رحمة منتصر حائكة الصورة في السينما المصرية

المونتيرة رحمة منتصر تنتمي إلى جيل المونتيرات الرائدات في السينما المصرية ولا تتخيل حياتها من دون هذا الفن الذي أحبته وأعطته بأقصى ما يمليه عليها هذا الحب.
الخميس 2020/01/16
فنانة تتفاعل بحساسية مع أعمالها

ارتبط اسمها بأبرز الأفلام التسجيلية والروائية المصرية لمخرجين من أجيال مختلفة، ولا تزال تواصل عملها أستاذة في المعهد العالي للسينما بأكاديمية الفنون في القاهرة بعد أن كانت من أوائل خرّيجيه الذين برز منهم مخرجون شكلوا تيار الواقعية الجديدة في بدايات الثمانينات، ومنهم خيري بشارة وداود عبدالسيد وعلي بدرخان، وقد تخرج الثلاثة عام 1967.

 المونتيرة المصرية القديرة رحمة منتصر التي يكرمها مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة في دورته الرابعة مطلع فبراير القادم، تنتمي إلى جيل المونتيرات الرائدات في السينما المصرية، ولسبب ربما يخص الالتزام بالصرامة الحَرْفية للتعريب، يسمّى “المونتاج” في المغرب “التوليف”. في المغرب أيضا يتخفّفون من همزة القطع الساكنة، ويستبدلون بها همزة وصل، فيطيرون بالحرف منزوع الرأس عاليا إلى نغمة الجواب، هكذا “لا باس”، “ياتِيكم بضياء”، “ويامُرون الناس”، “لكيلا تاسَوْا على ما فاتكم”. وفقا لهذا القياس يكون “مولّف الفيلم”، وهو المونتير، أقرب عمليا إلى “مؤلف الفيلم”؛ فهو آخر من يتعامل مع المادة المصورة، ليصوغ في الشريط النهائي رؤية المخرج.

إبداع القطع والوصل

بمشاهدة الأفلام يمكن التفرقة بين مولّف حِرَفي مهمته تركيب مشاهد الفيلم وتنفيذ السيناريو، ومونتير فنان يتفاعل بحساسية مع الفيلم، ويصنع له إيقاعا يخلّصه من أي شيء يعوق تدفقه، فلا تتلكأ العين في المشهد الواحد، ولا تتعثر في مطبّات بصرية بين مشهد وآخر.

من مدرسة المونتاج جاء اثنان من رواد الإخراج في السينما المصرية، هما صلاح أبوسيف وكمال الشيخ، وكلاهما عمل مونتيرا قبل التفرغ للإخراج. ومنحتهما سنوات المونتاج قدرة، ولعلها جرأة، على الاستغناء عما يمكن، أو ما يجب، أن يُستغنى عنه، وأن يكون الفيلم “مشدودا” خاليا من الترهل، محققا درجة توتّر عالية لا تنتهي مع كلمة “النهاية”. أما كمال أبوالعلا فآثر التفرغ للمونتاج، اكتفى به ولم يتخذه جسرا إلى الإخراج.

مدرسة رحمة منتصر الفنية الراقية تضم كبار مخرجي السينما المصرية، مثل صلاح أبوسيف وكمال الشيخ، وكلاهما عمل مونتيرا قبل اللإخراج. غير أن أبرز من عملت معه كان الراحل شادي عبدالسلام.
مدرسة رحمة منتصر الفنية الراقية تضم كبار مخرجي السينما المصرية، مثل صلاح أبوسيف وكمال الشيخ، وكلاهما عمل مونتيرا قبل اللإخراج. غير أن أبرز من عملت معه كان الراحل شادي عبدالسلام.

وإلى مدرسة الإخلاص للمونتاج تنتمي منتصر التي عملت مونتيرا مساعدا لأبوالعلا في عدة أفلام أبرزها “المومياء” لشادي عبدالسلام؛ وقامت بمونتاج معظم الأفلام التسجيلية لعبدالسلام وأفلام لمخرجين آخرين، قبل أن يرتبط اسمها لدى مشاهدي الأفلام الروائية الطويلة بمونتاج ستة أفلام روائية طويلة تستقر في الذاكرة، وتحتفظ بمكانة تترسخ مع الوقت ضمن كلاسيكيات السينما المصرية، وهي: “يوم مرّ.. يوم حلو” و”إشارة مرور”، وكلاهما لخيري بشارة، و”سرقات صيفية” ليسري نصرالله، و”شحاتين ونبلاء” لأسماء البكري، و”البحث عن سيد مرزوق” لداود عبدالسيد، و”المواطن مصري” لصلاح أبوسيف.

