رحيل "الساحر" محمود عبدالعزيز الذي خطف قلوب الناس

نادرا ما تجد مبدعا على اختلاف فروع الإبداع وصنوفها، يحقق الإجماع، فيخطف قلوب ناس وأذهان ناس واهتمام ناس، فيجتمع هؤلاء تحت سقف واحد هو القيمة الفنية الثابتة لهذا المبدع. هذا أمر نادر فعلا، ولا يحققه مبدع إلا وضمن خلود اسمه من جيل إلى آخر، من جغرافيا إلى أخرى. وهذا تماما ما حققه الفنان المصري الكبير محمود عبدالعزيز، الذي رحل جسدا وسيبقى المبدع الحي دائما أبدا.
الاثنين 2016/11/14
أسلوب خاص وأدوار متعددة

طويت صفحة جديدة من كتاب الفن المصري، عندما غيّب الموت ساحر السينما المصرية، محمود عبدالعزيز، السبت عن عمر ناهز 70 عامًا بعد صراعه مع مرض نادر، قدم خلالها 84 فيلمًا، والعديد من الأعمال الدرامية التلفزيونية. وتم أمس الأحد، تشييع جثمان الفنان الراحل، من مسجد الشرطة بالقاهرة، ثم نقل إلى مقابر الأسرة بالإسكندرية، مسقط رأسه، حيث دفن هناك، وسط حضور لافت من كبار المثقفين والفنانين، وممثلين وكتّاب ومخرجي السينما المصرية.

الساحر الصادق

بدأت رحلة عبدالعزيز الفنية، من الإسكندرية على البحر المتوسط، التي ولد فيها في العام 1946، ودرس بها في كلية الزراعة، ثم انتقل إلى القاهرة، وهناك منحه المنتج والمخرج الراحل، رمسيس نجيب، أول أدوار بطولاته السينمائية، في فيلم، "حتى آخر العمر"، الذي أدى فيه دور أحد أبطال حرب أكتوبر 1973. بعدها قدم "الساحر"، وهذا هو لقبه وسط محبيه، أدوارًا ذات بعد تنويري، حيث تعرض لمشاكل المجتمع، وأزماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية،، كقضايا الإدمان، والفقر، والبطالة، وضياع أحلام الشباب، والعنوسة، والفساد، وكبت الحريات، وغيرها.

وتحدث زملاؤه عن الدقة الشديدة التي تعامل بها الفنان الراحل مع أعماله، فلم يكن يضيق صدره أبدا، لتكرار المشهد، إذا كان به خطأً ما، وكان يتمتع بدرجة كبيرة من الحساسية. المخرج داوود عبدالسيد، الذي قدم معه عبدالعزيز، واحدًا من كلاسيكيات السينما المصرية، فيلم "الكيت كات"، اعتصره الألم، وقال إن السينما المصرية، لم تستطع استغلال موهبة الفنان الراحل الاستغلال الأمثل، خصوصا في السنوات الأخيرة.

مواقع التواصل الاجتماعي، تحولت، إلى دفتر عزاء ضخم على روح عبدالعزيز، كما كان فراق الفنان صعبا على كل من ودعه بحضوره إلى جنازته مثل الفنان السوري جمال سليمان والإعلامي عمرو الليثي ونهال عنبر ونادية الجندي وريهام عبدالغفور ويوسف شعبان وغيرهم الكثيرون، فلم يخف صديقه حسين فهمي أن “الخبر نزل علي كالصاعقة، فقدت اثنين من أعز أصدقائي، ولم يبق سواي”.

بدوره قال الممثل المصري سمير غانم” صعب أن تجد أحدا مثل محمود عبدالعزيز اليوم، رفيق عمري، وابن دفعتي بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية”. كما نعى الفنان وزير الثقافة المصري الكاتب حلمي النمنم وزير الثقافة، قائلا “محمود عبدالعزيز، فنان مصري عظيم، أثرى الحياة الفنية المصرية بموهبته والتي جعلت منه ساحرا بحق.

