقط إيمانه بقدراتي في التخصص جعلني أحترم وأُقدر هذه الشخصية. حتى بعد انتهاء الموسم الخامس ذهبت لزيارته مع الصديق والأخ الأستاذ سلطان العميمي في مجلسه واستغربت عندما طلب مني أن اشكر سلطان لأنه هو من رشحني وسلطان يبتسم بخجل ويُصر على أن “بوخلف” هو من رشحني للمشاركة في الفقرة النفسية حتى علمت لاحقاً أنه بطبيعة شخصيته لا يحب أن يُشكر على أي شيء يقوم به بل حتى أنه كان قليل الظهور إعلامياً يحرص فقط على تبني المواهب ويُظهرها في الإعلام وأعرف منهم الكثير ما كان ليعرفهم الناس لولا “بوخلف”.

عندما تتحدث مع “بوخلف” رجل المهام الكثيرة والمسؤوليات الصعبة ويعلم من خلال الحديث أنك ستكون متواجدا في أبوظبي اليوم التالي ويطلب منك أن تمرّ عليه في المجلس لا تتوقع أن يكون جاداً لأنه حتماً لن يجلس في انتظار شخص دعاه للزيارة من باب المجاملة، لكن ما حدث معي كان غريبا ولا أعتقد أنه كان سيحدث لو كان الموقف مع شخص آخر. فبينما كنت في طريقي إلى دبي بعد محاضرة ألقيتها على طلاب أكاديمية الشعر اتصلت بالمرحوم “بوخلف” أستفسر عن أمر ما، وعندما علم أنني كنت في العاصمة سألني لماذا لم أعرج عليهم في المجلس فقلت له بأنني سأتواجد اليوم التالي أيضا وسوف أحرص على المرور وإلقاء التحية، وبعفوية مني أخذت الأمر بشكل جدي وتوجهت إلى منزله في اليوم التالي وفي الطريق خطر لي أنه ربما يكون مشغولاً والأفضل أن أتأكد وبالفعل كان متواجداً حينها في مجلس سمو الشيخ محمد بن زايد وعندما علم أنني في الطريق للقائه طلب مني أن أذهب وأنتظره وأن سلطان العميمي سيكون هناك، وعندما اعتذرت لأنه مشغول أصرّ، وبالفعل وصل بعد وصولي بعشر دقائق. لا أعرف أحداً يمكن أن يفعل ذلك خاصة إذا كان في مجلس الشيخ محمد بن زايد وخاصة أن الطرف الآخر هو شخص يقدم خدمات في تخصصه في برنامج تلفزيوني لا أكثر. هذا التصرف منه والذي عكس لي مقدار احترامه لي كشخص وكامرأة زاد من إيماني به أنه مختلف عمّن قابلت.

مجلس “بوخلف” لا يفرق بين غني وفقير وكبير وصغير ولا بين دكتور وعامل ولا حتى بين امرأة ورجل، الكل هناك يُعامل كشخص له كينونة وقدرات تختلف عن الآخر. “بوخلف” كان يؤمن بقدرات المرأة ويُشجعها ويدعمها معنوياً بل إنه كان يفتخر بالمرأة الإماراتية عندما يكتشف أن لديها قدرات علمية ومهنية.

عندما تكون في حضرة المرحوم “بوخلف” لا يسعك إلا أن تقع في الغرام مع تفاصيل مكونات شخصيته المعطاءة الحنونة الأبوية، كان يتواصل مع كل شخص على أنه شخص مهم ولا يعلوه آخر أهمية، كان يتحدث معه بنظراته قبل كلماته، كان يتعامل مع الكل بعفوية أخوية تشعرك أنك تعرفها منذ عقود.

آلمني خبر وفاته المفاجئ كما هو الحال مع كل من يعرفه إلا أنني تألمت أكثر عندما قرأت تغريدة الصديق والأخ الشاعر رعد بندر يقول فيها: “الصدمة ليست بموتك.. الموت مشيئة الله، الصدمة في أننا لن نراك بعد الآن”. هل يُعقل أننا لن نراه بعد اليوم! وكيف ستكون أمسيات شاعر المليون في المستقبل من غير وجوده! وهل يُعقل أنه تعمد عدم الحضور في برنامج شاعر المليون إلا 3 مرات خلال الموسم 6، هل تعمّد ذلك ليُعوّد الناس على حضور المواسم القادمة من دون وجوده.

رحمة الله عليك “بوخلف”، فمنذ يوم 13 نوفمبر هناك شيء ما لن يكون كما كان، هناك شيء تغير في حياة من يحبونك، لكنني أتفق مع الشاعر رعد بندر “الصدمة الحقيقية في أننا لن نراك بعد الآن”.

6