رحى تصفية الحسابات تطحن أركان حكومة السراج

وفاة غامضة لرئيس جهاز المخابرات في طرابلس تسلط الضوء على حجم الصراعات داخل ميليشيات حكومة الوفاق على النفوذ والسلطة.
الاثنين 2020/05/11
السراج بلا إرادة أمام سطوة ميليشيات طرابلس

تونس – أخرج الإعلان عن وفاة عبدالقادر التهامي، رئيس جهاز مخابرات حكومة الوفاق الليبية برئاسة فايز السراج، الخلافات المُتفاقمة بين أركان هذه الحكومة والميليشيات والتنظيمات الإرهابية التي تنضوي تحت عباءتها، إلى دائرة صراع الولاءات، لترسم ملامح مرحلة جديدة تتدحرج بسرعة نحو تصفيات دموية تُغذيها تركيا التي تسعى إلى إحكام سيطرتها على مُجمل مفاصل الحياة السياسية في طرابلس، بتقاطعاتها العسكرية المُتشابكة.

وقطع المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، الصمت الذي لازمه منذ الإعلان يوم السبت عن وفاة رئيس جهاز المخابرات بنعي وزعه الأحد، زعم فيه أن الوفاة ناتجة عن إصابته بـ”أزمة قلبية مفاجئة”، لافتا في بيان له إلى أن التهامي “… تحمل المسؤولية في فترة من أصعب الفترات التي يمر بها الوطن”.

كمال المرعاش: تصفية التهامي تندرج ضمن صراع النفوذ بين الميليشيات
كمال المرعاش: تصفية التهامي تندرج ضمن صراع النفوذ بين الميليشيات

لكن هذا النعي الذي جاء مُقتضبا، لم يُبدد الغموض الذي أحاط بهذه الوفاة، بل على العكس من ذلك ساهم في ارتفاع وتيرة التكهنات حول خفايا هذه الوفاة وملابساتها وسط جملة من الافتراضات التي حملت رسائل قابلة للتأويل في اتجاهات مُتعددة، لاسيما وأن المُتوفّى كان عنصرا فاعلا في معادلة صراع الأجندات داخل أركان حكومة السراج وخارجها، في علاقة بالمشروع التركي في المنطقة.

وتضاربت الأنباء حول أسباب تلك الوفاة، حيث أشارت مصادر ليبية مُتطابقة إلى أن التهامي قُتل بعد يومين من خطفه من قبل ميليشيات “النواصي”، مُرجحة بذلك تصفيته جسديا.

وفي هذا السياق لم يتردد الناشط السياسي الليبي، كمال المرعاش في اتصال هاتفي مع “العرب”، في القول “إن تصفية التهامي تندرج ضمن صراع النفوذ بين الميليشيات المُسيطرة على المؤسسات السيادية المالية والرقابية والأمنية في العاصمة طرابلس”.

واعتبر أن هذه التصفيات “تحدث عندما تكون هناك خلافات حول ملفات الفساد والنهب، وهي طريقة تُشبه إلى حد بعيد ممارسات عصابات المافيا عندما تختلف على صفقات معينة أو تعتدي إحداها على مناطق نفوذ الأخرى”.

وفي المقابل، لا يستبعد المراقبون أن تكون تصفية التهامي مُرتبطة بأهداف وغايات ليست بعيدة عن النزاعات والصراعات التي فرضتها أجندات تركيا داخل حكومة الوفاق، والميليشيات الموالية لها، وذلك بالنظر إلى دوره في تصاعد وتيرة الخلافات بين السراج ووزير الداخلية فتحي باشاغا.

وفي هذا الصدد يشيرون إلى أن عملية التصفية جاءت فيما احتدم الصراع الذي اتخذ عناوين مُختلفة منها بالأساس إغراق العاصمة بميليشيات مدينة مصراتة التي ينتمي إليها فتحي باشاغا، تنفيذا لخطة المخابرات التركية التي لا تثق في ميليشيات طرابلس، وخاصة منها تلك التي ترفض محاولات الأتراك السيطرة على العاصمة.

وتزامن ذلك الصراع مع تبادل الاتهامات التي وصلت إلى حد التشكيك في ولاء بعض الميليشيات لحكومة الوفاق، حيث سبق أن وجه باشاغا اتهامات لميليشيات طرابلس، وخاصة منها كتيبة “النواصي” التابعة لـ “قوة حماية طرابلس” بـ”استغلال النفوذ والابتزاز والتآمر على وزارة الداخلية، واختراق جهاز المخابرات، واستخدامه ضد مؤسسات الدولة”.

وترافقت تلك الاتهامات مع تواتر تقارير من داخل طرابلس تُشير إلى أن حكومة السراج باتت تعتقد أن هناك عناصر داخل الميليشيات المحسوبة عليها، داعمة للجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، وتمده بمعطيات مخابراتية عن تمركزات الأتراك والمرتزقة السوريين، وهو ما تؤكده الضربات المركزة التي نفذها الجيش الليبي ضد المواقع العسكرية التركية في محيط ووسط العاصمة طرابلس.

ضحية صراع محموم على النفوذ
ضحية صراع محموم على النفوذ

وعلى وقع هذه التطورات، تذهب بعض القراءات الأخرى إلى القول إن تصفية التهامي في هذا التوقيت بالذات ليست بريئة، ولا معزولة عن سياق الترتيبات الجارية التي تريد تركيا فرضها على المشهد الليبي، والتي يتولى رسمها رئيس جهاز مخابراتها هاكان فيدان الذي يُعتقد أنه موجود حاليا في طرابلس التي وصل إليها قبل أيام قليلة لمتابعة تطورات الأوضاع هناك.

وكان لافتا أنه منذ الكشف عن وصول رئيس جهاز المخابرات التركية إلى طرابلس، تتالت التقارير التي تتحدث عن تصفيات جسدية لعدد من أفراد الميليشيات، ترافقت مع تزايد تصفية الحسابات الشخصية، والسياسية، الأمر الذي أسْهم في بروز سلسلة من التقديرات التي لا تستثني تورط تركيا في هذه التصفيات بهدف خلق توازنات جديدة لصالح الميليشيات الموالية لها.

1