هذا وقررت إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، إهداء دورتها الثامنة والثلاثين، إلى روح محمود عبدالعزيز، وهي الدورة التي تنطلق فعالياتها غدا الثلاثاء، وقالت الفنانة إلهام شاهين، الرئيسة الشرفية للمهرجان، إن رحيل عبدالعزيز، يمثل فقدا، لرمز وفارس للفن، عبّرت أعماله بصدق عن المجتمع. وقد بث التلفزيون المصري مراسم تشييع جنازة محمود عبدالعزيز أمس الأحد بشكل مباشر، لما للفنان من شعبية كبيرة في مصر وخارجها.

أسلوب خاص

لم يكتسب الممثل المصري، محمود عبدالعزيز، لقب “الساحر”، من مجرد اسم لأحد أفلامه، بل حازه لجملة من المقومات، تميز بها هو وحده، فصارت عنوانا لشخصيته، أهمها البساطة والعفوية وتلقائية الأداء، والتي كانت قنطرة نجاحه الكبير، وسر اختطافه قلوب “ولاد البلد” البسطاء والعفويين مثله، وكانت قضايا الفقراء المحور الأساس في أعماله، ولعل ذلك ما جعل منه واحدا من القلائل الذين غاصوا في خفايا حياة المهمشين.

عندما يذكر اسم محمود عبدالعزيز، تقفز على الفور إلى الأذهان صورة الشيخ حسني، ذلك الضرير الفقير، الذي يأبى الاعتراف بإعاقته، وهو الدور الذي يكاد يكون ثمة إجماع بين النقاد، على أنه أهم أدوار عبدالعزيز في السينما على الإطلاق. فهو على خلاف كل الفنانين، الذين لعبوا دور “الكفيف” في الدراما المصرية، أبدع من خلال فيلمه “الكيت كات” في إضفاء حالة من الصدق والواقعية، لم ينافسه فيها أحد، على هذا الضرير، الذي يصر على مواصلة الحياة بعذاباتها وبهجتها، ويقود دراجته البخارية (الموتوسيكل) في واحد من أجمل وأهم مشاهد السينما المصرية على الإطلاق.

ويُعد فيلم "الكيت كات"، من أبرز المحطات الفنية، التي حصد عليها عبدالعزيز، العديد من الجوائز، أبرزها جائزة مهرجان دمشق السينمائي، والإسكندرية السينمائي، بالإضافة إلى أفلامه، "سوق المتعة"، و"الساحر"، و"القبطان"، و"العار"، و"الكيف"، التي حقق بها مرحلة جديدة من تميزه الفني.

أسلوب خاص

الفنان الإسكندراني “أبو دم خفيف” كما يقولون عنه، أدرك أسرار جاذبيته مبكرا، فجعلها ملمحا واضحا في أعماله، التي طالما كانت الأكثر قربا من المشاهد، بما تميزت به من الصدق والواقعية.

تمرد على الوسامة

نجح الفنان المعجون ذكاء وبهجة، بعد أعوام قليلة من بداية رحلته الفنية في منتصف سبعينات القرن الماضي، في التمرد على قالب “الفتى الوسيم”، الذي كان من الممكن أن تسجنه فيه ملامحه الجذابة الهادئة، وبدأ في تغيير المسار بسرعة، ليصبح الرمز الأهم للتعبير عن قضايا الشباب، خاصة الفقراء منهم، بكل متغيراتها الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في المرحلة الجديدة التي بدأها المجتمع المصري عقب حرب أكتوبر 1973.

كثيرة هي القضايا التي كانت خطوطًا رفيعة جسدت في ما بعد نسيج الأزمات المجتمعية المصرية اللاحقة، وهنا قدم “الساحر” (كما يطلق عليه معجبوه)، أعمالًا تشبه الكوميديا السوداء، لم يكن الضحك فيها مجرد تسلية أو هدفا، بل دراما هزت قلوب كل الذين شاهدوها. من ينسى فيلمه “سيداتي آنساتي”، الذي قدم فيه قصة شاب حاصل على الدكتوراه، بينما يعمل عامل مكتب (ساعيا) بسيطا، لزيادة دخله، وفي المصلحة الحكومية التي يعمل بها تقرر أربع موظفات معا الزواج منه، في وقت واحد، للتغلب على أزمة العنوسة.

