رحيـل رجـل نـذر حياتـه لأفريقيـا وفقرائهــا

السبت 2013/08/17
29 عاماً قضاها السميط وهو ينشر الإسلام في القارة السمراء

الكويت – لفقيد الكويت والأمة العربية الإسلامية الدكتور عبدالرحمن السميط سيرة ذاتية بحجم سجلّ، ومسار يعسر اختصاره في صفحات. ولد في الكويت عام 1947، وتعلم في مدارسها حتى المرحلة الثانوية، ثم انتقل عام 1972 للدراسة الجامعية في بغداد حيث حصل على باكالوريوس الطب والجراحة، وشدّ الرحال بعد ذلك إلى ليفربول حيث نال دبلوم أمراض المناطق الحارة، ومنها إلى كندا للتخصص في أمراض الجهاز الهضمي والأمراض الباطنية. والملاحظ هنا أن الفقيد السميط كان يعطي الانطباع بأنه يعدّ نفسه وتخصصاته العلمية لأفريقيا بأمراضها وعللها وأسقامها.

وبعد مزاولته الطب في مستشفى كلية الملوك في لندن بين عامي 1979 و1980، عاد السميط إلى مسقط رأسه ليعمل طبيبا متخصصا في أمراض الجهاز الهضمي في الكويت من 1980 إلى 1983. لكنه منذ 1983 تفرغ للعمل الخيري التطوعي من خلال تأسيسه جمعية مسلمي أفريقيا التابعة للجنة النجاة الخيرية، التي تحول اسمها لاحقا إلى جمعية العون المباشر.

ارتبط السميط بأفريقيا وهامَ بها، وكانت دوافعه في ذلك متعددة، تمثل الدافع الأول في إيمانه بأن الدين الإسلامي سبق كلّ النظريات والتصوّرات الداعية إلى العمل التطوّعي والاجتماعي، وكان ديدنه أن الإسلام دين تسامح وعون ومساعدة. وكان دافعه الثاني تخصصه العلمي الذي أتاح له التعرّف على الأمراض المتفشية في القارة الفقيرة، فأنس في نفسه كفاءة تخوّل له مساعدة هؤلاء، ومن ثمة انطلقت قصة ولعه بالعمل في أفريقيا -على عسره ومشاقه وأهواله- فحالما عاد إلى الكويت بعد أن أتمّ دراسته الجامعية، ذهب إلى وزارة الأوقاف الكويتية طالبا تمكينه من المشاركة في الأعمال الخيرية، فاصطدم بعائق البيروقراطية والتعطيل الإداري، ومع ذلك سافر ليشهد بناء مسجد في مالاوي تبرعت بتكاليف إنشائه زوجة الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير الكويت السابق، وهناك اكتشف مدى استشراء الفقر والجوع والجهل والأمراض، وكلها مظاهر نابعة من التخلف الاقتصادي والسياسي الذي يعمّ أفريقيا، فقرر التفرغ للعمل الخيري التطوعي المباشر، حيث جاب مجاهل وأدغال أفريقيا وقراها النائية.

رجل يؤمن بوقع الكلمة الطيبة

جمع الرجل بين العمل المنطلق من اختصاصه العلمي بصفته طبيبا متخصصا، وبين الدعوة إلى الدين الإسلامي، ولذلك عرفته مجاهل الموزمبيق وكينيا ومالاوي وجبال الكيلمنجارو ومدغشقر وغيرها، وكان دائما حريصا على أن يكون طبيبا وداعية في الآن ذاته.

كان طبيبا يوظّف ما درسه وما تخصص فيه لخدمة مرضى فاقم الفقر والتخلف تفشّي عللهم، وكان أيضا داعية آمنَ برسالة الإسلام المتسامحة، وسعى إلى نشرها بالكلمة والإقناع والدعوة، ولم ينتهج في مشروعه طرقا أخرى تجنحُ إلى الغلوّ والتعصّب والتكفير، لذلك أسلم على يديه أكثر من 11 مليون أفريقي على مدى ثلاثة عقود. والثابت أن ذلك لم يتحقق (ولن يتحقق) بأسلوب دعاة آخرين سلكوا منهج الإكراه واعتمدوا السلاح والأحزمة الناسفة وكواتم الصوت، لفرض الدين الإسلامي حسب زعمهم.

