رحيل الشاعر التونسي الصغير أولاد أحمد أيقونة التونسيين

الأربعاء 2016/04/06
أولاد أحمد يرحل مودعا حب البلاد كما لم يحبها أحد

تونس - توفي الثلاثاء الشاعر التونسي الصغير أولاد أحمد عن عمر 61 عاما، إثر صراعه مع مرض السرطان الذي ألم به منذ سنتين.

في أبريل ولد وفي أبريل غادر الحياة، الخبر كان صادما للتونسيين والتونسيات، لمن عرف أولاد أحمد عن قربٍ شخصا وشاعرا، أو من قرأ قصائده، التي تحول بعضها إلى أيقونات ثورية رفعتها الحناجر واليافطات والجدران منذ أيام الثورة كتمائم في وجه الاستبداد. “نحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد”، هكذا قال الصغيّر، أحب بلده ونساء بلده “نساء ونصف”، كما كان يقول، أحب الشوارع والناس البسطاء وأخرج للعلن كل ما هو هامشي، فاضحا بؤس الأنظمة.

ولد محمد الصغير أولاد أحمد يوم 4 أبريل 1955 في سيدي بوزيد، بالوسط التونسي، وهي ولاية مهد الثورة التونسية في ما بعد، عاش الشاعر في بيئة فقيرة وقاسية وفي فترة تلت خروج الاستعمار الفرنسي، وبداية بناء الدولة التونسية.

بدأ تعليمه في كتّاب القرية، ثمّ دخل المدرسة الابتدائية بمنطقة النوايل في سيدي بوزيد وانتقل إلى ولاية قفصة لمواصلة تعليمه الثانوي. ثم انتقل إلى العاصمة التونسية حيث واصل دراسته بالمدرسة العليا لأطر الشباب بين 1975 و1977 وحصل على شهادة منشط شباب. ليكون في ما بعد مديرا لمؤسسة بيت الشعر قبل أن يغادرها.

قصائد أولاد أحمد منذ كتابه “جنوب الماء” فضحت المنظومة السياسية في تونس، حيث “لم ينتخب أحد من نجح”، كشف الفساد والتزوير، تحدث عن شوارع البلد في الليل وبراءة السكارى، كان الشاعر صوت كل رجل وامرأة، كان صوتا شجاعا يقف في وجه التيار ليدافع عن المظلومين والمتروكين في الظلال، يتحدث للعالم باسمهم، يقول وجعهم وأحلامهم، عواطفهم وهواجسهم المكتومة.

لم يتوقف أولاد أحمد عن دوره كشاعر مشاكس، بليغ، لا يصمت عن الحق ولا يتراجع عن قضاياه ومبادئه في أن يكون شاعر الناس، كما أنه لم ينس أبدا كتابة قريته ومسقط رأسه،في قصيدته المكتوبة نثرا أو في التفعيلة، كانت رحلة لغة إلى دواخل الأماكن محملة بحكايات ليلية، كانت تسخر وتحب وتغضب وتشاكس وتصرخ، كانت قصائد مليئة بالحياة حياة التونسيين.

نجح الصغير أولاد أحمد في كتاباته الشعرية مثل “الوصية” والنثرية كذلك في أن يكون الصوت الشعري الذي يصدح عن حناجر كل التونسيين وكل المهمشين في هذا العالم، كان ساخرا ناقدا لا يثني قصائده عن الحرية حاجز، وقد أمسى الشاعر أيقونة للثورة، التف حولها الجميع، محتمين بقصائده.

يكاد يكون الصغير أولاد أحمد الشاعر التونسي الوحيد الذي تمكن من أن يصبح ظاهرة شعبية بعد أبوالقاسم الشابي الذي نال شهرته بعد وفاته، فلا تجد رجلا طفلا أو امرأة حتى من غير المتعلمين، إلا ويعرف الشاعر، وقد يحفط بعض سطور من شعره.

عاش الشاعر رفقة التونسيين في مواصلات النقل، في الأنهج الخلفية، في المقاهي وفي الأسواق، لم يكن له برج العاج الذي كان لغيره من المترفعين عن أبناء جلدتهم، لذا أصلح أولاد أحمد صورة الشاعر في أذهان الناس، وصار مثالا للشاعر الصادق، المرهف والقوي في الآن نفسه، الساخر والجدي، الناقد والمحب. لذلك سيظل الصغير أولاد أحمد خالدا في ذاكرة التونسيين؛ شاعرهم وأيقونتهم التي لا يطالها النسيان.

14