رحيل إيهاب حسن مفكر ما بعد الحداثة

الأحد 2015/10/11
إيهاب حسن يكتب بدون شفقة أو رثاء للذات

صاغ المفكر الأميركي إيهاب حسن تعبير ما بعد الحداثة في أدب الستينات العالمي، وأثرى المكتبة الإنكليزية بما يربو على ثلاثمئة مقالة ثقافية وخمسة عشر كتابا ما بين نقد وأدب، تُرجم بعضها إلى ست عشرة لغة.

كان أكاديميا من طراز رفيع ومحاضرا مُفَوَّها نادرا، شارك ثمار فكره طلبة السويد واليابان وألمانيا وفرنسا والنمسا. فاز كذلك بجائزتين من جوائز مؤسسة جوجنهايم وبمنح من الهيئة القومية للدراسات الإنسانية، وتولى رئاسة اللجنة التنفيذية للرابطة الدولية لأساتذة اللغة الإنكليزية.

حياة حافلة بالعطاء أخذ بأسبابها بروفيسور الأدب الإنكليزي والأدب المقارن في جامعة ويسكانسن بمدينة ميلواكي (1970- 1999). وحين رحل مؤخرا عن عالمنا، بدون جنازة، عن عمر ناهز التاسعة والثمانين، ما نعاه أحد إلا جامعته. والسرّ عصيّ على الكشف نظرا لأنه واحد من أبرز النقاد والمنظرين الثقافيين في العالم الإنكلوسكسونيّ.

لعله نموذج العالِم المعتكف الصامت، فلم يتقن قط فن التعاطي مع الإعلام أو الترويج لذاته. فقد ارتأى أن العنف العالمي يحدو باللغة إلى الخرس، والصمت ليس سمة من سمات قصص هيمنغواي فقط، وإنما أيضا منبع امتيازه الجوهري وكماله.

كان مفكرا متجردا ألمعيا يحتذى به، ومن المؤسف أن العرب لا يسعهم الادعاء بانتمائه إليهم بما أنه آثر بإرادته الحرة، دون نفي أو تشرد، الانسلاخ عنهم. ولكونه متحفيا منغلقا على ذاته، ما توفرت له شهرة غيره من المفكرين كالفلسطيني إدوار سعيد.

براءة راديكالية

ولد حسن في القاهرة عام 1925 ثم هاجر بحرا إلى أميركا عام 1946. انصرف عن هندسة الكهرباء موضوع دراسته ليحصل على شهادة الدكتوراه في الأدب. انسل علانية من مسقط رأسه دون خجل أو خوف من أحكام الهوية الأخلاقية، فهو يسمي نفسه “أميركيا فحسب من دون فواصل”.

أودت سكتة قلبية بحسن، الشارح الصبور لأفكاره، بعد أن امتدت مسيرته النقدية عبر القرن العشرين لتغطي مدرسة النقد الجديد حتى نظرية ما بعد الحداثة، وما بعدها. استهل أهم دراساته النقدية بدراسة فريدة عن الأدب الأميركي بعد الحرب، “براءة راديكالية: دراسات في الرواية الأميركية المعاصرة” (1961).

وبات النقاد يطلقون تعبير “البراءة الراديكالية” على كل مهمَّش تبعثه براءته على تحقيق الخلاص في عالم يحكمه الإثم والظلم، أو كل منبوذ يترفع عن الإذعان إلى الحياة بشروط المهزوم، ويرنو إلى الخير في الناس، رافضا، تارة من خلال التلاعب، إلا أن يعثر عليه.

ولادة نظرية

في منتصف ستينات القرن الماضي وحتى نهاية العقد نفسه، طرأ تحول درامي على معالجة النقاد للأدب، قديمه وحديثه. والمعضلة كانت أن المخزون النقدي تجرَّد من أية مقاربات مشابهة، وعليه تجرأ حسن ليطلق على المعالجة الوليدة مصطلح “ما بعد الحداثة” بعد أن كوَّن انطباعا غامضا بأنها تقفز خطوات ملحة، بمنأى عن سكوت فيتزجرالدو إرنست هيمنغواي، دانية من تقنيات سردية غير مسبوقة استغلها أمثال توماس بينشون وتوني موريسون، وإن لم يكن الاثنان من روادها.

على الجانب الآخر تخبط غيره من النقاد في محاولتهم تبويب المذهب الناشئ الملغز وكذا المذهب القديم المتهالك الذي لم ينطبق عليه بالفعل ما بين أيديهم من نصوص معاصرة وقتذاك. فما كان من حسن إلا أن نشر في عام 1971 بحثا أشبه بالرسم البياني يحدّد فيه تطور الحداثة وما بعد الحداثة.

