رحيل الزمان الجميل

في هذا المناخ القاتم صارت الثقافة شيئا هامشيا، وصارت الأقسام الثقافية في الصحف اليومية الجزائرية ضحلة، كما أنها لا تتجاوز صفحة واحدة أو صفحتي.
الجمعة 2018/12/21
الحياة الأدبية والفنية تغيرت

هناك ظاهرة مركبة سلبية بدأت تبرز إلى السطح، في المشهد الثقافي الجزائري، منذ انفجار العشرية المدعوة بالسوداء التي دمرت الكثير من القيم الجميلة في المجتمع الجزائري وتتمثل هذه الظاهرة في تغييب المعايير في الترويج للتجارب الأدبية والفنية في مختلف وسائل الإعلام الوطنية.

من الملاحظ، مثلا، أن الصحافة الأدبية الجادة والمزدهرة التي كانت تعرفها الجزائر منذ الاستقلال حتى دخولها في نفق الصراع الدموي في ثمانينات القرن الماضي، قد زالت من الوجود، ولم يعد هناك سوى كمشة من الأخبار الثقافية التي تغلب عليها الإثارة السريعة ومرض العلاقات الشخصية على مستوى الصحف اليومية والأسبوعية المقروءة، والإذاعة المسموعة والقنوات التلفزيونية، ويتناقض هذا مع حصيلة العقود الأربعة الماضية من عمر الاستقلال الجزائري حينما كانت الأقسام الثقافية في الصحف اليومية والأسبوعية تسند إلى كفاءات مقتدرة ومتخصصة غالبا في الشأن الثقافي بشكل عام وفي النقد الأدبي والفني بشكل خاص.

والجدير بالذكر هو أن تلك الكفاءات قد قامت بدور إيجابي في تنشيط الحياة الأدبية والفنية وفي إبراز المواهب في مختلف الأجناس الأدبية وتقديمها والدفاع عن إنتاجها، وفي متابعة ما يطبع من مؤلفات بالعرض والتحليل بشكل مسؤول وحرص دائم.

أما في أيامنا هذه فقد اختفت كل هذه المظاهر الصحية حتى كاد الجمود أن يصبح سيد الموقف وقد كرس ذلك وجود أشخاص على رأس أقسام الثقافة والفنون في الصحف والإذاعة والفضائيات لا علاقة لهم بالتخصص أو حتى بالإحساس بمسؤولية ترقية مختلف أشكال التعبير الثقافي الوطني، الأمر الذي كرس غياب النقد الجاد الذي يتابع بالتحليل ما يصدر من إنتاج في الحقول الثقافية والفكرية في الوطن وفي العالم.

وبالإضافة إلى هذا الركود الذي استشرى ولا يزال يستشري هناك ظاهرة مقلقة جدا وتتمثل في غلق وسائل الإعلام الجزائرية لأبوابها أمام تنوع الإنتاج الثقافي والفني والفكري العربي والأفريقي والغربي والأسيوي، بحيث يندر أن ترى فيها تقديما للكتب المهمة الصادرة حديثا في العالم.

في هذا المناخ القاتم صارت الثقافة  شيئا هامشيا، وصارت الأقسام الثقافية في الصحف اليومية الجزائرية ضحلة، كما أنها لا تتجاوز صفحة واحدة أو صفحتين، وتسند مهمة الإشراف عليها إلى صحافيين مبتدئين يفتقرون إلى التكوين الثقافي والفني والفكري الذي يؤهلهم لخلق المناخ الإيجابي، واستقطاب الأقلام الجادة وطنيا وعربيا ودوليا والقيام بتحريك الساحة الثقافية والفنية والأدبية والفكرية، والإشراف على ما ينبغي أن ينشر من إنتاج راق.

إلى جانب هذه النقائص الفادحة يلاحظ عدم وجود قانون ملزم ينظم العلاقة المادية والأخلاقية بين الكتاب والمبدعين المنتجين وبين وسائل الإعلام التابعة للدولة أو للقطاع الخاص.

15