رحيل أحمد فؤاد نجم شاعر الانتفاضات العربية وحامل شعلة الحرية وزهرة الصبار

الأربعاء 2013/12/04
أحمد فؤاد نجم هوى وهو يحمل شعلة الحرية

"وداعاً أخي وصديقي ورفيقي في رحلة هجاء الواقع ورفضه بحثاً عن واقع أكثر عدالة وإنسانية، وداعاً.. أحمد فؤاد نجم.. كنتَ شوكةً في حُلوق المستبدين.. صديقاً للفقراء.. جاعلاً من أكواخ مصر قامةً في الروح تضاهي الأهرامات، بشعرك العاري من المداورة والزيف أزحتَ الستار عن ألم الناس وأحلام البسطاء ساخراً من السجون والسجان، عميقاً كالنيل كنت.. وشامخاً كالمسلة، وكنت صديقي الذي يشعرني بأن القاهرة بيتي وبأن الشام تسكن في أحداق القاهرة، فوداعاً يا صديق العمر ولو إلى حين".. هكذا كتب سميح شقير الموسيقي والمغني السوري المقيم بباريس في تأبين الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم الذي وافته المنية صباح أمس الثلاثاء 3 نوفمبر 2013 عن عمر ناهز 84 عامًا، بعد صراع مرير مع المرض.

وقد احتشد، بمسجد الحسين، المئات من محبّيه وعشّــاق شعــره لأداء صلاة الجنــازة علــى جثمانه، وأقيم له مجلس عــزاء بمســجد بلال بن رباح بالمقطم بحضور شخصيات ثقافية وفنية وسياسية.

ننشر هذه الشهادات، مع التحية لكل المشاركين فيها، وللذين غابت شهادتهم عن هذا الملف خالص الاعتذار، ونعد بنشرها في وقت لاحق، فشاعر من طراز أحمد فؤاد نجم، لن يكون كثيرا أن تولي الصحافة العربية غيابه اهتماما استثنائيا، ليس في كل يوم يولد أو في عالمنا أو يرحل عنه شاعر مقاوم.

سلامة كيلة: رحل منشد الثورة

منذ دهر وهو يكتب الشعر الجميل من أجل الثورة، لقد رحل منشد الثورة بعد أن اطمأن على أنها قد بدأت، أن مصر قامت وشدت الحيل وأن النيل كعادته يتفجر فيضاناً، وأن العرب نهضوا بعد سبات طويل. وأن الثورة هي الحدث اليومي المستمر.

الشباب الذي كتب لهم الأغاني التي رددوها بصوت الشيخ إمام طويلاً، باتوا يصنعونها في الشوارع. الخوف انكسر، والذل والظلم والفقر حوّل الكلمات إلى فعل، الأغاني إلى ثورة. ربما اكتفيت، يا أحمد، بما رأيت، لكن لازلنا في أول طريق الثورة. الطريق ليس طويلاً، لكنه مخاض كبير. ليس صعباً لكنه عنيف. ولهذا يحتاج إلى الأغاني، أغانيك. العمر 84 سنة، لكنه ليس كثيراً، كان يمكن أن يمتد عقداً أو عقدين.

هل كنت تريد الاطمئنان على أن الكلمات قد تحولت إلى فعل لكي ترحل؟ لكن الفعل بحاجة إلى الكلمات، والأغاني.

هل أعطيت السرّ؟ أو اكتفيت بأن الشارع هو من يعطي السرّ لكي تستمر الكلمات والأغاني؟ في كل الأحوال، أحمد فؤاد نجم خسارة كبيرة.

رحل بعد أن عاش الثورة التي حرّض عليها منذ دهر، وكاد ييأس في بعض اللحظات.

ونحن الجيل الذي نهض على أغانيه وصوت الشيخ إمام من الصعب أن نتجاهل أننا فقدنا كبيراً، وأثراً في ذواتنا.

في تلك الليلة كان النيل كعادته

والعادة أن تسقط أعناق السادة

هذا ما كتبته في يناير سنة 1977، وأضفت:

كيفك يا أحمد

وكيف الشيخ إمام.