إيهاب حسن ينتمي إلى تقليد ثقافي وأدبي كوسموبوليتاني

أوصال أورفيوس

انتقد حسن أولئك المنشقين عن الكتابة المعاصرة وعمالقتها على حد سواء في كتابه “تقطيع أوصال أورفيوس: نحو أدب ما بعد حداثي” (1971). وتطرح أطروحاته عن “ما بعد الحداثة” أوفر التفاسير المنشورة لتجليات المصطلح في سياق التاريخ والأدب والفلسفة والسياسة، وكذا المدارس الفكرية التي خدمها المدلول المضاد -“في الظاهر” كما يؤكد حسن- لنظرية الحداثة.

أمّا كتابه “التحول ما بعد الحداثي: مقالات في نظرية ما بعد الحداثة وثقافتها” (1987)، فيعده الموالون من النقاد والمستهجنون منهم مرجعا كلاسيكيا يمهد تمهيدا شاملا لما جرى للنقد الأدبي من إحالات، وما سبقه من إرهاصات أفضت إلى ما قبل الحداثة.

معارك فكرية

نال حسن نصيبه الكامل من المعارك الفكرية. كثيرون اختلفوا مع نظرته إلى التقدم والنقاء، ومنهم المفكر الياباني ماساو ميوشي، ولا سيما حين احتفى حسن بدولة اليابان المعاصرة في مقالته “عبء التصورات المتبادلة: اليابان والولايات المتحدة” (1990) لأنها “مجتمع لم يشُبْه إلا القليل جدا من الاختلالات الوظيفية المنظورة، مجتمعا ملهما بالعديد والعديد من الإنجازات المنظورة،” واصفا إنتاجها الأدبي -من دون تمييز له- بأنه ما بعد حداثي.

اعترض أيضا عام 1992 في تعليق تحت عنوان “الأوهام والإخفاقات” على نقد الأكاديمي البريطاني مالكوم برادبيري لكتاب المفكر الماركسي الأميركي فريدريك جيمسون “ما بعد الحداثة” حين رمى برادبيري الناقد الماركسي بأنه ينتمي إلى جنس بشري مهدد بالانقراض وأن خيرا لجيمسون أن ينهمك في ما بعد الحداثة عن أن ينبذها ليعود إلى التاريخ الماركسي.

يصف حسن التوبيخ السابق بأنه يفيض بالكياسة إلا أنه يتساءل، “ألم يحن الأوان حقا للاعتراض على تطبيق المقولات الماركسية المستهلَكة على ظاهرة مثل ما بعد الحداثة؟”.

لا ريب أن حسن مهَّد لترسيخ المنهج ما بعد الحداثي حين خلق خريطة أولية لأدبه في مستهل عام 1971، ولكنه لم يلبث أن امتعض من لمسة نصب واحتيـال في المـذهب بأكمله، ربما لطبيعته الانتقائية. تطلـع إلى الماضي فألفى أن ما بعد الحداثة بـاتت “ضربا من المزاح الاصطفائيّ، الشبق المهـذَّب لمتعنا المستعارة وجحودنا التافه”.

ونبرة الندم هذه كانت في الحقيقة شعورا شاع بين عـدد مـن المبشِّـرين الأوائـل، من أبرزهم الفيلسوف الفرنـسي جـان-فـرانو ساليوتار الذي وصم حالة ما بعد الحـداثة بالزيف، “لقد اختلقتُ القصـص، أشرتُ إلى عدد كبير مـن الكتب التي لم أطالعهـا قط، البادي أن هـذا أبهـر النـاس!”. واتفـق حسن معه عندما كتب متفائلا أن التطور ليس من إبداع البشر وأن البشر هم إبداع للتطور.

المدينة كحالة ذهنية

شرَّقت أعمال حسن وغرَّبت، من سبْر لتجارب الترحال والسعي في كتاب “نفوس في خطر: نماذج من السعي في آداب أميركية معاصرة” (1990) إلى تأملات حول مراحل من حياته في كتاب “بين العُقاب والشمس: آثار من اليابان” (1996).

