رحم الله الشيخ.. فما زالت المصاحف على أسنة الرماح..

الأحد 2014/01/05

في الصراع التاريخي السياسي على السلطة (الخلافة) بين علي بن أبي طالب ومناوئيه، مثل الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ومعاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهم أجمعين، قامت معارك كثيرة لعل أشهرها معركتا الجمل عام 36هـ، بين علي من جهة وطلحة والزبير وعائشة من جهة أخرى، ومعركة صفين عام 37هـ بين علي من جهة ومعاوية بن أبي سفيان من جهة أخرى. كان النصر في معركة الجمل حاسما لعلي بن أبي طالب، أما معركة صفين فكانت سجالا وكادت تنتهي بالنصر الحاسم لعلي لولا أن تفتق ذهن داهية العرب عمرو بن العاص، مستشار معاوية بن أبي سفيان، عن فكرة في غاية الدهاء ألا وهي الدعوة إلى تحكيم كتاب الله فيما شجر بين الطرفين المسلمين من نزاع، فكان أن رُفعت المصاحف على أسنّة الرماح من قبل جيش معاوية، وساد الهرج والمرج في جيش علي، الذي كان يعلم علم اليقين أن في المسألة خدعة وليس الأمر كما كان يبدو عليه من تقى وورع، ولكنه اضطر إلى الخنوع وقبول التحكيم والتحاكم إلى كتاب الله، الذي هو أعلم به، حيث كان جل جيش علي من الثائرين على الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان، والذين كانوا في جلهم من القراء (حفظة القرآن) الذين “اسودت جباههم من السجود”، والذين في النهاية أرغموا عليا على القبول بالتحكيم رغم علمه بأنه خدعة.

انتهى التحكيم بخسارة علي وانقسام جيشه، حيث انشق عنه ذات الذين أرغموه على القبول به، وأصبحوا يُعرفون تاريخيا بالخوارج، وفُتحت جبهة معارضة جديدة ضد علي كان مضطرا لقتالها بالإضافة إلى جيش معاوية وأهل الشام، حتى اغتيل على يد أحدهم (عبدالرحمن بن ملجم) عام 40هـ، وبعدها بحوالي الستة أشهر، استتب الأمر لمعاوية بن أبي سفيان خليفة للمسلمين، بعد أن تنازل له الحسن بن علي عنها فيما عُرف بعام الجماعة.

منذ لحظة رفع المصاحف على أسنّة الرماح، نستطيع القول إن الدين قد دخل رسميا بصفته عاملا حاسما في الصراع السياسي بين الفرقاء، يستخدمه هذا أو ذاك أو كلاهما كورقة قوية رابحة من أوراق اللعبة السياسية، التي تبقى في جوهرها لعبة GAME هدفها السلطة في الأول والآخر، وسواء سُميت هذه السلطة خلافة أو ملكاً أو إمارة أو رئاسة، فالتسميات تتعدد وتتنوع وفق مراحل التاريخ، فيما يبقى الجوهر واحدا، وهنا تكمن مشكلة رئيسة من مشكلات السياسة على مر العصور والدهور، حين ينشغل الناس بالاسم ويتركون الجسد، أو لنقل حين ينشغلون بالقشر والظاهر ويتركون اللب والمضمون.

صحيح أن توظيف العامل الديني في تاريخنا قد بدأ يطل برأسه على استحياء بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، ولكنه ولج ساحة السياسة في تاريخنا بزخم قوي بعد حادثة رفع المصاحف على أسنّة الرماح وما تلاها من مناورات سياسية على رأسها مسألة التحكيم. منذ تلك اللحظة، وإلى هذه اللحظة، تحول الدين في حياتنا إلى ما يشبه الكرة التي تتقاذفها الفرق لتسجيل أهداف ليس فيها الدين إلا وسيلة في أغلب الأحيان، ولا نقول كل الأحيان. وسواء كنا نتحدث عن الفرقاء المتنازعين والمنتمين إلى نفس الدين، أو عن الفريق الفائز بثمرة السلطة السياسية، فإن الدين كان هو الأكثر استخداما في تاريخنا السياسي، سواء لإضفاء الشرعية على نظام سياسي قائم، أو لتبرير حركة تهدف إلى اقتلاع مثل هذا النظام، ويجري ذلك حتى مع أشد الأنظمة ادعاء وزعما بالعلمانية والمدنية والبعد عن تسييس الدين، وما صدّام وبشار والقذافي وغيرهم عن ذاكرتنا ببعيد.