* مفكر من فلسطين مقيم في القاهرة


محمد الطالبي: حارب الإخوان ولم يخش سطوتهم

باقتضاب، لكن بإسهاب في المعنى قال المفكر والعالم الإسلامي التونسي محمد الطالبي: "لا يموت العظماء، عاش مناضلا ورحل كذلك، أحبّ شعره وأقرأه، وأرجو أن يدرّسوه في مدارسنا حتى يتعلّم الأطفال التحرر من القيود والأغلال". مشدّدا صاحب كتاب (كونيّة القرآن): "عاش وفيا لمبادئه، وحارب الإخوان ولم يخش سطوتهم.

أشعاره لن تفارقنا ورسالته لن نتخلى عنها أبدا، أبناء جيلي يحبونه وإن كان أصغر منّا سنا بقليل، كنا نردّد أشعاره ونحفظها، هذا الشاعر خرج من رحم العوز ليصبح شاعر الفقراء والكادحين، ولينقل همومهم.. رحمه الله، نجمه مازال ساطعا في قلوبنا".

* مفكر وعالم تونسي


عز الدين المناصرة: ناقد الواقع
رحيل نجم خسارة لشعر "اللهجة"

رحيل أحمد فؤاد نجم خسارة كبيرة لشعر"اللهجة" العربي الحديث وخسارة لحركة التحرر العربية وهو الشاعر الذي تميز بقدرة فائقة على نقد الواقع العربي، حتى ليكاد يوصف بأنه شاعر نقدي بامتياز.

تعرفت إلى الراحل نجم منذ بداياته الفنية أي ما بعد نكسة 1967 في القاهرة وحضرت معظم حفلات الشيخ إمام الذي غنى له قصائد كانت غاية في الروعة وألهبت عقول وقلوب جيل كامل في مصر وفي العالم العربي. وقد توطدت علاقتي الشخصية معه حين زار الجزائر التي كنت مقيما فيها وعرفت الكثير والكثير عن قصة انفصاله عن الشيخ إمام التي حدثت في قسنطينة بالجزائر.

* شاعر من فلسطين مقيم في عمان


فخري صالح: الحداثي الثوري

يمثل أحمد فؤاد نجم أحد القامات الأساسية في الشعر العربي المعاصر وكذلك في حركة النضال اليومي سواء في مصر أو في العالم العربي وبالرغم من أنه كان يكتب بالعامية المصرية إلا أن ما أنجزه من شعر يعد جزءا أساسيا من تطور حركة الحداثة الشعرية العربية خصوصا وأن أحمد فؤاد نجم استفاد من التطور الذي حدث في القصيدة العربية في أربعينات القرن الماضي وما أضافه جيل الرواد إلى هذه القصيدة، حيث يمكن النظر إلى قصيدته كجزء من هذا التطور ومن هذه الحداثة الشعرية. كما أنه يمثل واحدا من الأسماء التي تعد على أصابع اليد الواحدة التي بلغت بالقصيدة العامية المصرية ذروات جديدة، ويضاف إلى ذلك أن تجربته المشتركة مع المرحوم الشيخ إمام كانت ملهمة لملايين المناضلين في العالم العربي ضد الصهيونية والاستعمار والاستبداد السياسي في العالم.

* ناقد من فلسطين مقيم في عمان


أحمد مجاهد:قطعة من صخرة الأهرام

نجم تاريخ من النضال والإبداع والغناء وكما قال الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور هو "قطعة من صخرة الأهرام منتزعة" ومن الوجدان المصري في عمقه الأصيل الممثل في الحارة المصرية، وأضاف " سعدت بلقائه في الفترة الماضية عشرات المرات حيث كنا نجهز لإصدار المزيد من أعماله، وهذا الأسبوع ستصدر له مسرحيته "عجائب"، والطبعة الثانية من أعماله الشعرية والنثرية الكاملة، وكذا سيرته الذاتية "الفاجومي". "إن إبداع نجم لن يموت لكنه باق في وجدان المبدعين والمثقفين والمناضلين في مصر والعالم".

* رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب


إبراهيم نصر الله: من قلب إلى قلب

ملأ الدنيا.. وشغل الناس، شجاع، مشاكس، ابن مصر الذي غنى لفلسطين وجيفارا وفيتنام، وأبدع أجمل الأغنيات التي عقدت حِلْفها الرّوحي مع الطلبة والعمال والفلاحين، وشاعر عدد من أجمل أغاني الحب العربية أيضا، مع الشيخ إمام استطاعا أن يكونا ذلك الصوت الهادر لملايين البشر في كل مكان، وأن يثبتا أن الأغاني التي تصل الناس من قلب إلى قلب، أقوى من الإذاعات ومحطات التلفزيون والجرائد التي ترتعد كلما مرَّ طيف الحرية في قصيدة. هو علامة وطنية وشعرية كبيرة أسست لثقافة أخرى، بديلة، على مدى عقود طويلة، ولدت كبيرة ورحلت في القمة، وأسست لميلاد أصوات جديدة هي الأفق الشعري القادم.

