رحم الله أيام الاستعمار

الثلاثاء 2015/03/03

يروى عن الحجاج بن يوسف الثقفي، حين حضرته الوفاة، أنه نادى ولده وأوصاه بالوصية الأخيرة قائلا له “لقد أثخنت أهل العراق بالجراح، فلم أدع نفسا نظرت لي بسوء إلا وسلبتها من صاحبها، وما سرت في طريق إلا وتركت خلفي أرملة وثكلى وقتلى، فإن وافتني المنية، فسر بنعشي بطريق مستقيم إلى المقبرة، فإن صادفت منزلا فاهدمه، وإن اعترضك مسقى فاردمه وهكذا.

مات الحجاج فنفذ الولد وصية أبيه وسار بالجنازة في خط مستقيم حتى هدم مساكن ومساجد وردم مساقي وترعات، فصرخ الناس وهاجوا وماجوا وقالوا بصوت واحد “رحم الله الحجاج من ولده”.

كان الحجاج بن يوسف قد أوصى ابنه بذلك حتى يترحم عليه الناس، إذ كان واثقا أن أحدا منهم لن يطلب له الرحمة لظلمه وبطشه فأراد أن يذيقهم ظلم ولده وبطشه، فيترحموا عليه وعلى أيامه الأقل ظلما وبطشا.

اختلف الفقهاء والرواة في هذه الحكاية وصحتها، فمنهم من قال “ليس هو من فعلها”، بل هو الخليفة عبدالملك بن مروان، ومنهم من أكدها وقال “بل هو الفاعل والقاتل ” والله أعلم!

اسمها الدكتورة لميس جابر وهي كاتبة وأديبة مصرية وزوجة للفنان يحي الفخراني، وقبل ذلك هي طبيبة، وكذلك زوجها، وكانت إبان دراستها الجامعية يسارية واشتراكية وطليعية، تشربت من أفكار المد القومي والناصري في الستينات، فكرهت الإنكليز والباشوات والملك والأحزاب المصرية، قبل ثورة 23 يوليو 1952، حتى أنها تقول إنها كرهت النحاس باشا الذي كان رئيسا لوزراء مصر من عام 1950 حتى 1952 واعتبرته “عميلا للإنكليز وخائنا للوطن والشعب”، وحين توفي عام 1965 كرهت حتى الذين ساروا في جنازته ولم يكن عددهم، بسبب نظام الحكم الناصري، يزيد على أصابع اليد الواحدة.

دارت الأيام، وتكشفت الحقائق، ونضجت العقول واتسعت المدارك، فتحولت الطبيبة السابقة إلى كاتبة وأديبة نهلت من الكتب وقرأت المراجع وأدركت أسرار السياسة، فكتبت مسلسل الملك فاروق الذي كشف جوانب إيجابية لم تكن قد رأتها في شبابها ونضالها وعنفوانها، وكذلك رأت أن النحاس باشا هو رجل “وطني أحب بلده وعمل لها بإخلاص ونقاء ضمير” حتى وافاه الأجل، وبعد أن كانت تكرهه وتلعن الإنكليز والباشوات والملك والأحزاب، صارت ترى فيهم إخلاصا وصفاء وذمة لم ترها في هذا الجيل الحالي المليء “بالأخوان وداعش والقاعدة وحزب الله وجند القدس والحوثية وملالي إيران والقرضاوي”، إلى آخره.

كان الأباء والأجداد في تونس والجزائر والمغرب يهتفون في شوارع بلدانهم قبل عقود ضد الاستعمار الفرنسي المجرم، والأباء والأجداد في ليبيا يهتفون ضد الاستعمار الإيطالي البغيض، والأباء والأجداد في الخليج يهتفون ضد الاستعمار البريطاني الكريه، وكذلك أباء وأجداد لبنان وسوريا وفلسطين والسودان ومصر والجنوب المحتل في اليمن، ليخرج المستعمر من كل هذه الأقطار قاطبة من الباب ويدخل علينا من الشباك، استعمار بغيض وكريه ومجرم من نوع آخر، إنه استعمار من “أهلنا ومن أصلابنا ومن ذريتنا” ، فجاء أسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي والقرضاوي والظواهري وبديع وصفوت حجازي..

رحم الله استعمار إنكلترا وفرنسا وإيطاليا عن استعمار أهلنا وناسنا.

24