رحم الله المزروعي مثالا ونموذجا

السبت 2014/11/15

لا يمكن أن تكون الكتابة عن رحيل محمد خلف المزروعي مجرد أداء واجب عزاء ننصرف بعده إلى شؤوننا، فالرجل أعطى ما يستحق تخليد ذكراه بإطلاق اسمه على أحد المشروعات الذي أسسه أو شارك في تأسيسه، أو إطلاق جائزة باسمه في مجال الثقافة والتراث، أو إطلاق مشروع ثقافي أو تراثي كبير باسمه، فالرجل لم يكن مجرد مثقف مستنير أو مسؤول كبير شكّل على مدار سنوات طويلة مصدر اعتزاز كل من تعاملوا معه، بل كان مثالا ونموذجا للعطاء والإخلاص والتفاني في خدمة وطنه قيادة وشعبا.

رحم الله محمد خلف المزروعي مستشار الثقافة والتراث بديوان ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، لقد نزل خبر رحيله المفاجئ إثر حادثة كصاعقة على القلب، فقد كان رجلا نبيلا خلوقا متواضعا، يحظى باحترام وتقدير وحب كل من يلتقيه ويتحدث معه، لم يكن يشغله شيء قدر انشغاله بالوطن، لذا كان جديرا أن يمثل الشخصية الوطنية والثقافية الإماراتية المستنيرة، الشديدة الإخلاص والتفاني والعطاء والولاء لكل ما من شأنه ترسيخ الثقافة والتراث الإماراتيين محليا، ومد تأثيرهما إقليميا وعالميا، تاريخه يعد سجلا حافلا بالعمل الوطني، كان له دور بارز في إدارة شركة أبوظبي للإعلام أثناء ترؤسه لإدارتها، ثم في تأسيس هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، هذه الهيئة التي حققت في عهده حضورا ثقافيا عربيا وعالميا باهرا، بفضل نجاح مشروعاتها كبرنامج شاعر المليون وأمير الشعراء، وأكاديمية الشعر العربي، وهي أول أكاديمية متخصصة في المنطقة تُعنى بدراسات الشعر الفصيح والنبطي وتاريخ الموروث الخليجي، ومهرجان أبوظبي السينمائي الدولي، مهرجان ووماد الفني الدولي، و”كلمة” وهو مشرع ترجمة للكتب والأعمال العالمية للغة العربية، ومشروع قلم ويُعني برعاية المواهب الإماراتية الشابة، مهرجان الظفرة لمزاينة الإبل، مهرجان الظفرة لمزاينة الرطب وغيرها، كما كان له دور كبير في تسجيل مهارات النسيج التقليدية المعروفة لديها باسم “السدو” في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي العالمي.

وأخيرا بعد دمج هيئة أبوظبي للثقافة والتراث مع السياحة ليطلق عليها هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، كان أن شكّل لجنة إدارة المهرجانات والبرامج التراثية في أبوظبي كمنصة ثقافية إماراتية وخليجية تحتضن المهرجانات التراثية الأكثر حضورا محليا وتأثيرا إقليميا وعالميا، واستطاع منذ تأسيسها تطوير المهرجانات التي تقع في إطار مسؤولياتها، ونقلها من مهرجانات تشتغل على الخصوصية الثقافية والتراثية للمجتمع الإماراتي، إلى مهرجانات تشترك فيها خصوصيات ثقافية وتراثية عربية وعالمية، ليخرج تراث الإمارات حاملا معه تراث الخليج كله من دائرة المحلية إلى العالمية.

كان نجاح المزروعي وتألق كل المشروعات التي فكر بها وسعى لتنفيذها وعمل عليها في مختلف المسؤوليات، يكمن في معرفته قدر ودور الثقافة والتراث في تشكيل نسيج هذه الأمة العربية خاصة في جانبها الخليجي، وأن حماية الوطن تاريخه وحضارته وخصوصيته واستقراره وسلامه لن تكون دون الاعتماد عليهما -الثقافة والتراث- ليس فقط في تنشئة أجيال واعية وفاعلة ومخلصة لثقافة وتراث أوطانها، بل في غرس الوطنية والولاء.

إن سياسة المزروعي انطلقت من ركائز وطنية ومعرفية، سعى من خلالها إلى ترسيخ الحوار بين أبناء الإمارات، وفتح الأبواب لهم للمشاركة والتفاعل والحوار بين بعضهم البعض، وبينهم وبين أشقائهم في دول الخليج العربي، والعمل على خلق بيئة تثريهم معرفيا وتراثيا وثقافيا وإنسانيا، فمشروعات مثل كلمة أو أكاديمية الشعر أو مهرجان أبوظبي السينمائي وغيرها، لم تكن مجرد مشروعات ومهرجانات للنخبة والخاصة فقط، بل لعامة المواطنين من أبناء الإمارات والخليج أيضا.

إن ما يخفف فقده الأليم أنه ترك مشروعات ومهرجانات ثقافية كبرى يعمل فيها كتيبة من أشقائه وأبنائه الذين أخذوا من روحه الخلاقة والمعطاء الشيء الكثير، وإنني لآمل أن يستمروا في مواصلة رسالته الوطنية في رفعة الثقافة الإماراتية.


كاتب مصري

8