* روائي وشاعر من فلسطين مقيم في عمان


خالد الصاوي: خسارتنا بفقده عظيمة

إن خسارتنا عظيمة فقد فقدنا روحا متدفقة بالوطنية، كان ملهما للجميع، ليس بأشعاره فقط بل بحياته التي قضى أغلبها خلف القضبان بتهمة عشق الوطن، وكنا تلامذة في محرابه الثوري، تعلمت منه العطاء دون انتظار مقابل، والتضحية دون حساب المكاسب والخسائر، كانت كلماته المادة الخام للحرية التي يعيد إنتاجها كل ثائر حر يعلي مصلحة بلاده، كان باستطاعته أن يساوم وأن يغض الطرف وأن يتكسب من أشعاره، لكن أبى ذلك كله مستمرا في نضاله في صومعته المتواضعة من "خوش قدم" بالغورية إلى المقطم، مستمرا بالنضال ومواكبا لثورة المصريين.

* فنان من مصر


صلاح عيسى: استشعار نبض الشارع

أهم مساهمات نجم كمنت في قدرته على استشعار نبض الشارع المصري والتحدث شعرا بما يجول بخاطر الناس. ورأى أن من أهم ما كان يميز حرصه على استقلاله كشاعر شعبي لدرجة أنه "رفض كل محاولات المنظمات الشيوعية لضمه لعضويتها لكي يكون صوتاً لها"، الأمر الذي تسبب في توتر العلاقات بينه وبين مثل هذه المنظمات. وفي الواقع. يُعد نجم أبرز شعراء القصيدة ذات الطابع السياسي، كما شكّل مع صديق عمره الشيخ إمام (1918 – 1995) ثنائياً غنائيا رائعا منذ الستينات. أزعجت قصائده السلطات المصرية وأدت إلى اعتقالهما معا في عهدي الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات.

* كاتب من مصر


مريم حيدري: شاعر يدخل الأبدية
شاعر مشاكس وشجاع

حين يوثق الشاعر شعبه في سطوره ثم يتركه ذات صباح نافضا عن نفسه غبار الحياة التي أصبحت تخذله ويرحل آملا في عالم أخف وطأة، لا يبقى في العالم الذي خلفه ولذلك الشعب إلا الشعور باليتم. ثم ما يبقى هو النص الذي لا يموت والكلمة الأزلية التي ترافق الشاعر إلى أن يدخل الأبدية التي خلقوها لأولياء الحروف والنغمات الزاهية. يدخل أحمد فؤاد نجم أبدية دخلها شعراء وموسيقيون وفنانون كبار قبله، فهنيئا له بهم وهنيئا لهم به.

* شاعرة من إيران


إلياس فركوح : خسارة كبيرة

غياب أحمد فؤاد نجم خسارة عربية أكثر منها مصرية وأيضا خسارة للنفَس الوطني المعبَّر عنه شعبيا والذي لامس وجدان كل المواطنين العرب بصرف النظر عن لهجاتهم المختلفة. رجل ظل وفيا لخطه الوطني والتحامه بنضالات شعبه حتى آخر لحظة، رجل واكب نبض الشارع لا بل وشارك في هذا النبض وعبّر عنه في كل مناسبة أتيحت له في داخل مصر وخارجها، أعتبر أن رحيل نجم خسارة للشعب المصري وللشعوب العربية وقضاياها وخسارة أيضا للشعر الشعبي المعبر عن وجدان الناس.

* روائي وقاص من الأردن


سيد حجاب: قامة شعرية

رحم الله نجم كان صديق ورفيق كفاح طويل وقامة شعرية كبيرة لا يمكن الخلاف على تأثيرها، وخلافي معه لا يدخل في نطاق القيمة والدور والتأثير الذي لعبه ومارسه في الشعرية العامية المصرية، فهو واحد من رموز الكفاح الوطني والعربي.