وفي هذا المجال، يبدو، بل هو الأرجح، أن التاريخ ساكن لا يتحرك في ديارنا، والزمن في حالة شلل في مرابعنا، إذ لا يبدو أن هنالك فرقا كبيرا بين لحظة راهنة ولحظة ولّت منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، ولكنها لا زالت جاثمة على القلوب والأنفس والأنفاس لا تريد أن تريم، أو أننا لا نريد لها أن تريم لأسباب يطول الحديث عنها. فمن الإخوان المسلمين وحركات الإسلام المؤدلج في مصر وليبيا وسوريا والعراق واليمن والمغرب العربي والسعودية ودول الخليج، الكل يرفع اليوم المصاحف على أسنّة الرماح، أو على فوهات المدافع أو رؤوس الصواريخ، فقد تغيرت الآليات ولم تتغير المصاحف التي يتمحك بها الكل، وهي في غالب الأحيان من الكل براء. فالإخوان في مصر وغيرها، والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وجبهة النصرة في سوريا، والقاعدة في اليمن والسعودية والمغرب العربي، كلها اليوم ترفع المصاحف على أسنّة الرماح، وكأن صفّين لم تنتهي بعد، أو أن عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري لا زالا من الأحياء، وهما كذلك بشكل من الأشكال.

والمسألة ليست متعلقة بالمعارضين والمقاتلين و”المجاهدين” من هؤلاء، بل إن ذات الكرة، أي العامل الديني، يتقاذفها أيضا أصحاب السلطة والقابضين على مقاليد الحكم، والقرآن في النهاية حمّال أوجه، والنص في الخاتمة قابل للتفسير والتأويل بالشيء وضده معا، ويبقى الخيار في النهاية خيارا بشريا، مهما حاول البعض إضفاء قداسة شكلية عليه، فلا قداسة إلا لذات النص، أما ما يطرأ عليه من تفسير وتأويل وتوظيف وليّ عنق دليل هنا أو عنق دليل آخر هناك، فإنه يبقى جهدا بشريا تحكمه الأهواء والمصالح والبيئة والغايات والانتماءات القبلية والطائفية والمناطقية المختلفة ومراحل التاريخ.

وكمثل على ذلك تصريحات نوري المالكي الأخيرة حول المواجهات في الأنبار وغرب العراق من أنها في حقيقتها استمرار للصراع بين أنصار الحسين وأنصار يزيد، وأن الحسين لم يمت وكذلك يزيد. كل مشكلات ومعضلات العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي كتب عنها عالم الاجتماع العراقي الكبير الدكتور علي الوردي رحمه الله عشرات المجلدات، لم تعد إلا صورة من صور الصراع المستمر بين الحسين ويزيد في نظر نوري المالكي، الذي يتحدث وهو يرتدي أفخر ما أنتجته دور الأزياء العالمية من لباس، ويضع أفخر أنواع العطور الفرنسية وغير الفرنسية، ويحمل أرقى الشهادات العلمية الحديثة، ولكنه في أعماقه لا يزال يعيش أيام صفّين وكربلاء و”يا لثارات الحسين”.

ليس نوري المالكي إلا مثلا يُضرب هنا، وإلا فإن الكل “في الهوا سوا” من هذه الناحية، والكل إنما يستخدم لغة الماضي وأحداث الماضي من أجل أمور لا علاقة لها بدين أو مبدأ، وإنما هي لعاعة دنيا يستنكرونها لفظا ويتكالبون عليها عملا، وما العامة من الناس في النهاية إلا وقود لنار صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل، يُثار باسمهم، ويُحكم لأجلهم، وهم وحدهم في النهاية من يكتوي بجحيمه ويتلظى بسعيره، فيما تطير الغربان بأرزاقها غير حافلة بالعصافير المسغبة الحواصل.