 بعد مونتاج نحو 25 عملا تسجيليا يليق بطموحها وذائقتها، جاء اختيار رحمة منتصر للمشاركة في مونتاج أفلام روائية طويلة، مختارة بعناية، قليلة العدد عالية القيمة الفنية؛ فلا يُرضي المعتز بمقعد “الأستاذ” إلا تجربة فيلم يستهويه، شُغْل غَناوة، تلبية لروح الهواية، واستفزازا لقدرات الخيال الحرّ، وليس التنفيذ النصّي لمناهج الاحتراف.

 بمنطق الهواية، وغواية اللعب، يمكن أن نرى فيلمي “يوم مرّ.. يوم حلو” و”إشارة مرور”، من خلال مونتاج منتصر. كلا الفيلمين قصة قصيرة طالت قليلا إلى زمن الفيلم الطويل. يتمتع بشارة بروح كاتب قصة قصيرة، يقتنص اللحظة، وتتجاوب رحمة منتصر مع هذه الروح المشاغبة، بتقطيع المشهد ولو قصيرا إلى لقطات بانورامية ومتوسطة ومقربة. ويستمتع المخرج باللعبة، ثقة منه بأن فنانة المونتاج أشبه بلاعب سيرك تبدو حركاته عفوية، ولكنها محسوبة بدقة، بوصول اللاعب معلقا في الهواء بالضبط حين تكون الحلقة مارة أمام يديه، فيتلقفها وإلا يقع ويدق عنقه. وهذا التقطيع يمنح المشهد إيقاعا لاهثا، فيه رشاقة وإشباع معا.

في فيلم “إشارة مرور” تحدٍّ آخر، فالأحداث تقع في ليلة واحدة، حول ميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، والبطولة جماعية تناسب زحام منطقة “وسط البلد”، حين يتعطل المرور وتتوقف حركة السير، انتظارا لمرور موكب رسمي، فيلتقي مواطنون من طبقات وخلفيات مختلفة ما كان لهم أن يلتقوا إلا في مثل هذا الظرف القاهر.

اسمها يرتبط لدى مشاهدي الأفلام الروائية الطويلة بمونتاج ستة أفلام كبيرة تستقر في الذاكرة ضمن كلاسيكيات السينما المصرية
اسمها يرتبط لدى مشاهدي الأفلام الروائية الطويلة بمونتاج ستة أفلام كبيرة تستقر في الذاكرة ضمن كلاسيكيات السينما المصرية

في هذا الميدان تتوازى وتتقاطع خطوات لاعبيْ سيرك، موظف يصدم سيارة آخر قبل توقف الحركة، ممرضة تحلم بالشهرة كمطربة، عامل بناء تتعثر خطوبته لفتاة فقيرة أبوها رجل المرور المغلوب على أمره في الميدان، ضابط شرطة كبير قليل الحيلة يطالب المتذمرين من تعطيل المرور بالصبر، شاب يكلف بحمل قنبلة لاستهداف الموكب فتنفجر في منزل عجوز وحفيدتها، فتاة ليل تقدمت بها السن ولا يأبه لها أحد، رجل أعمال يتبرم من خسارته لتوقف حركة المرور وتتصارع عليه زوجته وعشيقته، عازف ترومبيت وحيد تنتهي علاقته بامرأة بائسة في حياتها الزوجية فتودعه متوجهة إلى المطار، مدرس كبير السن لا يهنأ بمولوده لعجزه عن الوصول بزوجته الموشكة على الولادة إلى مستشفى ثم تلد في الميدان، طالب جامعي يعجب ببائعة في محل فيتزوجان وليس معه مال إلا ما يشتري به حزمة من الصحف يفترشانها على سطح بناية. كل هذه التفاصيل على خلفية مباراة لكرة القدم يذيعها التلفزيون، ويتابعها مواطنون في قهوة شعبية، مع الممرضة والعامل الشهم الذي تمكن من إنقاذ المدرس اليائس حين أشعل النار في نفسه. وفي القهوة يلحق بهم رجل الأعمال الحائر، برفقة الضابط الكبير. بضع ساعات مزدحمة بالحياة، تزخر بشجارات، إنهاء علاقات حميمة وبدء أخرى، فكّ خطوبة وفراق وزواج وولادة، فقراء ينجذبون إلى أشباههم، والثروة دائما تمشي بمحاذاة السلطة وفي حمايتها وكلاهما تفيد الأخرى. تفاصيل كثيرة تكفي لإغراق الفيلم وتشتيت المشاهد، ولكن المونتاج المتوازي، بحيوية وإشباع، يجيد تقديم كل شخصية بإيجاز، بملامحها النفسية والجسدية، بما كانته وما صارت إليه.