* شاعر من مصر


هيثم حسين: شاعر الأجيال والثوار

أحمد فؤاد نجم شاعر مزج القول بالفعل، ظلّ وفيّاً لرسالة الأدب والفنّ، انتصر لقضايا الإنسان في كلّ مكان، شغفه عشق بلاده فتغنّى بها وأبدع لها أجمل القصائد، لم تغيّره الأضواء ولم تعكّر صفو حياته الشهرة، لم يفقد حميميّة اللحظة ولا أسرار تجدّد دماء الشعر لديه، واظب على الدفاع عن الفقراء في وجه آلة الفساد والتغوّل. حيث يتنقّل كنت ترى حوله عددا من الشباب يتحلّقون حوله، يستمعون لأحاديثه الممتعة ويستمتعون بروحه المرحة ولسمات الفكاهة الدائمة التي كان يضفيها على مواضيعه وجمله، وهو الذي يظلّ نجم مصر الشعريّ المعاصر.

أحمد فؤاد نجم، يعدّ نموذجاً للشاعر الذي يستمدّ ديمومة كتاباته من نبض الشارع الذي لم يترفّع عن الانخراط بين صفوفه، والتسكّع الجميل مع الأجيال التالية، فكان الأب الرؤوف، يتعامل بطيبته المشهورة عنه دوماً. على مدار عقود كانت أناشيده المغنّاة بصوت الشيخ إمام بوصلة للثوّار، وفي الثورات العربيّة لم ينحرف عن مساره الثوريّ كما فعل شعراء ارتبطوا بالأنظمة وارتهنوا لها، بل أشهر بوجه المستبدّين كلمته الفصل بين الحقّ والباطل، وأعلن انحيازه المطلق لصفوف الشعب، وتجدّدت قصائده وأعيد غناؤها في كلّ الساحات والميادين، وكأنّه كان يكتب للأمس واليوم والغد. امتازت كلماته بالمعاصرة والعمق رغم البساطة الظاهرة فيها، فكان المتقن الذي طوّع البساطة لخدمة المعاني العميقة، وكانت رموزه من وحي الثقافة الشعبيّة، فاستحقّ أن يكون شاعر الأجيال والثوّار معاً.

* روائي من سوريا مقيم في اسطنبول


ليانة بدر: انتصر في معركة البوح

يبدو نجم قادما من عمق أعماق مصر. مصر الساخرة التي تنتقم من قسوة الحياة ومفارقاتها الظالمة بالنكتة والاستهزاء. يبدو كما لو كان آتيا من مسافات بعيدة تطل على تاريخ غابر يختلط فيه الفراعنة مع موجات الجوع التي بثها الهكسوس الغـزاة.

عندما أعلن عن رحيله تعجبت من صموده الذي لم يتوقف مثل آخرين كثر اختاروا اللوذ بالصمت ونسيان ما بدأوا به. ظل مخلصا لموقفه كشاعر، لم يتخل يوما عن مسؤولية النقد في الوقت الذي عانى فيه كل ما يمكن لمواطن مصري مواجهته.

عايش الجوع وانتصر في معركة البوح. حمل الثياب بالمقلوب وأعلن عما خفي من أوضاع الاستبداد. عاش وعاش حتى التوهج في قلوب الجماهير العربية العريضة. أرض النيل أتاحت له ما لم يتح لغيره من شعراء دول عربية أخرى كممتهم الأنظمة بالصمت أو السجون أو الإبادة الجسدية أحيانا.

وداعا نجم.

* كاتبة وسينمائية من فلسطين


تيسير خلف: ظاهرة متفردة

أحمد فؤاد نجم ظاهرة متفردة في حياة المصريين والعرب.. فهو ليس شاعراً إنه ظاهرة ثقافية فنية اجتماعية سياسية.. يختزل مرحلة كاملة بشخصه، لم يعبر أحد عن مرحلته كما عبر النجم، فقد خاضها بكل جوارحه اعتقل وشُرّد وحُوصر وعُذّب وكُرِّم.

عرفته لفترة وجيزة حين أقام في دمشق أواسط الثمانينات من القرن العشرين.. خلال فترة وجيزة كوّن حوله رفاقاً ومريدين وكأنه ابن دمشق كابرا عن كابر.. لم يشعر النجم للحظة أنه غريب عن دمشق.. كان يشعر بأنه يعيش في أحد أحياء القاهرة كما قال لي ذات مساء حين زرناه أنا والصديق بشار بوبو في بيته الدمشقي.