حين أرى هذا المشهد الدموي في عالم “يعرب بن يشجب”، وهو المبتلى بلعبة سياسية مدنسة في أعماقها، مقدسة في تبريرها، يطوف في ذهني الشيخ علي عبدالرازق (1888-1966) رحمه الله، وكتيبه صغير الحجم ” الإسلام وأصول الحكم “، الصادر في طبعته الأولى عام 1925. والشيخ علي عبدالرازق عالم أزهري نال شهادة ” العالمية ” الأزهرية، وهي ما يعادل شهادة الدكتوراه، وكان قاضيا شرعيا، بالإضافة إلى أنه نال تعليما إضافيا في جامعة أكسفورد البريطانية. كتب الشيخ عبدالرازق كتابه هذا بعد إعلان الجمهورية التركية الجديدة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك إلغاء الخلافة العثمانية، بل وإلغاء النظام الخليفي السلطاني برمته، عام 1924، وبداية تنافس ملوك وسلاطين العرب والعجم على الحصول على لقب ” الخليفة” بعد سقوط آل عثمان، وكان من بينهم ملك مصر آنذاك الملك فؤاد الأول (1868-1936). والحقيقة التاريخية تقول إن الخلافة قد سقطت واقعيا قبل ذلك بقرون، وما إلغاء أتاتورك لها إلا تحصيل حاصل، ومجرد التوقيع على شهادة وفاتها. فالخلافة لم يعد لها وجود حقيقي منذ نهاية العصر الذهبي للخلافة العباسية، أي منذ بداية عصر الخليفة العباسي المتوكل تقريبا، وسقطت فعليا مع سقوط بغداد بيد التتار (656هـ، 1258م)، لولا أن بعث اسمها المماليك في مصر بعد ذلك، دون أن يكون لها أي أثر فعلي. أما دولة آل عثمان، فكانت سلطنة، أو إمبراطورية متعددة الإثنيات، وكان حكامها يعرفون بالسلاطين، حتى قالوا بالخلافة قبل مئتي سنة من سقوطهم فقط، ولم يكن للدولة العثمانية إلا اسم الدولة منذ القرن التاسع عشر (رجل أوروبا المريض)، وإلا فإن كل حاكم أو وال من ولاة آل عثمان كان مطلق السلطة في ولايته، ولم يكن ” للخليفة ” من دور إلا دور المباركة الذي لا يعني شيئا، فالقوة كانت هي فصل الخطاب.

كتب الشيخ كتابه هذا لقطع الطريق على المتلاعبين بالدين من أجل أغراض سياسية، وفي مقدمتهم الملك فؤاد الأول الذي كان لا يُتقن اللغة العربية تماما، ولا يعرف من الدين إلا أقل القليل، مبينا، وبأدلة شرعية من الكتاب والسنة، أن الإسلام دين وليس نظاما سياسيا محددا، وما الخلافة إلا خيار بشري اختاره المسلمون عقب وفاة النبي ضمن خيارات أخرى، بمثل ما أن القيصرية والكسروية خيارات شعوب أخرى، وهو ما تبدى واضحا في مناقشات سقيفة بني ساعدة بين المهاجرين والأنصار.

ووفقاً للشيخ علي عبدالرازق فإن الدين الإسلامي: “لا يمنع نشوء أي نوع من أنواع الحكم في أي بلد من بلاد الله، شرط أن لا يتعدى حدود ما أنزل الله: من دفع إلى الخير والتسامي بالحب والتسامح والحرية المشروطة بالتشاور” (الإسلام وأصول الحكم، دار مكتبة الحياة، 1978، ص 179). نعم الإسلام يحدد الإطار العام من المبادئ، ولكنه لا يدخل في التفاصيل، المتغيرة وفق ظروف الزمان والمكان، ولا يحددها، وما الخلافة وغيرها من تفاصيل سادت في عهد من العهود، إلا خيارات بشرية فرضتها ظروف تاريخية معينة، وليست ملزمة بوصفها جزءا من جسد الدين. بإيجاز العبارة، وكما أفهم من كتاب الشيخ، فإن العلة تكمن في الخلط بين الدين وتاريخ الدين المتخم بتوظيف الدين، وهذه هي علة العلل في تاريخ العرب والمسلمين. بطبيعة الحال عوقب الشيخ بعد كتابه هذا عقابا سياسيا، غلّف بغلاف ديني، فسحب منه الأزهر شهادة العالمية، بتوجيه من “السراي” الملكي، وعزل من القضاء الشرعي، وألقوا به في غياهب النسيان، رغم أنه مجتهد على الأقل، ولكل مجتهد نصيب كما يُقال، ولكن يبدو أنه نصيب أسود لمن يخوض في مثل هذه الأمور، حتى وإن كان شيخا شهد له الأزهر بالعالمية.

وفي النهاية، وفي مثل هذه الظروف التي يعيشها عالم لا يريد أن يتخلى عن أوهامه المغلّفة بقداسة مصطنعة، لا أجد أفضل من قول الشيخ نبراسا في هذا المجال: “التمس بين دفتي المصحف الكريم أثرا ظاهرا أو خفيا لما يريدون أن يعتقدوا من صفة سياسية للدين الإسلامي، ثم التمس ذلك الأثر مبلغ جهدك بين أحاديث النبي، صلى الله عليه وسلم، تلك منابع الدين الصافية في متناول يديك، وعلى كثب منك، فالتمس منها دليلا أو شبه دليل، فإنك لن تجد عليها برهانا، إلا ظنا، وإن الظن لا يُغني عن الحق شيئا” (صـ 151). نعم.. فالظن لا يغني عن الحق شيئاً.. ولن يُغني عنه شيئا..

6