رحيل أنسي الحاج الشاعر الانقلابي والصوت الأكثر تمردا في القصيدة العربية

الخميس 2014/02/20
لم يكن أنسي الحاج يكتب لكي يرتب أحواله في الحياة بل كان يكتب ليملي على الحياة أحوالها

لا يمكن أن نستحضر الشاعر أنسي الحاج دون أن يحضر معه أمران ميّزا حياته وامتاز بهما عن باقي شعرائنا المحدثين: أوّلهما هو قدرة نصوصه على اجتراح حرّيتها الفنية من داخل منظومة الشعر الحرّ الذي كان واحدا من مؤصِّليه في تربة الشعر العربي، وثانيهما هو وفاؤه لبيروت وجعلها قصيدةَ حياته على عكس كثير من الشعراء الذين احتضنتهم هذه العاصمة في صباهم الفني، وهجروها لما اشتدّت أعواد كتاباتهم.

عن أنسي الحاج، المبدع الذي رحل عن عالمنا يوم الثلاثاء 18 فبراير الجاري عن عمر ناهز السابعة والسبعين، كتب نوري الجراح أحد أصدقاء الشاعر، قبل ثلاثة أسابيع في صحيفة “العرب”: “وأنسي، عندي، هو ذاك الشاعر المتمرد، الذي لا يمكن لصورته أن تحضر إلا على هذا النحو”، وهو توصيف يحيط بتجربة أنسي الشعرية والحياتية وما اتصل بها من تمرّد على الجاهز والمتردّم من اللغة والحياة. نصوص أنسي الأولى كانت كافية ليقف لها الشعراء ويذهب إليها المريدون، وكافية ليكون نفسه ولا أحد سواه، يبني عمارته الشعرية في مكان ناءٍ عن الجميع، كمن يحفر في العتمة.

قاتل على جبهة السياسة المنجِزة لعداوات ضرورية وغير ضرورية على حدّ سواء.فهزمته، وعلى جبهة الشعر فضجت به ساحاته. في هذا التحقيق، تنشر “العرب” شهادات لأصدقاء الشاعر ومحبّي نصوصه حول سيرته الحياتية ومسيرته الفنية.

بورتريه في الذاكرة
يحيى جابر كاتب وشاعر لبناني

هذا البورتريه الشهير لأنسي الحاج رسمه الفنان الراحل رفيق شرف أمامي.. كنت يومها من سنة 1991 في مكتب مجلة الناقد موجودا على الطاولة بين أنسي المرسوم ورفيق الرسام ونضحك من أنسي القائل “مين راح يموت قبل يا رفيق.. ويشمتوا فينا هالشعرا الزغار”.


ذاك الساحر

وفائي ليلى

شاعر سوري


قبل أن يهوي ذاك الساحر صاحب “الخواتم” و”لن” وسواها من المجموعات الشعرية والتي تركت صدمة في الوعي الجمالي الكلاسيكي من الستينات امتدّ أثرها إلى الآن، كان من المتوقع من ذلك الشاعر الفذ أن يكون له دور ورأي واضح في الهلوكسوت السوري الذي كان يجري بجواره القريب، والذي يشارك بإدارته حزب ديني يدير جريدة يعمل بها، ويقبض منها أنسي الحاج الشاعر الذي لطالما كان يتعامل مع العالم والذات بجوانية عالية ومراقبة تكاد أن تلامس أفق الدهشة جرأة وعمقا حتى ولو كشفت أضدادا واختلالات. هل كان عليه ببساطة أن ينتمي لمقولاته تلك والتي لطالما كانت ترن من حولنا وتترك أثرا، هو الذي كان يراهن على دور الكاتب الواحد وإمكانية ما له من ثقل معنوي، لا أن يقمع شعبه كما يسهب لاحقا وخصوصا قبل أن يهوي كقامة عالية تحت منجل الموت أو سواه مبتدئا سِفره “بكلمات” منتهيا بجريدة “أخبار” تحوّلت إلى منبر هادر يطحن عظام القتلى في بلاد الشقيقة التي احتمل ببسالة على ما يبدو”دويّ دموعها الصامتة“. ولكن ألا يمكن لنا أن نجد له مخرجا وخلاصا من وحي كلماته ذاتها كذلك حين فرّ من تصنيفنا الذي نحاول حين قال “من يصنفك، يقتلك” وذلك في مبحث أخلاقي عن مخرج يبرركل شيء، ويتساوق مع كل شيء.. لننصت له في إحدى صلواته يتحدّث عن الطاغية ويا للدهشة حين يقول “سلبك حريتك ليس فقط في منعك من الكلام بل في إرغامك عليه” أخيرا “بإمكان كاتب واحد بما له من ثقل معنوي أن يقمع مجتمعه أكثر مما يفعل حكم بوليسي أو طاغية”.. أؤكد كلامه، وأصمت...


شعر الجسد

عارف حمزة

كاتب سوري مقيم في مرسين – تركيا


لم يكن شعر حبّ ما كتبه الشاعر الراحل أنسي الحاج. لم يكن بهذا المعنى الضيّق للكلمة، بل شعر جسد. لدرجة أنّه يمكن القول بأنّه استعمل الشعر جسديّا. الجسد في بهاء عريه. بمعنى بناء الشعر بالأعضاء التي تملك سيرة منفصلة عن الشخص. وسيرة منفصلة عن التدوين العادي للوله. وبوجود سيرة منفصلة لكلّ عضو عن باقي تلك الأعضاء. الجسد ليس كـ”مانيكان”، بل بتعريته وغسله وتطييبه ثم الحرمان منه. انتزاع الآخر من جسده، وعجنه بتلك الأرواح الخفيّة للنشوة والعبادة.