لفت نظري أن هذا الشعور لم يكن يشعر به بعض مثقفي سوريا القادمين من جبال الساحل.. كانت دمشق بالنسبة إليهم مدينة قذرة لا ينفع معها إلا الحريق، حسب تعبير الكاتب وديع اسمندر الذي عنون مجموعة قصصية له بهذا العنوان (حريق في مدينة قذرة).

حاول النظام استغلال وجود النجم في دمشق لتسويق صورته بوصفه قلب العروبة النابض.. فبدأ يشرك هذا الشاعر في مناسبات شتى، ولكن اللعبة لم تنطل على ابن البلد، فغادر دمشق بشكل مفاجئ هربا من إحراج المضيفين واستغلالهم له ولإسمه. عاد النجم إلى مصر ولم ينس دمشق، استعاد في لقاء جمعنا في القاهرة حين ذكّرته بدمشق ويعض تفاصيلها، استعاد كل شيء وكأنه يستعيد طفولة سعيدة وإن متأخرة.

* روائي وباحث من سوريا


ماجد كيالي: آه يا عبد الودود

رحل أحمد فؤاد نجم، هذا الشاعر الكبير الذي شغل دنيانا، وشكّل وجداننا، وزرعت قصائده بذور التمرّد والثورة والأمل في قلوبنا، في "آه يا عبد الودود يارابض عالحدود"، وفي "جيفارا مات"، وفي "رجعوا التلامذة".. وفي "مصر يا أمة يا بهية" وفي "يا فلسطينية والبندقاني رماكو".

في حياته كما في كلماته كان العم أحمد أكثر شاعر يشبه شعبه، ببساطته وعفويته وسخريته من هذه الحياة وتمرده على واقع البؤس وعلى الحكام.. كان مع الشيخ إمام، رفيق عمره، حالة خاصة أكبر من أي حزب، وفوق كل التيارات.

عبّر نجم في كلماته عن انتمائه لشعبه، وبخاصة للفقراء والبسطاء، للعمال والفلاحين والمثقفين، وتهكم على الحكام والمتسلطين.. كما عبر عن انتمائه لقضايا الحرية، فشكلت قضية فلسطين جزءا كبيرا من وجدانه الشعري.. لم يتوقف نجم عند ذلك إذ أن شاعر العامية المصرية تحدث عن الحب والجمال.. نجم الذي شكل مع صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي ظاهرة ثورية في الشعر العامي، في الشكل والمضمون، سيبقى بروحه الجميلة والساخرة والمتمردة بيننا.

* كاتب من فلسطين


صبحي موسى: عنوان كبير لمرحلة كبيرة
أحمد فؤاد نجم سفير الفقراء

أحمد فؤاد نجم بكل ما له وما عليه هو عنوان كبير لمرحلة كبيرة، هي مرحلة الفقراء، التي بدأت بمجانية التعليم، وإعادة توزيع الثروة عليهم، وانتهت بنهبهم وسلبهم وموتهم في كل مكان وبكل طريقة، فؤاد نجم لم يكن فاجومي، ولا بذيئا كما وصفه السادات، لكنه كان لسان حال الفقر الضارب في أعماق قرى ونجوع مصر.

كان سفير الفقراء في قاهرة المعز، وقسوته هي قسوة الخائف لا المطمئن، وجرأته هي جرأة اليائس لا الفرح، نجم عنوان كبير لمرحلة طويلة بدأت منذ الستينيات، وارتفعت في مدها الأعلى مع السادات وزمن الانفتاح وضياع حقوق الفقراء، وتم استعادتها في الميادين المصرية مع الثورة المصرية، ليكون نجم هو الأب الروحي لهذا الحدث العظيم، وليقول له الشعب المصري ( هو ورفيقه إمام عيسى) الشعب لا ينسى من غنى لأوجاعه، الشعب حين يفرح يفرح بأغنيات من كتب له عن آلامه، ومن ثم لم يكن اختيار الثوار لقصائد نجم اختياراً عشوائياً، لكنه رد للجميل، واعتراف بالفضل، وكأنهم يقولون المجد لمن قال لا في وجه من قالوا نعم، المجد لمن اختار الضعيف ولم يختر القوي، المجد لأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، المجد للفجومي في زمن السماسرة.

