رحيل الأسد كشرط للحل السياسي يثير جدلا بين فرنسا وأميركا

الثلاثاء 2015/09/29
أغلب الدول تعارض بقاء الأسد في السلطة كجزء من المخرج السياسي

واشنطن/باريس - بقاء الأسد في السلطة من عدمه في سياق المقاربات المختلفة والمتناقضة أحيانا التي تطرحها القوى الدولية الكبرى في الآونة الأخيرة شكل مجالا للجدل بين مختلف الآراء والقراءات.

فهناك من الدول من تحرص على بقاء النظام وعلى رأسه بشار الأسد في إطار لعبة التموقع الدولي ومجالات الهيمنة، ولعل روسيا أهم تلك الأطراف العالمية الساعية إلى الحفاظ على النظام لحسابات تهم الانتشار المحاذي للبحر الأبيض المتوسط.

في الحين الذي تبحث فيه الولايات المتحدة عن محاصرة المجال الروسي بإسقاط كل حلفائها، وهو الأمر الذي اتضح أكثر بعد التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران في المدة الأخيرة.

هذا التقابل الرئيسي بين سياستي القوتين، قسم بدوره أغلب الدول إلى أطراف تعارض بقاء الأسد في السلطة كجزء من المخرج السياسي الذي يناقش الآن، وأطراف أخرى تتمسك ببقاء الأسد باعتباره طريقا إلى سلطة انتقالية.

والجدير بالانتباه، أنه وإن طالت مطالبة أميركا بتنحي الأسد للدخول في حوار لانتقال السلطة، إلا أن الولايات المتحدة الأميركية اليوم تغير موقفها بشكل فجئي لتقول إن الأسد لا يمكن له أن يخرج من السلطة الآن، حسب تصريح وزير الخارجية الأميركية جون كيري مؤخرا.

وقد أدى هذا التغير المفاجئ إلى ارتباك في مواقف دول أخرى مثل فرنسا، التي عبر وزير خارجيتها لوران فابيوس عن تمسك بلاده بخروج الأسد لأنه جزء من الأزمة.

خروج الأسد ضروري للوصول إلى حل سياسي

لوران فابيوس: ولد سنة 1946، وهو سياسي فرنسي انتمى مبكرا للحزب الاشتراكي، تولى رئاسة الحكومة في عهد فرانسوا ميتيران ثم رئاسة الجمعية العامة، يشغل الآن وزيرا للخارجية

قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس إن الرئيس السوري بشار الأسد “لا يمكن أن يلعب أي دور في انتقال سياسي في المستقبل لأن ذلك لن يقبله الشعب السوري بعد سقوط عدد كبير من القتلى بأيدي حكومته”.

وقد كان البعض من المسؤولين الغربيين قد لمحوا في الأسابيع الماضية إلى دور يمكن للرئيس السوري أن يلعبه بغية التوصل إلى حل سياسي تفاوضي للصراع في بلاده، بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب الأهلية التي قتل فيها نحو 240 ألف شخص.

وقال فابيوس أحد أشد المنتقدين للأسد في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك “إن رحيل الأسد فورا ليس شرطا مسبقا لمحادثات لإنهاء الأزمة، لكن يجب ألا يكون له أي دور في المستقبل باعتباره المسؤول عن 80 في المئة من القتلى الذين سقطوا في سوريا”. وأشار فابيوس في السياق إلى أن أزمة اللاجئين التي تعاني منها أوروبا الآن تسبب فيها بشار وجيشه بالأساس.

وأضاف للصحفيين “كان هناك كثير من الكلام في الأيام القليلة الماضية عن دور الأسد وما إذا كان يمكن أو يجب أن يكون عنصر استقرار في سوريا”، لكنه أكد أن الأسد جزء من الأزمة وعلى جميع القوى الدولية أن لا تعالج المشكل من زاوية “نفس اللاعبين” حسب تعبيره.