انقلابي كبير
علي المقري روائي يمني

الانقلابي الكبير في الشعريّة العربيّة أنسي الحاج رحل اليوم عن حياتنا المؤجلة في الشعر، المؤجلة في الحياة. ومع رحيله تطيش الحروف في نص غير ملتئم، في كلمات لا تؤدي إلى معنى وإن بدت في وجهة محدّدة.

ليس لنا من حديث لتذكّر الانقلابي الكبير به غير التحيّة، ولا بدء سواها.

كان ذلك الشغف باديا منذ “لن” ثمّ تعزّز في “الرأس المقطوع″ ثم وصل إلى درجة فيضان كلّ تلك المياه الغريبة، والأرواح الغريبة والمتعدّدة، للعري الجسديّ، وللجسد نفسه، في “ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة” و”الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع″.

إذ كان أنسي الحاج “مؤلّفا” في البداية لذلك الجسد وذلك العري، ثم “راويا” له. وسيصبح حامل الشموع حول ذلك الجسد الذاهب للاغتسال في مائه. هو الذي يقول مثلا “ليس أنتِ ما أمسك/ بل روح النشوة/ وما إن توهّمتُ معرفة حدودي حتى حملتني أجنحة التأديب إلى الضياع..”.


تركيبة حب

سماح إدريس

كاتب لبناني


أنسي الحاج هو من القلّة التي لا حياة للأدب العربيّ من دونها. وهو، تحديدا بالنسبة إلينا في مجلة “الآداب”، لم تكن للصراع الفكريّ حياةٌ لنا من دونه.

سيُكتب الكثيرُ عن شعره، الذي جعل الحبَّ أجملَ وأعمقَ وأكثر تركيبا، وسط الغثاثة والاستسهال والسخف السائد.

لكنّ قلّة سيعترفون، مثلما سنعترف في مجلة “الآداب”، بأنّ أنسي الحاج، بمواجهته لنا في ما مضى، نحن القوميين العروبيين وأصحابَ الالتزام، حرّضَنا على المزيد من التفكير لمواجهة نقده وحججه واستفزازاته.

سنفتقدك كلّ سبت، وفي كلّ معرض للكتاب، وعند كل تحدّ فكريّ جديد، وكلّ حبّ جديد. وداعا أنسي.

أنسي الحاج هو من القلة التي لا حياة للأدب العربيّ من دونها. وهو، تحديدا بالنسبة إلينا في مجلة “الآداب”، لم تكن للصراع الفكري حياة من دونه


الصورة في منتهاها

تمام هنيدي

شاعر سوري مقيم في البحرين


اكتب بلا ضجيج عنهُ لئلّا تزعجَه. أن أكتبَ عن أنسي الحاج ميّتا، يعني أنّ ظلّا غامقا لشدّة عمقه وقفَ بعيدا محايدا عن جسدِ الشخصِ الأصليّ الشفّاف الذي خشيت أن أكتبهُ قبلَ أن يهوي إلى النّهاية.

في حياتِهِ وفّرَ أنسي الحاج للجريئينَ والمقامرينَ الشّباب فرصةً لتناولِ كلّ ما هوَ متورّمٌ ومشحونٌ ومحفوف بالمخاطر، وفي موتِهِ وفّرَ فرصة لمن لم يكونوا كذلكَ، لتناولِهِ هوَ شخصيا.

على الرغم من ذلك، أخلعُ ساعة يدي وأنا أستعدّ للكتابةِ عن أنسي لأنّني أخشى من أنّ صوتَ طرطقتِها على الطاولةِ قد يُزعجُ رقاده.

فأنسي الحاج رسمَ على نحوٍ شديدِ الفرادة والخصوصيّة والغنى صورتهُ خلالَ مسيرته، بل وصورةَ الشعرِ العربيّ وشعرائهِ، وأظننا سنحتاج وقتا طويلا -ثوارا وممانعين- لنعرف أن الطريق إلى اللوحة ليست معبدة تماما، فالفراغ في المسافة الفاصلة بينك وبين صورتك على الورقة وعر للغاية، وستحتاج إلى ألف “لن” لكي تسلكه وتصل سالما من شوائب الحروب والغازات التي تخلفها الرصاصة بعد مضيّها نحو قلب القتيل.

لم يكن يسمح لنفسه باختراع الموتى. كان يريدهم سمادا لحقول محتملة. وما نتعلمه منه يتخطى حدود ترفه اللغوي إلى كرم عاداته الإنسانية

“اُنقلوني إلى جميع اللّغات لتسمعني حبيبتي

أعيروني حياتكم لأنتظر حبيبتي

أعيروني حياتكم لأُحبّ حبيبتي”

سيمرّ زمنٌ طويلٌ ليجيء لنا من يحسنُ التقاطَ الحياةِ على هذا النّحو من الجمال.

أنسي الحاج عبد طريقه جيدا، ليصير الصورة.. الصورة في منتهاها

فكيفَ لي أن أزعجَ نومَ هذه الصورة؟!

اقرأ أيضا

15