الأستاذة والمومياء

الجيل الأول من فناني المونتاج لم ينل حظه من التعليم الجامعي، أكسبتهم التجارب العملية خبرة عوّضت عدم انتظامهم في دراسة أكاديمية، على العكس من الجيل الذي حظي بمثل هذه الدراسة، ومن رموزه أحمد متولي وعادل منير، وإلى هذا الجيل تنتمي منتصر التي تخرجت في المعهد العالي للسينما بالقاهرة “قسم المونتاج” عام 1965، الذي لا تزال تشرف على ورشة المونتاج فيه، وعلى مشاريع تخرج الطلبة منذ أواخر الستينات حتى الآن. كما قامت بتدريس المونتاج بمعهد التلفزيون وقصر السينما والمركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة.التقت منتصر مع زوجها مهندس الديكور صلاح مرعي في عدد من الأعمال التسجيلية الروائية ومنها فيلم “المومياء”، وكانت مونتيرة مساعدة في الفيلم، وكان مرعي مهندسا للديكور ومصمما لمناظره، وفي الفيلمين التسجيليين “آفاق”، و”كرسي توت عنخ آمون الذهبي”، وكلاهما من إخراج عبدالسلام أيضا.

قامت بمونتاج الفيلم الروائي “إشارة مرور” الذي كان فيه مرعي مشرفا على الملابس وتصميم المناظر، كما أدى في الفيلم دورا قصيرا، جسد فيه شخصية طبيب في مستشفى يرفض استقبال المرأة الموشكة على الولادة. وقامت منتصر بمونتاج الفيلم التسجيلي الطويل “آفاق 96” ، وهو العمل الوحيد الذي أخرجه مرعي. ويوثق الفيلم بدايات سمبوزيوم أسوان الدولي للنحت.

منمنمات منتصر تتجلى في الفيلم التسجيلي القصير “القاهرة 1830” لسمير عوف، وفيه تغني الموسيقى عن التعليق الصوتي، في نسغ فني مع لقطات متمهلة تستعرض لوحات مستشرق إنجليزي عن القاهرة في ثلاثينات القرن التاسع عشر. اللقطات في الفيلم أشبه بفرشاة فنان تشكيلي، تبدو عفوية ولكن بينها تناغما، من مآذن تصافح السحاب، وحارات مزدحمة بأرباب حرف وباعة ومارة، ومصلين في المساجد ينتهون من الصلاة فيلتفّون حول دروس العلم، والمراكب الفقيرة في النيل، وكتبة الشكاوى للمساكين الأميين، والجمال المحجوب وراء المشربيات، وجوقة العازفين لراقصتين في مشهد يعتمد ليس على تقطيع الجملة، بل تقسيم الكلمة إلى حروف، وكل حرف ينطق بمعنى ويشير إلى دلالة، من لقطة للجسد الكامل للراقصتين تتحاوران بالتمايل واختبار الليونة، إلى لقطة تالية للقدم اليسرى مرفوعة الكعب وتستند بتماسّ خفيف على الأصابع، كأنها على وشك الطيران، ثم صعودا إلى أرداف تضبط إيقاع الجسد، وصولا إلى الأذرع الرهيفة الدالة على تحرر الروح.