* شاعر وروائي من مصر


عبد الرزاق بوكبة: رفض أن نسكنه في فندق فخم

قرأت الرجل منذ صغري، وحفظت بعض نصوصه مثل جيلي، وتمنيت أن ألقاه وهذا ما تحقق لي عام 2009 من خلال فضاء صدى الأقلام الذي أشرف عليه في المسرح الوطني الجزائري، استضفناه بمناسبة تظاهرة القدس عاصمة أبدية للثقافة العربية، وجدته كما قرأته منتصرا للحرية والإنسان، رفض أن نسكنه في فندق فخم، ولم يغفل لحظة عن صهره الذي رافقه. كان لا ينام حتى يطمئن عليه، ويسأله في كل حين: هل تحتاج شيا؟ لم يكن انخراطه في هموم الإنسان مجرد ادعاء".

* روائي من الجزائر


حسين الموزاني: رمز مصر الحقيقية

حالما قرأت خبر رحيل الشاعر أحمد فؤاد نجم وتأكدت من صحّته شعرت بحزن شديد وكادت أنفاسي أن تنقطع. وأنا لم ألتق في الواقع بأحمد فؤاد نجم حتّى أثناء إقامتي في القاهرة قبل عشرين عاماً، وحيث رأيته ذات مرّة في ناد للكتّاب وهو يلتقي بزوجته السابقة صافيناز كاظم التي انتقلت آنذاك إلى ارتداء الحجاب و"التدين" فرفضت أن تصافحه، تقيّةً وورعاً، فسخر منها بالقول: "أمّال السرير كان يهتز بمين يا صافيناز؟" ولم أره بعد ذلك مرّة أخرى. لكنني كنت احتفظ بجميع دواوينه الشعرية في العراق خلال حقبة السبعينات. وكنت أحفظ عدداً من قصائدة عن ظهر قلب واعتبره رمزاً لمصر الحقيقية وثقافتها الشعبية الشجاعة والتحررية والإنسانية.

وكان وسيبقى علماً كبيراً من أعلام الثقافة العربية المعاصرة، ومثقفاً مخلصاً وأصيلاً ونزيهاً، وقف دائماً إلى جانب قضايا شعبه ومطالبته بالحرية والعدالة الاجتماعية. وسنفتقد بالتأكيد روحه الحيّة وشخصيته الطبيعية المرحة والذكية ونكاته اللاذعة وأحاديثه الممتعة. وبلا شكّ إنّ موته يشكّل خسارة كبرى للثقافة المصرية والعربية معاً.

* كاتب من العراق يقيم في ألمانيا


فارس خضر: في كل قصيدة خطوة نحو الثورة

"مش عايز أموت قبل ما تلبِّسوا مصر الطرحة وتزفوها.. شدوا حيلكم يا ولاد.."، عندما قال نجم هذه الجملة بصوته الواهن المرتعش فى مداخلة تليفونية لقناة الجزيرة قبل إسقاط مبارك بعدة أيام، بكيت بحرقة، فلم يكن نجم محرضا بل وقودا حيا لثورة 25 يناير، وواحدا من أهم وأنبل صناع الثورات فى العالم، شعره كله حلم بهذه الثورة، في كل قصيدة كانت خطوة باتجاهها، ولما تأخرت واشتعل الرأس شيبا يئسنا ولم ييأس هو، استيقظ صديقى هشام فؤاد من رقدته بالحديقة الدائرية فى ميدان التحرير فى الصبيحة التالية لموقعة الجمل، فرك عينيه ثم نظر إلىًّ وقال: أهي دي الثورة يا سيدي اللي استنيناها طول العمر.. أهيه جت أهيه..!!.. مال عليّ شاعر وصديق علم بأن مجلة الشعر تعد ملفا عن أحمد فؤاد نجم عقب كتابته قصائد ساخرة من المخلوع مبارك، وقال لى: إنت ناوي تقفل المجلة ولا إيه؟

قلت له: ولو.. وصدرت الشعر وعلى غلافها صورة نجم وداخلها ملف كامل عن تجربته العريضة، رحم الله الشاعر الكبير الثائر الذي مهد الطريق بقدميه الحافيتين لكي تسير مصر إلى حريتها.

* شاعر من مصر


عصمت منصور : كلمة السر
شاعر حمل معه آهات الفقراء

نشعر بالحزن العميق كمناضلين تجاه هذه الخسارة، فقد كانت قصائده تصلنا متجاوزة جدران السجن حاملة معها آهات الفقراء وعبق الثورة والنضال كنا نتداولها كأسرى بفرح ونلقيها في المناسبات الوطني، ننشدها ونشحذ إرادتنا مع صوت الشيخ إمام ونلتحم عبرها بالوطن وقضايا الفقراء، كانت كأنها كلمه سر تبهت السجن وتشبك بيننا وبين أمتنا وقضاياها. سيفتقد الأسرى كما الفقراء والمقاومون هذا الصوت القوي الذي عبر عنهم ووحدهم وجدانيًا، خصوصًا في هذا الزمن الصعب والردة.