وفي سيرته الذاتية “الخروج من مصر: شظايا من سيرة ذاتية” (1986)، يتوخى مقاربات تمسخ عن عمد كلا من الشكل والقالب. يبوح فيها بتجربة حكيمة لم ترتكن على الفردية قط، بل كانت جمعية تنعكس مباشرة على تأملات الماضي والحاضر والمستقبل. وتشق سبيلا متعرجا، وإن بدا متحفظا بعض الشيء، بين سُبُل الأبدية واقتحامات الوعي الأيديولوجي المتأرجح جغرافيا وتاريخيا. وبين هذه الطبقات المستترة تكمن ما أسماه بديهة الموت والحصر النفسي الإنساني العميق.

هذا لأن حسن آمن بأن بذْر الإنسان لبذور حياة طازجة في دولة غريبة يحث الفرد على التعرف على نفسه وإعادة اكتشافها، بل وصنْعها مرة ثانية بطرق نادرة قد تأتي ثمارها سياسيا واجتماعيا على المدى الطويل.

ثمة كتّاب قبضوا بأقلامهم الضاجة الصاخبة على مفهوم “المدينة الكبرى”، مثلما تعاطى سول بيلو وبرنارد مالامود وفيليب روث مع نيويورك، دون أن يتماهوا بالضرورة معها أو يخضعوا لقهرها المكاني والفلسفي. وحسن يُذكِّرنا بأن روبرت إي بارك حسَب المدينة “حالة ذهنية”، شبكة معرفية أو سيميائية، متفقا مع مارشال ماكلو هانفي اعتباره إياها حقلا كاملا للوعي الشامل.

أميركي خالص

كان حسن قد ألَّف مجموعة قصصية تمس خلفيته المصرية تحت عنوان “الطفل المُسْتَبْدَل وقصص أخرى”، وتحاكي أسلوب الكاتب الأسترالي ديفيد معلوف وتكنيكه. وكتابته عن مصر لا تنمّ عن أي فحوى شوفيني، إذ عاش جل سنوات عمره بهوية أميركية ظنَّها كاملة غير منقوصة.

لم يضطر إلى الاغتراب، بل نَشَدَه بضمير أيديولوجي، مؤمنا بمناداة الفيلسوفة الفرنسية سيمون فاي بضرورة استئصال المرء لنفسه من جذوره حين قالت، “اِقتلِع الشجرة واصنع صليبا ثم احمله معك إلى الأبد”.

ويتضح من هذه الرؤية النقدية أنها تنبثق من تقدير تنظيري بقدر ما تتعلق بحرصه على اعتمار جِلد مختلف. ففي إطار تأمله لحالة الهوية، يسلط حسن الضوء في مقالته “الطِّباق” على فعل الترجمة باعتبارها قضية مهيمنة على الدراسات الثقافية. وبحثه في هذا المجال شهادةٌ إضافية على الدلالات المتفاوتة التي يتضمنها مصطلحا سياسات الهوية والتعددية الثقافية.

وشأنه شأن تيري إيجلتون -ولكن من منظور آخر من الطيف السياسي- يشدد حسن على ما أسماه الأوجه المُلْتَبِسة، بل والمخادعة، للقومية والكولونيالية في جداله ضدّ ما يراه معتقدات سائدة في النظرية ما بعد الكولونيالية ونظرية التعددية الثقافية.

وهنا يعترف حسن بأن لديه “حساسية” من سياسات يجدها إيجلتون مكبوحة في أغلب خطابات ما بعد الكولونيالية والتعددية الثقافية، ولكن حَسَنَا يعيب على مثل تلك السياسات سيطرتها على تلك الخطابات، ويقر بما يخامره من نفور وضجر عندما يفسر زملاؤه من الأكاديميين الأميركيين الدراسات الثقافية على نحو آلي خالص في نطاق تحليلات ومصالح سياسية. وعليه، بينما تعني سياسات الهوية لنقاد آخرين “إقليمية ما بعد حداثية”، يتعامل معها حسن تعامله مع انتماءات قسرية أو انفصالية جماعية؛ غريزة الالتصاق، أو محو الخصوصية.

"نفوس في خطر" سبر لتجارب الترحال

لا عقدة كولونيالية

يكتب حسن في بعض الأحيان من منطلق الوافد طواعية، وإنما بدون شفقة أو رثاء للذات. ولأنه اختبر في مصر ألوانا من الكولونيالية الثقافية البريطانية والأميركية، أسبغت تلك الألوان مسحة كوسموبوليتانية على خياله وفكره الأدبي. لذلك يتحاشى “العقدة الكولونيالية” إن استدعينا عنوان كتاب ستيفن جيه أوتيس، ويفرد سيرته في صورة وسيط لدراسة ماهية “النظرية والأيديولوجيا وفخر العقل”، واضعا بداوة الفكر مقابل التعددية الثقافية باعتبارها “العناية بالجذور وحراثتها، ابتغاء التجذُّر ومحاكاته”.