في هذا الفيلم، وضع عبدالعزيز يده على قضية العنوسة وضياع المكانة والتقدير لأصحاب الدرجات العلمية. الساحر، الذي تخطت تجربته الفنية الأربعين عامًا، لم يكتف بنجاحاته السابقة، بل ظل يطارد ويصطاد القضايا الذكورية، التي صوّب بصره نحوها، بمنتهى التركيز.

خاطب في أعماله فئتي “الثلاثينات والأربعينات”، هذه المرحلة العمرية التي ناقش فيها الفنان الكثير من الأزمات، والتي كان “الفقر”، هو الخط الرئيس المحرك لأحداثها، مع اختلاف وتنوع الظروف. حزمة من الأعمال قدمها عبدالعزيز مع شركاء جيله، منهم الفنان الراحل نور الشريف، وحسين فهمي، ويحيى الفخراني، وفي القلب منها “جري الوحوش” الذي جسد فيه شخصية رجل فقير، يتم استئصال جزء من مخه وزرعه في دماغ رجل آخر غني، يعاني من عدم الإنجاب.

تبعت ذلك أعمال “2/1 أرنب”، “الكيف”، “سكة الندامة”، “الدنيا على جناح يمامة”، العار” وأعمال كثيرة غيرها، كان القاسم المشترك فيها ليس فقط الكشف عن مرحلة الفقر المدقع الذي وصل إليه المجتمع، بل أيضًا التحطم والانكسار والإحباطات، التي ضربت الشباب، عندما أصبحت فوضى التجارة المحظورة، “المخدرات”، هي وسيلة الهروب من أزمات الواقع.

حتى عندما اقتحم الساحر عالم الجاسوسية، احتفظ ديفيد سمحون العميل في إسرائيل (وهو لقب عبدالعزيز في مسلسله الشهير “رأفت الهجان”)، بملازمته للطبقات البسيطة، وتكرر ذلك على مستوى أعماله التلفزيونية أو السينمائية اللاحقة. وقدم مجموعة من الأعمال، التي باتت رمزًا في التراث الفني للحقبة الماضية، ومنها مسلسل “رأفت الهجان” بأجزائه الثلاثة، وفي الوقت ذاته استطاع تقديم شخصية “الجاسوس” بالدرجة الصادقة نفسها من الإحساس والتفاعل كما في فيلمه “إعدام ميت”.

لم تكن الموهبة وحدها وراء تلك النجومية وهذا الألق في مشوار الفنان، بل صحبها الاجتهاد والدأب والحرص على التفاصيل الدقيقة جدا، فكان يذهب إلى ماسبيرو (مبنى التلفزيون المصري)، ليشاهد الأعمال التي يشارك فيها، أولا بأول، في أثناء الإعداد لها وتصويرها. نجح الساحر في خلق أسلوب خاص به خلال تقديمه لأي شخصية يؤدي دورها، وذلك من خلال متلازمة نجاحه، التي تمثلت في “كراسات التحضيرات”، التي تحمل أكوادا خاصة بكل مشهد داخل العمل، وما يلازمه من ملابس وإكسسوارات وردود أفعال.

أقام عبدالعزيز شراكة فنية -“دويتو”- ناجحة مع الفنانة الراحلة معالي زايد، وكانت شراكة سخرت من قوانين وتقاليع الواقع المعاصر، فإلى جانب فيلم “سيداتي آنساتي”، والذي لعبت فيه زايد دور إحدى زوجاته الأربع، قدما معا سلسلة من الأفلام الناجحة، منها “الشقة من حق الزوجة”، والذي كان خير تعبير عن الخلافات الزوجية، وكذلك “السادة الرجال”، الذي يحكي عن قصة سيدة تقرر التحول إلى رجل بسبب إهمال زوجها لها، وهي القضية التي أحدثت جدلا كبيرا، بسبب تعرضها لفكرة المساواة بين الجنسين.