وأضاف فابيوس في توصيفه لموقف بلاده من بشار الأسد قائلا “الحقيقة أنه الشخص الرئيسي المذنب في الفوضى الحالية، وإذا كنا سنقول للسوريين إن المستقبل سيكون مع الأسد سنعرض أنفسنا عندئذ للفشل”.

وقال فابيوس إنه يؤيد مبادرة مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا للسعي إلى انتقال سياسي سريع ويهدف إلى إعادة الأمن والاستقرار.

وأضاف “يجب أن نضاعف جهودنا”، مشيرا إلى أنه سيناقش ذلك في الأيام المقبلة مع الولايات المتحدة وتركيا وإيران وروسيا والسعودية. وقال فابيوس أيضا إن بلاده تأمل في أن توضح روسيا نواياها العسكرية في سوريا في الأيام المقبلة.

ويقول مراقبون إن التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الفرنسي مؤخرا، تتباين إلى مدى بعيد مع تصريحات له في الأيام الماضية حول مسألة بقاء الأسد من عدمها في مفاوضات الترتيبات السياسية لسوريا في المرحلة القادمة. إذ سبق أن صرح فابيوس في خصوص الأسد قائلا “إن تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم أطرافا من النظام والمعارضة أمر ضروري”، معتبرا في الوقت نفسه أن “المطالبة برحيل الرئيس بشار الأسد كشرط مسبق لحل الأزمة ليس واقعيا”.

وتعود هذه التباينات في التصريحات حسب مراقبين إلى التغيرات اليومية التي تحدث نتيجة اللقاءات المتتالية بين قادة العالم في موسكو وواشنطن وباريس ولندن.

ومن دون أن يذهب إلى حد قول ذلك صراحة، كما فعلت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي أكدت أنه يجب التحاور مع الأسد، لم يطرح فابيوس مسألة رحيل الرئيس السوري كشرط مسبق لمفاوضات. ودعا الوزير الفرنسي من جديد إلى “تشكيل حكومة تضم عناصر من النظام وأعضاء من المعارضة التي ترفض الإرهاب”. وأضاف أن “هذه المحادثات في سوريا لا يمكن أن تكون مشروطة مسبقا بأن بشار الأسد سيكون حاكم سوريا الأبدي المقبل”.

ولكن الوزير الفرنسي أعاد صياغة مواقفه بشكل أكثر تشددا بعد هذه التلميحات التي تطابقت في مدى ما مع الموقف الأميركي، وقال بمناسبة لقاء مع الصحفيين للحديث عن تطورات تحركات فرنسا في خصوص حل الدولتين بين فلسطين وإسرائيل “إن فرنسا لا ترى داعيا لبقاء الأسد بأي حال من الأحوال لم يكن الأسد جزءا من أي خطة أو بديلا يطرحه المجتمع الدولي”.

يمكن للأسد أن يكون طرفا من الحل السياسي

جون كيري: ولد سنة 1941 وهو خريج جامعة بوسطن سنة 1976، كان من جنود الحرب ضد الفيتنام، عين وزيرا للخارجية في إدارة باراك أوباما سنة 2013 خلفا لهيلاري كلينتون

قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري مطلع الأسبوع الماضي إنه ليس بالضرورة أن يكون خروج بشار الأسد من السلطة “في اليوم الأول أو الشهر الأول”. وذلك في رده عن سؤال حول مدى موافقة الولايات المتحدة الأميركية على بقاء بشار الأسد في السلطة في حال تم التوصل إلى صيغة سياسية انتقالية في سوريا يكون الأسد طرفا فيها.

وقال جون كيري إن بلاده ترى أن عملية تجاوز الوضع برمته في الشرق الأوسط تتطلب “روية وحكمة” في إدارة هذه المخرج، ملمحا أن التوافقات بين أميركا وروسيا وبريطانيا وباقي القوى الكبرى في العالم رأت أن بقاء الأسد أمر “معقول” في هذه الفترة.