سجلّ الدكتور السميط الزاخر بالعمل الخيري التطوّعي العصيّ على دعاة التكفير، يحتوي أيضا على مروره بالعراق حيث سجن زمن البعث العراقي عام 1990 بعد أن اعتقلته المخابرات العراقية أثناء غزو العراق للكويت، وبما أنه كويتيا فقد كان ذلك كافيا للزجّ به في السجن وتعذيبه، وقال عن تلك التجربة "كنت على يقين من أنني لن أموت إلا في اللحظة التي كتبها الله لي"، وكانت اللحظة يوم 15 آب من هذا العام.

رغم نبل الرسالة التي كان يشيعها الدكتور السميط إلا أن ذلك لم يعفه من تجشّم عناء وأهوال سادت في أفريقيا ولا تزال، حيث تعرّض عديد المرات لمحاولات اغتيال نفذتها ميليشيات أفريقية مسلحة أزعجها حضوره الطاغي في صفوف الفقراء، ورأوا في وجوده ودوره ورسالته عائقا أمام بطشهم وترويعهم للناس. لكن إيمانه بوقع الكلمة الطيبة، ووعيه بأهمية ما يقوم به وثقته في نجاحه، كانت دوافع تضافرت لتحفيزه على المواصلة وعدم الاستكانة لأهوال ومشاق كانت كافية لجعله يتراجع عن المهمة التي طرحها على نفسه.

وفضلا عن ذلك امتلك السميط معرفة واسعة وملمة بأوضاع القبائل الأفريقية، حتى كاد يحفظ تقاليدها وعاداتها عن ظهر قلب، من ذلك أنه كان يجيد التعامل مع تقاليد القبائل المختلفة والغريبة أحيانا حيث يذكرُ عنه أنه يقدّم الهدايا لشيوخ القبائل لتسهيل دخوله عوالمهم المغلقة، والحلوى للأطفال لإشاعة البهجة في قلوبهم، وكان ذلك ترجمة لوعيه بأن الداعية يجبُ أن يتبيّن اختلاف الثقافات والحضارات، وينبغي أن يعرف كيفية ولوج هذه العوالم، ولاشك أن في ذلك استفادة من تخصصه العلمي حيث وظّفَ ما يعرفه الطبيب- عادة- من مبادئ نفسية.

الثابتُ أن أمثال الدكتور عبدالرحمن السميط لا يموتون، لأنهم خلّدوا أسماءهم بحجم منجزهم، فالرجل سيذكره أكثر من 10 مليون أفريقي أسلموا على يديه، وستلهجُ بذكراه كل القرى والأدغال التي مرّ بها وترك فيها أثرا، مستوصفا كان أو مسجدا أو منشأة لتسهيل حياة أناس نسيتهم دولهم.

ترجّل الدكتور عبدالرحمن السميط، لكن أثره لن يختفي، وفي ذلك درس بليغ لمن آمنوا بأن الدين يشاعُ بالإكراه والفرض والعنف، فكل هؤلاء لم يحققوا مجتمعين ما حققه الدكتور السميط، وكان صامتا صامدا يعمل وحده ولم يدعمه تنظيم أو جماعة.

ولئن نعت الكويت بأسرها فقيدها الداعية الطبيب، إلا أن ذلك لا يمنع من القول إن الدكتور السميط بأثره ومنجزه كان ملكا للأمة العربية الإسلامية برمتها في دعوته للإسلام، وكان لوحده "تراثا" للإنسانية في عمله التطوعي الخيري الإنساني، أمّن بمفرده أكثر مما تقوم به بعض المنظمات الدولية.

20