يطلعنا على سيرته رغم رأيه أن السير الذاتية خدَّاعة، ورغم اعتقاده بأن السرد الذاتي في عصر التنمر ما هو إلا أداة من أدوات التمكين الذاتي. ولكن سيرته هذه تنبئ عما يتجاوز هذه الشفقة المبطَّنة، “لقد وُلدتُ في مصر، لقد عبَرتُ.. وما في ذلك؟ إنني أعتبر ولادتي في القاهرة مصادفة، حادثة، وليس قدرا.. لا مراء أنها حادثة مترعة بالأصداء، عاجة بالذكريات. ولكن هل تكفي لتعزيز الشعور برثاء المنفى، بطقوس الاغتراب الفارغة وأهوال الانتقام؟”.

وهكذا لم تتسم انتماءات حسن بحس قومي، ولم تتشكل عبر ثقافة الأقليات، بل انتمت إلى تقليد ثقافي وأدبي كوسموبوليتاني. وقد فسَّر لغته الاستعارية بأنها رغبة في ترجمة مفتوحة وتمييز للذات بلا حدود. والغريب أن أمل حسن في “أن تضارع جماليات التعددية الثقافية ذات يوم أخلاقياتها وسياساتها” يعيدنا إلى قضية المهمة السياسية والأخلاقية للدراسات الثقافية ذاتها.

كان القلق ينتاب حسن على مصير الآداب ودراستها في عصر التكنولوجيا والإنترنت. لم يكن ديناصورا يشجب الوسائط الحديثة إلا أنه سلَّم بوجود تحديات تواجه الآداب في العصر الرقمي، وهي تحديات أحيانا ما يستجلبها الأكاديمي على دراسته. لذلك اقترح هيكلتها في إطار تصور غير أرثوذوكسي عن الثقافة واللغويات.

ومن هنا راح يناقش أعمال شكسبير وباسكال وإيميلي ديكنسون ونيتشه ووليام جيمز وهارولد بلوم ليثْبت أن مبدأ الإخلاء اليسوعي القائل بتجريد الذات لا محل له، ولن يفي بالغرض في مواءمة الآداب مع عصر التقنيات المعاصر.

أوهام وإخفاقات

ومثله كمثل تيري إيجلتون، تظل مفاهيم حسن مترددة ما بين اعتناق الإرث الأيديولوجي لليبرالية واستنكافه، ولكن حسن يضع هذا التأرجح على نحو مؤسسي، كجزء من دور بيداغوجيّ يلعبه المفكرون الثقافيون. ومهمتهم تسوية الخلاف بين أنظمة قِيمَة تضمر في طياتها التضاد، سعيا إلى تحييد تحيُز لا مناص منه تؤول إليه أحكامهم، وفي الوقت ذاته حماية “رأس المال الثقافي” وإعادة إنتاجه، وعليه تعتمد مصالحهم باعتبارهم “فئة معرفية”. وهنا يحلل حسن عن كثب وبالتفصيل دور المعلم- المفكر بصفته شخصية نموذجية تعنى بنقد الذات ومالِك لرأس المال الثقافي.

وفي السياق ذاته اعتقد حسن أن المؤسسات الأكاديمية غصَّت بلا سبيل إلى الكبح بالأوهام والإخفاقات من جانب كلا اليسار واليمين، و”شبِعت من نظريات لا تعوقها الحقائق الاجتماعية أو التطور التاريخي”.

ولكنه، ومن قلب الجامعة بأفكارها النظرية المتصلبة، جلب إلى النقد الأدبي نبضات متبصرة تتوهج شبابا، في وقت شهد تقلبا متواصلا، متذبذبا من مدرسة فكرية إلى أخرى.

وقد تنطبق على عقله النابض بالنقاء، وكذا القصص القصيرة التي خطها في سنواته الأخيرة، كلمات الفيلسوف الفرنسي جاك ماريتان في كتابه “تأملات حول أميركا”، “عميقا أسفل الابتسامة الأميركية مجهولة الهوية، يقبع إحساسٌ إنجيليّ الطابع، تعاطف مع الناس، رغبة في جعل الحياة محتملة. إن هذه الابتسامة الرمزية نوعٌ من الرد مجهول الهوية على الروح البشرية، الرافضة أن تعترف بهزيمتها”.

15