رحيل أحد رواد الشعر الحر بمصر والعالم العربي حسن فتح الباب

“لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس.. أؤمن بشعر المقاومة، والحياة نفسها تقوم على المقاومة، والشعراء الكبار الذين خلدوا في التاريخ هم من عبّروا عن الأمل رغم الألم، وكما قال ناظم حكمت: أجمل الأيام التي لم تأت بعدُ، وأجمل الأولاد من لم يولد بعدُ”، هذا ما قاله الشاعر المصري الذي وافته المنية صباح أمس الاثنين حسن فتح الباب، عندما سئل عقب أن أتمّ عامه التسعين قبل عامين عن الحكمة التي استخلصها من تجاربه في الحياة.
الثلاثاء 2015/09/29
الراحل من الشعراء الذين لم ينالوا الحظ الكافي من الاهتمام من قبل جمهور المثقفين

رحل الشاعر المصري حسن فتح الباب عن عالمنا صباح أمس الاثنين عن عمر ناهز الـ92 عاما، وذلك عقب معاناة طويلة مع المرض، ويعد الراحل من أهم الأصوات الشعرية التي لم تنل حظها الكافي من الاهتمام من قبل المثقفين ولا سيما الجيل الجديد، كما أنه لم ينل حظه الكافي من تقدير الدولة كأحد أهم الأصوات الشعرية بشهادة الكثير من النقاد والمثقفين.

ريادة القصيدة الحرة

ولد الشاعر حسن فتح الباب عام 1923 بالعاصمة المصرية القاهرة، وحصل على ليسانس الحقوق عام 1947، وماجستير العلوم السياسية عام 1960، كما حصل على الدكتوراه في القانون الدولي عام 1976.

وعمل فتح الباب كضابط شرطة، حيث أحيل إلى المعاش برتبة لواء عام 1976، وأمضى بعد تقاعده عشر سنوات في الجزائر عمل خلالها أستاذا بكلية الحقوق في جامعة وهران، وقد ترك بصمة مميزة في الشعر الحر، كما نجح في اكتساب جمهور له في العديد من البلدان العربية، ولا سيما بالجزائر. حيث قالت عنه الإعلامية الجزائرية لمياء قاسمي إنه “كاتب رائع ومحب للجزائر وشعبها، عاش في مدينة وهران، وقدم كتابا عن الشاعر مفدي زكريا”.

ووصف اتحاد كتاب مصر الشاعر الراحل حسن فتح الباب، بأنه أحد رواد الشعر الحر في مصر والوطن العربي، وقد نعاه أمس الاتحاد في بيان له، حيث كان فتح الباب عضوا في اتحاد الكتاب، وجمعية الأدباء، وجمعية القانون الدولي، وكان عضوا في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة.

ومن دواوين فتح الباب الشعرية، “من وحي بور سعيد” (1957)، و“فارس الأمل” (1965)، و“مدينة الدخان والدمى” (1967)، و“عيون منار” (1971)، و“معزوفات الحارس السجين” (1980)، و“وردة كنت في النيل خبأتها” (1990)، و“الخروج من الجنوب” (1999) وغيرها.

ويفيد الشاعر زين العابدين فؤاد، في تصريحه لـ”العرب”، بأنه قد تأثر بأعمال الشاعر الراحل حسن فتح الباب وكتاباته الهامة المختلفة، حيث كان أحد رواد الشعر الحر في مصر والوطن العربي. مؤكدا أن الشعراء “لا يموتون”، حيث أن أعمالهم تظل باقية لتعبّر عنهم وتتناقلها الأجيال كافة وتتحدث عنها، متقدما في السياق ذاته بخالص التعازي لأسر وقراء الشاعر الراحل.

الشاعر حسن فتح الباب ظلم ظلما كبيرا، ولم يحصل على المكانة الحقيقية في ما يتعلق بريادته للشعر الجديد

ويقول عنه الناقد الأدبي الدكتور يوسف نوفل، في حديثه لـ”العرب”: إن الشاعر حسن فتح الباب الذي وافته المنية أمس الاثنين شاعر متنوع الثقافة والتوجه، ففوق شهرته كأحد رواد الشعر الحر في مصر والوطن العربي هو شاعر وأكاديمي متخصص في القانون وكان ضابطا بالشرطة حتى وصل إلى رتبة لواء، والأهم من ذلك هو دوره البارز المؤسس في حركة الشعر الجديد، للأسف الشديد هناك الكثير من الأسماء التي لمعت واشتهرت -ولهم كل التقدير- لكن على حساب أسماء أخرى في عالم الشعر من بينهم حسن فتح الباب، الذي لم ينل حظه من الشهرة ذاتها”.