* روائي وأسير محرر


صلاح فائق: قصيدتي اليوم إليك أيها الشاعر

حتى في مراهقتنا كنا نتطلعُ إليه، ولم يختلف الأمرُ حتى ونحن عند بوابة الكهولة. ثوري شاعر، وليس هناك واو بينهما. نعم ، محزن رحيله لكنه ليس مخيباً للأمل تماماً .لا، مصر أم ، وأُمٌ نبيلة ومعطاء، وسوف تظهر نجوم أخرى من آفاق تلك الأرض الكريمة. أستطيعُ أن أعدَّ، لساعاتٍ / أسواراً تحيطُ وطني / حراسها في الداخلِ عميان / ابتساماتهم، وهم يتطلعون إلى السماء، تغضبني.

***

أنا في شرفة دادا / إنهُ مساءٌ جميلٌ. يمكنك، لو شئتَ، أن تبولَ من هنا / على برجوازيين يتجهونَ إلى دار أوبرا / زوجاتهم ساذجات بدون قباطنة وألسنتهم الطويلة لمتر / والتي يطوونها في أفواههم حين يصمتون. أيها الجنين في أعماق امرأتي / ما أحوال الطقسِ عندك؟ فقدتُ شعر رأسي في طواحين قرى / وكان امبراطورُ يجلدُ ملائكةً / ثم يشتمني أمامهم وهم يبكون. تحية إلى دادا / من شاعرٍ بساقين هزيلتين / بسببِ سخرية سواق قطارات.إلى الحرب المقبلةِ سأذهبُ / ومعي عيدانُ ثقاب.

* شاعر من العراق مقيم في الفلبين


زهيرة بن عمار: حي فينا لا يموت

بشاعرية الفقد تحدثت المخرجة المسرحية التونسية زهيرة بن عمار أو "سنديانة" المسرح التونسي كما يلقبّها النقّاد: "غاب نجمنا البازغ، غاب الفكر المستنير، شاعر الأجيال الثائرة، شعرك يا نجم سيخلد في الذاكرة، ستتداوله الأجيال، فأنت نجمنا.. نجم الإنسانية، النجم اللاذع لدواء العلة، آه يا عبد الودود وكل ما كُتب للشيخ إمام، برحيلك أفل النجم وبقينا في الظلام".

مضيفة: "الرائع في شخص نجم علاوة على شعره طبعا، أنه كانت له دائما ردود فعل عمّا يحدث في الوطن العربي، تحدّث عن النكسة وانتصر لفلسطين، ودفع الثمن غاليا عن مواقفه..

والأجمل من كل ما سبق وصفه الشعري للمجتمع المصري الذي خلّد بساطته وجسارته بأبيات لا تنسى".

وتستحضر بن عمار ذكرى طيبة جمعتها برفيق درب نجم "الشيخ إمام" في أواسط ثمانينات القرن الماضي حين تمت دعوة الشيخ إمام لإحياء حفل بتونس، وبحكم صداقته القريبة بالمخرج المسرحي التونسي عزالدين قنون، الذي دعاه للعشاء في بيته، "كانت لي مصافحة مباشرة مع الشيخ الذي غنى لنا ليلتها (جيفارا مات)"، هكذا تختم بن عمار مشددة بقولها: "لكن نجم لن يموت".

* مسرحية تونسية


زاهر الغافري: شعلة الحرية

كان أحمد فوءاد نجم شعلة الحرية ليس في مصر وحدها بل في العالم العربي. خسارة فادحة في الساحة الشعرية وفي الضمير العربي. شاعر مواقف وطنية بامتياز بعد 67 كان صوته هادرا.

نحن جيل تغنى بأشعاره خصوصا بعد ارتباطه المعروف بالشيخ إمام وكنا نردد " 'مصر أمة يا بهية' أو 'بقرة حاحا' مثالا". كان في وجداننا نحن الشباب آنذاك. قصيدته جارحة مباشرة تقريبا لأنها قريبة من روح الأرض والإنسان العادي والبسيط.