ثم فاجأ عبدالعزيز جمهوره، الذي طالما رسم الابتسامة على وجهه، من خلال فيلمي “الكيف”، و”الشقة من حق الزوجة” عام 1985، بتقديم دور مختلف في العام التالي، هو شخصية العقيد توفيق شركس في فيلم “البريء”. رصد الفيلم أوضاع المعتقلين من أصحاب الرؤى السياسية المخالفة للنظام السياسي، وهنا بدا “الساحر” متحديًا لنمط الكوميديا الذي قدمه بأعماله قبل فيلم “البريء” مباشرة، وأكد التحامه مع شخصياته المختلفة، التي يتنوع فيها من عمل إلى آخر، ليحتفظ بالدرجة نفسها من الإقناع بالأداء التمثيلي بين هذا وذاك.

رجل في السبعين

ربما لم تكن الدراما التلفزيونية صاحبة النصيب الأعظم في مشوار النجم الكبير، الذي بدأ بمسلسل “الدوامة”، ثم “الإنسان والمجهول”، و”شجرة اللبلاب”، و”لقيطة”، و”رأفت الهجان”، و”محمود المصري”، انتهاء بـ”رأس الغول”، الذي عرض في رمضان الماضي، وبذل من خلاله جهدًا كبيرًا، خصوصًا مع مشاهد المطاردات البوليسية التي صاحبته، وهو ما أدى إلى حالة الإرهاق التي لازمته بعد ذلك. بين شخصيات الفنان المخضرم، التي قدمها بالتلفزيون، كثير من التقارب والتجارب الحياتية التي تحاكي مرحلة ما بعد “الخمسين”.

أدوار متعددة

في مسلسل “رأس الغول” الذي قدمه في رمضان الماضي، يعود الفتى الوسيم، الذي كشفت علامات وجهه عن تقدمه في العمر، حيث أتم عامه السبعين، إلى المطاردات البوليسية مجددًا لكن بشكل مختلف عن إطار التحقيق الرسمي الذي كان يلازم فيه المكتب في مسلسل “باب الخلق”، وكشفت المطاردات الدرامية هذه المرة عن حيوية الرجل، الذي أصر على تنفيذ مشاهد الحركة والجري بنفسه، دون الاستعانة بدوبلير (بديل).

تختلف تجارب محمود عبدالعزيز الدرامية عن زملائه الذين طالما وظفوا كتابا لهم، يؤلفون السيناريو ويوجهون الأحداث، بحيث يستولي النجم على النصيب الأكبر من المشاهد، وهو ما لم يلجأ إليه الساحر. لم يفرض ابنيه (محمد وكريم) على أعماله، بل هما اللذان كانا يبحثان عن تقديمه في الأفضل، من خلال شركة الإنتاج التي يمتلكانها، بالاشتراك مع المنتج ريمون مقار، والتي أنتجت أعماله الأخيرة.

كان للساحر فضل على العديد من الوجوه الجديدة، فمنحهم الفرص التي أدت إلى ذيوع صيتهم، بمجرد وقوفهم أمامه، ولم يكترث بما يردده البعض من زملائه من أن الشباب سوف يسرقون منه الكاميرا، ويؤثرون على نجوميته، وكان آخرهم الوجه الجديد مصطفى أبوسريع الذي لازمه طوال أحداث مسلسله “رأس الغول” وحقق نجاحًا باهرا، وسبقته في ذلك ياسمين صبري التي وقفت أمامه في “جبل الحلال”، وآخرون. بين سائق التاكسي، والفلاح البسيط، والساعي الذي يحمل “الكرتونة”، و”العجلاتي” وغيرها، وضع عبدالعزيز الواقع المصري دائمًا نصب عينيه، ورغم الهبوط والتخبط السينمائيين في أعقاب فوضى سينما المقاولات، فإنه لم يتأثر، واستطاع أن يبقى نجمًا متفردًا بفنه، ما منحه الثقة في الاحتفاظ بجمهوره العريض.

التلقائية أحد المقومات التي لا يحملها إلا القليلون من زملائه، هذه الصفة لم تجعله محبوبًا فقط لدى جمهوره، بل امتدت حتى إلى العاملين البسطاء معه في مواقع التصوير، حتى بات الساحر صديقًا لهم طوال فترة تصوير أي عمل فني. حتى بعد فراقه يبقى محمود عبدالعزيز تجربة فنية ثرية، مليئة بالرؤى السياسية والاجتماعية، لم يتعكر صفو علاقة الحب بينه وبين الملايين من محبيه طيلة حياته.

15