وقال مسؤولون أميركيون وغربيون في السياق إن وزير الخارجية الأميركي جون كيري حاول طرح مبادرة جديدة للتوصل لحل سياسي في سوريا، خلال اجتماعات يعقدها في نيويورك تبدأ بمحادثات مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف.

وقال المسؤولون إنه بعد دعم عملية سلام للأمم المتحدة أخفقت في إنهاء الصراع السوري، سيختبر كيري عدة أفكار لنهج جديد خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال الأيام المقبلة.

وقال كيري إنه قد يجمع هذا النهج الجديد بين روسيا وهي حليف رئيسي لبشار الأسد والسعودية ودول مثل تركيا وقطر اللتين تدعمان جماعات المعارضة السورية. وأكد كيري أن “بقاء الأسد في نظر الولايات المتحدة ليس سوى أداة لتحقيق الإجماع المبدئي حول حل ما للأزمة السورية”، مضيفا أن أميركا لا تريد بأي حال من الأحوال بقاء الأسد “لكن اللقاء الدولي حول طاولة واحدة قد يتطلب ذلك”.

وأضفى التعزيز العسكري الروسي المفاجئ لدعم الأسد وأزمة اللاجئين التي امتدت من المنطقة إلى أوروبا إلحاحا جديدا لمحاولات حل الصراع السوري. وبعد ثلاث سنوات من الاتفاق على بيان جنيف وهو وثيقة حددت الخطوط العريضة بشأن طريق سوريا للسلام والتحول السياسي، أخفقت عملية الأمم المتحدة في تحقيق تقدم في التوسط لإنهاء الحرب.

وقال كيري “ومن ثم سترون جهودا للتوصل لصيغة ما تعيدنا إلى مفاوضات جوهرية حقيقية، لكن مرحليا علينا التمسك بكل الخطوات التي تحملنا إلى التهدئة وهي أمر ضروري جدا”.

ليس بالضرورة أن يكون خروج بشار الأسد من السلطة في اليوم الأول أو الشهر الأول، إذ يمكن أن يكون الأسد جزءا من المخرج السياسي

وقال كيري إنه بصدد النقاش في الموضوع السوري خاصة مع الجانب الإيراني أيضا، مؤكدا أن الملف السوري “يعد نقطة مرتبطة بشكل أو بآخر بنتائج المفاوضات حول الملف النووي الإيراني”. وتعد إيران حليف قوي للأسد وتدعم في سوريا أنشطة جماعة حزب الله اللبنانية التي تقدم للأسد دعما قويا.

ويعترف جون كيري بأنه من أجل التوصل لانفراجة سياسية في سوريا لابد وأن تلعب إيران دورا في نهاية الأمر. وقالت إيران إنها مستعدة للجلوس مع منافسين لبحث الأزمة في سوريا.

وقال كيري في السياق “نعرف بالتأكيد وجود مصالح متوازية بشأن سوريا”، وأضاف “هناك حساسيات سياسية كبيرة في إيران بشأن إجراء هذه المحادثات ربما بعض القيود ولكن من المهم المشاركة إلى المدى الذي نستطيعه”. وأكد مراقبون أن هذه التصريحات توحي بأن الولايات المتحدة فعلا ترى أن بقاء الأسد يعد من بين الحلول المتاحة للتهدئة.

وقال مسؤولون أميركيون إن كيري لم يكن يريد مناقشة الوضع في سوريا في نفس الوقت الذي كانت تجري فيه المفاوضات بشأن التوصل لاتفاق نووي إيراني، في يوليو، لأنه لم يكن يريد أن تعتقد إيران إن بإمكانها المقايضة على تنازلات بشأن سوريا.

وقال جون كيري “نؤيد تماما عملية الأمم المتحدة ونتطلع لاستكشاف سبل أخرى، ولكن المبدأ الأساسي بضرورة رحيل الأسد يعد قولا غير ملائم للسياق الحالي، وعلى الجميع النظر إلى أفق السلام”.