شخصيا تعرفت على الثلاثي في مصر منتصف الثمانينات من القرن الماضي، الشيخ إمام وأحمد نجم وضابط الإيقاع محمد علي. سيظل نجم ملهما للشباب الحر خارج الإيديولوجيات المنكفئة على نفسها.

إنه ببساطة ابن الشمس والحياة هذا هو الإنسان وقد دفع نجم ثمنا صعبا عبر مراحل ومحطات حياته. في هذه اللحظة بالذات نحتاج شاعرا بحجم نجم. الحرية أولا، الباقي تفاصيل.

* شاعر من عمان


مجاهد عزب: كان نبيا
شاعر علم جيلا معنى الحرية

مات من كان نبيا وسط كمّ من ركام لا ينتهي. شاعر ثوري علّم جيلا معنى الحرية ومعنى أن تكون مواطنا في وطن حر. تجاوز كل الألسنة والغمز حول تاريخه الشخصي واتهامه أحيانا بالمهادنة والتحول، وأخيرا صدق ما وعد. واكتشف من اتهموه أنه على حق ولم يهادن أو ينكسر ولم يكن له مطلب شخصي غير حب الوطن والناس.. قليلة هي الكلمات يا صديقي في وقت كهذا. رحم الله شاعرنا الكبير.

* فنان وناقد تشكيلي من مصر


عبد الوهاب الملوح: حامل زهرة الصبار

الشاعر نجم واحد من حملة المشاعل الكبار في دهليز هذا الزمن العربي الطويل ولا أفق يطل منه، إنه وهو يتقدم في الصف الأول من المثقفين الذين آمنوا بقضايا الإنسان العربي وتكلموا بصوته سواء ضد الحكام العرب المتشبثين بكراسيهم أو سواء ضد العدو الصهيوني أو ضد الامبريالية العالمية التي تمثلها أمريكا الشرطي الأطول في العالم.

كرس حياته لحب الناس وحب البلاد وحب الشعر، وكان لا يبحث عن الشهرة أو النجومية بقدر ما يريد الكرامة لهذا الشعب من المحيط إلى الخليج حتى حين التقيت به مرة في تونس كان قد رفض الإقامة في نزل خمس نجوم لأنه كما قال لي "لا أشعر بالراحة إلا وسط الناس وبينهم الناس العاديون". كان فعلاً مثالاً للشاعر الحقيقي والمثقف الذي يحمل هموم الشعب.

عشرته مع الشيخ إمام لمدة سنوات طوال دليل على ذلك، وحتى رغم انقطاع جسور التواصل بينه وبين الإمام بسبب الوشاة والمغرضين. فقد بقي يحبه ووفيًا له فلم يتوقف عن زيارته وفي كل سنة يأخذ إلى قبره زهرة صبار إنه رجل كبير الروح وإنسان استثنائي وشاعر لن يجود به الزمن مرتين.

* شاعر من تونس


حسام أبو عيشة: شيد قصورك

أحمد فؤاد نجم المصري المولد والفلسطيني الدم والعربي اللحم، شكّل وعلى مدى أربعة عقود أوتزيد وقودًا فكريًا وتعبويًا لشباب فلسطين الثائر. من عمر الأربعة عشر عامًا حتى السبعين كنا نتعلق ونتعشق كلمات نجم وألحان إمام، فهي تتبعنا في بيوتنا وفي الشوارع وفي السجون.

كنا نقتنص القصيدة فتصير سلامًا وطنيًا يغنى في الأفراح والمظاهرات. وكان ماؤنا وملحنا في مراحل النضال الأممي، من "شرفت يا نيسكون بابا" إلى "يا فلسطينيّ"، إلى "شيد قصورك"، و"جيفارا مات"..

كل قصيدة دفعة نحو الثورة على الاضطهاد والظلم. ساحات المدارس والجامعات رددت نجم، عشرات الفنانين والفرق الفنية اختصت بالغناء لنجم، توأم فلسطين روحًا وإلهامًا وشحذًا للهمم.

اليوم وغدًا وبعد مئات السنين، سيظل نجم بعد رحيله نجمًا هاديًا لكل المضطهدين وبالأخص فلسطين. لا أقول وداعًا. لم ترحل إلا جسدًا، ويا تراب الكنانة دق المزاهر.. رش الحنا.. وانتهي، وضم بحنانك، خير زائر".

*فنان مسرحي من القدس

14