ويشير نوفل إلى أن “الشاعر حسن فتح الباب ظلم ظلما كبيرا، ولم يحصل على المكانة الحقيقية في ما يتعلق بريادته للشعر الجديد الذي كان يكتبه منذ خمسينات القرن الماضي”.

تجربة متنوعة

ويوضح الناقد الأدبي الدكتور يوسف نوفل أن فتح الباب هو كاتب مسرحي أيضا وله مسرحية بعنوان “محاكمة الثائر الغريب”، كما أنه كاتب سيرة ذاتية، حيث كتب سيرته تحت عنوان “أسمّي الوجوه بأسمائها”، كما أن له رؤية جديدة في شعرنا القديم وومضات نقدية، حيث كان شاعرا ناقدا.

ومن المؤلفات الأخرى للشاعر الراحل، “رؤية جديدة في شعرنا القديم”، و”شعر الشباب في الجزائر بين الواقع والآفاق”، و“شاعر وثورة” وغيرها.

وقد حصل فتح الباب على العديد من الجوائز، من بينها جائزة شعر 6 أكتوبر من وزارة الثقافة المصرية واتحاد كتاب مصر، وجائزة مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري.

بينما تقول عنه الشاعرة ريم خيري شلبي في تصريحات خاصة لـ”العرب”، إنه “ربما يرى البعض أن شعراء العامية يقرأون ويتأثرون فقط بشعراء العامية، وهذه معلومة مغلوطة، فالتذوق الشعري لا يعترف بالمسميات، فالشعر هو فن تجسيد المشاعر والأحاسيس، وشاعرنا الراحل حسن فتح الباب، الذي لم يأخذ ربع ما يستحقه من حق من الدولة، كان ومازال وسوف يبقى مدرسة لتهذيب المشاعر والأحاسيس واللغة”.

الراحل من أهم الأصوات الشعرية المصرية ترك بصمة مميزة في الشعر الحر، كما نجح في اكتساب جمهور واسع

وتتابع: كنت أتمنى أن يسعدني الحظ بلقائه، ولكنني قد حظيت بهذا من خلال أبي خيري شلبي، الذي كان صديقا له، ولن أنسى بدايتي في عالم الشعر عندما أخرج لي أبي دواوين الشاعر حسن فتح الباب، وتعجبت وقتها كوني كنت أكتب ما يشبه الأغنية أو “الطقطوقة”، ولكنه أخبرني أن المطرب والشاعر يجب أن يستمع جيدا لجميع الأصوات، ثم ينسلخ من كل هذا ليكون عالمه الخاص”.

وتضيف “على المستوى الإنساني، سعدت بمعرفة ابنته كذلك التي تدلل على أن الحديقة المروية بالحب لا يمكن لها سوى أن تطرح الزهور”.

وكانت الحالة الصحية للشاعر الراحل قد تدهورت، ونقل على إثر ذلك إلى مستشفى الشرطة بالتجمع الأول في القاهرة، فيما طالب الكثيرون وزير الثقافة حلمي النمنم بتكريم الشاعر الراحل، وكان قد طالب عضو اتحاد كتاب مصر إبراهيم خليل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بمنح وسام الجمهورية أو قلادة النيل أو جائزة الدولة إلى الشاعر حسن فتح الباب، وذلك تقديرا لعطائه في مجال الشعر والنقد والمحافظة على الهوية الوطنية.

وإلى ذلك، يرى الناقد الأدبي المصري حسام عقل أن “رحيل حسن فتح الباب يعتبر خسارة فادحة للحركة الشعرية التي فقدت برحيله قطعة من الزمن الشعري الجميل”، موضحا أنه كان قيمة وقامة أدبية كبيرة لا تنسى.

وعن ذكرياته معه، يستطرد قائلا: التقيت به عدة مرات، وقامت بيننا صداقة وطيدة، حيث تعرفت عليه قارئا حين كنت أطالع شعره، فكانت قصائده معلما من معالم الانتصار في حرب أكتوبر، ثم تعرفت عليه لاحقا بعد أن باشرت العمل النقدي، والتقينا في إطار جمعية أنصار التمثيل بوسط البلد، حيث تعرفنا عن طريق الفنانة سهير المرشدي، التي طلبت منا إدارة ندوات أدبية بالجمعية، فتشاركت معه في عدة ندوات، واكتشفنا تجارب شعرية لافتة، وقامت بيننا علاقة إنسانية قوية، دفعتني إلى الكتابة عن بعض تجاربه الشعرية في كتابي “مخاضات الخطاب الشعري”، وقد وجدته سعيدا كل السعادة بالدراسة، فيما حالت الظروف دون لقائنا خلال الفترة الأخيرة عندما دخل في عزلة المرض.

15