فرنسا تكثف غاراتها على داعش لتحسين موقعها السياسي في الحل المفترض

فرنسا تسعى لأن يكون لها دور في الحل السياسي للأزمة السورية

باريس- اعتبرت مجموعة من الخبراء أن الضربات الجوية مثل تلك التي يشنها الطيران الفرنسي في سوريا لا يمكن أن تمنع حصول مؤامرات إرهابية في فرنسا لكنها تسمح لبــاريس باتخاذ موقف وتوجيه رسالة.

ورأى هؤلاء الخبراء أنه بإرسال فرنسا لطائراتها الحربية، بشكل مستقل عن الولايات المتحدة، لضرب مواقع تنظيم الدولة الإسلامية، فإنها تهدف بذلك إلى البقاء داخل اللعبة والسعي إلى أن يكون لها دور في أي حل سياسي للأزمة السورية.

وقال المدير السابق لجهاز الاستخبارات الفرنسي “إن القول أننا سنمنع بطائراتنا مؤامرات إرهابية في فرنسا حجة رديئة، مثلما حصل عندما قالت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إن صدام حسين يتعاون مع تنظيم القاعدة لتبرير اجتياح العراق”. ويضيف المدير السابق لجهاز الاستخبارات الفرنسي أنه “أمام عدو متحرك يختلط بالسكان منذ أسابيع، فإن فرص تدمير مركز قيادة أو معسكر تدريب أو منزل يشغله جهاديون منهمكون بتدبير هجوم في فرنسا بنيران طــائرة رافــال هي فرص شبه معدومة”.

وتابع قائلا “اليوم الطريقة التي تنظم فيها الاعتداءات في فرنسا هي أن أشخاصا مستقلين يتصلون في وقت ما بشخص لا يتواجد قطعا في سوريا يدفعهم للقيام بأمر معين”. وأضاف “يقول لهم على سبيل المثال اذهبوا إلى هذا المكان وستجدون كلاشنيكوفات، افعلوا ما تستطيعون فعله بها، وذلك لن يكون ممكنا منع حدوثه بقصف معسكر معين في سوريا”.

هجومات فرنسا رسائل سياسية تبعث بها إلى المجتمع الدولي بأنها شريك في مآلات الوضع السوري مستقبلا

وبرأي إريك دينيسيه مدير المركز الفرنسي للأبحاث حول الاستخبارات فإن استخدام القوة الجوية في إستراتيجية مكافحة الإرهاب لا معنى له البتة، وقال “القول بأننا سنمنع هجمات إرهابية في فرنسا من خلال غارات جوية في سوريا هو، وهنا أزن كلماتي، أمر تافه كليا”، “فعندما يفعل الأميركيون ذلك ويشنون آلاف الضربات كما فعلوا في العراق، يمكن أن يكون له وقع محدود، لكن بالنسبة لفرنسا في سوريا لن يكون هناك سوى بضع ضربات رمزية. إنها من قبيل الإيماءات، وبمثابة ذر للرماد في العيون لخداع الرأي العام”.

وتؤكد آراء الخبراء أن التدخل العسكري الفرنسي في سوريا ضد تنظيم داعش، وخاصة تصاعد كثافة الغارات مؤخرا، هو بالأساس رسائل سياسية تبعث بها فرنسا إلى المجتمع الدولي، وهو أنها شريك فاعل في ما سيتم من نقاشات حول المآلات السياسية والحلول الممكنة في المستقبل، خاصة وأن الغارات الفرنسية متبوعة بشكل مستمر بتصريحات رسمية تتعاطى مع تطورات الاجتماعات الدولية بشأن سوريا.

واعتبر المدير السابق لجهاز الاستخبارات أن تبدل موقف فرنسا التي شاركت في بعض الغارات الجوية على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وليس في سوريا، هو سياسي أكثر منه عسكري”. وقال “إن ما نريده هو إظهار أننا موجودون في سوريا، وأنه سيتعين التعامل معنا من أجل الحل السياسي الذي بدأ يرتسم في الأفق، بالطريقة نفسها التي يبديها الروس من خلال تعزيز قواتهم على ساحل البحر المتوسط”.

12