هكذا تكلمت رحمة

رحمة منتصر تشرف على ورش العمل في المعهد العالي للسينما اليوم، بعد أن خرجت نخبة من نجوم صناعة السينما. "في الصورة منتصر مع زوجها مهندس الديكور الشهير صلاح مرعي"
رحمة منتصر تشرف على ورش العمل في المعهد العالي للسينما اليوم، بعد أن خرجت نخبة من نجوم صناعة السينما. "في الصورة منتصر مع زوجها مهندس الديكور الشهير صلاح مرعي"

لا تُعنى منتصر، في ما يبدو، بأن يكون لديها قائمة تزدحم بالأفلام الروائية الطويلة، فهي قادمة من نبع آخر يزخر بالإشباع الفني، ذلك الذي تمثله الأفلام التسجيلية. وتزامن عملها الأكاديمي مع الاشتراك في أفلام تؤرخ لجوانب من التاريخ المصري. ففي عام 1966 عينت معيدة بالمعهد العالي للسينما، وكانت مع زميلتها منى الصبان أول دفعة يتم تعيينها في المعهد بقسم المونتاج، وقامت بوضع المناهج الأساسية لهذا القسم، وواصلت دراستها فحصلت على دبلوم معهد السينما في لندن، ومنذ عام 1972 إلى الآن تواصل التدريس في قسم المونتاج، فتتعهد الطلبة منذ التحاقهم بالمعهد وتنتقل معهم سنة بعد أخرى حتى السنة الرابعة، ويتخرج على يديها كل أربع سنوات دفعة، جيل واعد من فناني المونتاج. وقد خرّجت أول دفعة في المعهد أواسط السبعينات ومنها المخرجون هاني لاشين وعمر عبدالعزيز ومحمد أبوسيف ويوسف أبوسيف، ومدير التصوير محسن أحمد.  أول سؤال يمكن أن يوجه إلى منتصر، يخص قضية الكثرة العددية والندرة لمن يعمل في الفنون عموما، وبالنسبة إليها تحديدا. في الفنون يُسأل دائما عن النوع، الكيف، لا الكم الذي ربما يكون ركاما لا يضيف. فماذا تقول؟ترى منتصر أن من يجمع بين العمل الإبداعي والعمل الأكاديمي، ويرى ثمرة عمله تتمثل في فناني مونتاج متميزين بعد التدريس لهم طوال أربع سنوات، لا بد أن يجيد انتقاء الأفلام التي ستحمل اسمه. تقول “منذ وقت مبكر عملتُ مساعدة للمونتير الكبير سعيد الشيخ في أربعة أفلام أحببتها (الخائنة) لكمال الشيخ، و(خان الخليلي) لعاطف سالم، و(القاهرة 30) و(الزوجة الثانية)، وكلاهما لأبوسيف. ولا أنظر إلى الأفلام أو أتعامل معها كعمل تجاري، وإنما أختار الأعمال المتميزة فنيا، وهذا يفسر القلة العددية للأفلام الروائية الطويلة التي قمت بعمل المونتاج لها. وتتميز الأفلام التسجيلية أيضا بالجودة، وخصوصا في تكوين شريط الصوت واستخدام الموسيقى والمؤثرات الصوتية وكافة العناصر التي تمنح الفيلم شخصيته”.

وتضيف منتصر “أحببت مونتاج الأفلام التسجيلية التي تصور الفنون التشكيلية، فمن خلال المونتاج يتاح لي متابعة جوانب من هذه الفنون، حيث يتعانق فن العمارة بشموخه، والنحت بصلابته، مع رهافة فن الباليه”. ومن الأفلام التسجيلية القصيرة التي تحتفي بالفن التشكيلي، قامت منتصر بعمل المونتاج لـ”منمنمات تركية” إخراج هاشم النحاس، و”بيكار” إخراج محمد فاضل، و”إنجي” وأخرجه محمد شعبان عن الفنانة المصرية إنجي أفلاطون، ويستعرض جوانب من حياتها ونشاطها السياسي وأعمالها الفنية.

وإذا كانت بدايات عمل رحمة منتصر في المونتاج بأفلام تسجيلية قصيرة، فإن السنوات الأخيرة شهدت مشاركتها في تجربة فنية مختلفة، مع الفيلم التسجيلي الطويل “وقائع الزمن الضائع.. محمد بيومي” الذي قدمه المخرج محمد كامل القليوبي مطلع التسعينات، في استعادة فنية وإنسانية لمحمد بيومي الرائد الأول للسينما المصرية، وهو أول مصري يقف خلف كاميرا ليسجل جانبا من الحياة الاجتماعية والسياسية.

ترى منتصر أن المونتير هو أول ناقد للفيلم. وبعين النقد أيضا تنظر الآن وراءها بكثير من الرضا، عن خمسين عاما مع الخيال، وربما لا تتخيل حياتها من دون هذا الفن الذي أحبته، وأعطته بأقصى ما يمليه عليها هذا الحب.

12