رحمة بالعقل

من أسوأ عمليات التخريب العقلي تلك التي يمارسها بعض من يعدون أنفسهم رجال دين، إذ لا حدود للأوهام التي يقولون بها.
السبت 2018/07/07
دور تخريبي (لوحة: سعد يكن)

تصلني مثل الملايين من البشر، رسائل إلكترونية وبرامج مصورة، تقتحم جهاز هاتفي الخاص، من دون أن أكون قد طلبتها أو مهدت لتسلمها، أو أفصحت عن رغبة في أن أستمع إلى ما يقال فيها، أو أن أرى ما تتضمنه مشاهدها المصورة.

وطالما عمدت إلى الإسراع في مسح كثير منها، وقد أنبه من أعرف من مرسليها إلى ما فيها من خلط ووهم واختلاق وكذب، لكن ماذا يعني مثل هذا التنبيه وهي تصل إلى الآخرين من دون أي وازع علمي أو أخلاقي، وهم بدورهم وبدوافع عديدة ومختلفة، لا ريب في أن حسن النية يقترن ببعض هذه الدوافع، يبادرون في إيصالها إلى كثيرين من معارفهم أيضا.

ومما يفاقم من الدور التخريبي لهذا النشاط الفوضوي، إن غير واحد ممن ألتقي بهم، وبخاصة ممن يبدون حماسة في نشر ما يصلهم من معلومات مضللة يتبنون ما يرد فيها وتدخل عقولهم من دون حواجز معرفية، فتزداد خرابا.

لا شك في أن الكثير من هذه الرسائل وما تتضمنه من معلومات، صحيحة ومفيدة، لكن هذا الصحيح والمفيد، يكاد يضيع في زحمة ما هو خطأ وكذب وملفق، وكلنا يعرف أن ما يردنا من رسائل، يشمل جميع مجالات حياتنا، في التاريخ والطب والدين والطبيعة والسياسة، وغيرها.

لذا وبتأثير هذه الرسائل، صار بعض من نعرفهم يتحدثون بثقة وبنبرة خطابية حاسمة، عن كل هذه المعارف بعد أن خربت عقولهم فيتصرفون بأستاذية مفتعلة، لتخريب عقول الآخرين، ممن لا يتوفرون على خطوط معرفة دفاعية.

ومن أسوأ عمليات التخريب العقلي تلك التي يمارسها بعض من يعدون أنفسهم رجال دين، إذ لا حدود للأوهام التي يقولون بها، ولأنهم يتناقلونها من دون ضوابط عقلية، لا يسع من يستمع إليها بشيء من الوعي والإدراك السليم، إلاّ أن يصرخ قائلا: رحمة بالعقل أيها المغيبون عن كل ما يمت للعقل والمنطق بصلة.

وعلى سبيل المثال، كان أحد هؤلاء يروي حكاية، لا أشك في أنه استمع إليها أو قرأها في كتاب، من دون أن يحكم على صدقيتها عقليا، حيث يقول: كان أحد الأئمة، من دون أن يسميه أو يحدد مكانه وعصره، يستقبل من هم بحاجة إلى رأي أو إيضاح أو فتوى، وكان يحدث كل واحد منهم بلغته، مهما كانت لغته، وحين أبدى أحد مريديه، تعجبه من اللغات التي كان يتحدث بها ذلك الإمام، فما كان منه إلاّ أن التقط حصاة وبللها بلعابه ثم وضعها على لسان ذلك المريد، وإذا به يتحدث سبعين لغة!

ولم يذكر المتحدث اسم هذا المريد ولا المدينة التي عاش فيها، ولا اللغات التي عرفها بفعل الحصاة المبللة بلعاب الإمام، ولم يذكر بعض من تحدث معهم بلغاته السبعين وبماذا تحدث ومتى وأين؟ ومن المعروف أن شخصا يتكلم ثلاث لغات محلية لا غير، يتحول إلى ظاهرة، فيكتب ويروى عنه، ويؤرخ له.

ولم تذكر كتب الأقدمين ولا كتب المتأخرين شخصا في أي مكان وفي أي عصر، حتى كتب الأساطير، كان يتكلم سبعين لغة، وإذا كان الأمر بكل هذا اليسر، وبمجرد وضع حصاة مبللة بلعاب الإمام على لسان شخص، فسيتكلم سبعين لغة، فلماذا خص الإمام الذي لم يقل لنا المتحدث من هو، بهذه المعجزة شخصا واحدا، ولم يوزع بركته هذه على غيره من المريدين؟

ولو فعل ذلك، لتغيرت الخارطة اللغوية في العالم يومذاك، ولورث عالمنا المعاصر تلك الخارطة اللغوية في متغيراتها. لا أدري إن كان الشخص الذي روى هذه الحكاية، قد صدقها، وأشك في أن الذين استمعوا إليه قد صدقوها، وليس من قول يمكن أن يوجه إلى هذا الشخص وأمثاله، سوى قولنا، رحمة بالعقل، رحمة بالعقل.

14