رحيل الصكار آخر علماء الكاغد العراقيين

الأحد 2014/03/30
تحرير الصنعة من سلطان الصانع

يقول الخطاط الصوفي: ” إن القصبة لترتعش في يدي أول عمري، وفي آخره تبقى القصبة ثابتة ولكن قلبي يرتعش”، ولطالما كانت العلاقة ما بين الفكرة وصورتها والمعنى وتجسيده عند العرب، علاقة نور وظلام، تناقض وانسجام، أو إيمان ونكران، تحريم وحرية، ولم يكن ليفلت من تلك الصلة المضطربة سوى الخطاطون، إعجاز اللغة العربية مصوّرة وحرّاس جمالها المدوّن.

منذ ابن مقلة، وقبله علي بن أبي طالب، والأئمة الكبار في علم الحرف، ووصولاً إلى البغدادي الهاشمي الكبير، معلمنا جميعاً، ثم الصكّار، لم يتوقف الحرف العربي عن التدفق من بين أصابع هؤلاء، وكلما ازدادت رؤية الخطّاط خالف الصوفي، فلم تضق عبارته، بل توسّعت كما حدث مع الصكّار ذاته، الذي كثيرا ما وصف بالشمولي، بعد أن غادر العراق إلى عاصمة النور باريس، مختارا أو مضطرا، ولكنه أراد أن يضع موهبته وثقافته العريقة وسط دائرة الاهتمام العالمي.


نخلة من البصرة


من البصرة، التي خُرّبت وبخرابها تراجعت الثقافة العربية، وانحسرت، خرج الصكّار، بعد أن ولد في ديالى العتيقة في العام 1934، ناشئاً في بصرة السياب والنحو وشط العرب، ليشارك في الحراك الفكري والسياسي الهائل الذي عصف بالعالم العربي كلّه، بعد أن قدح شرره شبابٌ صاروا كواكب في الثقافة العربية والعالمية، ثم ينتقل إلى بغداد، طارحا ما لديه في السوق الفكرية والثقافية الكبرى، لينقل صورة سعف النخيل البصراوي إلى الكاغد، فيبتكر خطوطا جديدة، ولا يكتفي بالنقل عن السلف من “الأسطوات” الكبار، لتصبح مجلة “ألف باء” نافذة الثقافة العراقية ومدرسة الآداب والفنون التي خرّجت كثيرين، معرض الصكّار الأسبوعي، فلم يعد نخل البصرة وميناؤها حكرا على الواقع العراقي، بل صار بمتناول يد كلّ قارئ عربي وذائقته، ثم بعد قليل دخل في روع الرائي العالمي فأخذ الصكّار البصرة إلى العالم كما حلم يوما مجايله الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب، ليصدر ديوانه “أمطار” في العام 1962 ثم ديوانه الثاني “برتقالة في سورة الماء” في العام1968.


اتهم بالماسونية


كرم الصكار في معهد العالم العربي قبل أسبوع من وفاته، وهو على كرسي متحرك، فأعاد مقولته الشهيرة «حبري أسود فلا تطلبوا مني أن أرسم قوس قزح» مذكرا الجميع بأحوال العراق اليوم

كانت الكتابة حتى السبعينات، حكرا على تصوير الحروف، ونقلها إلى المطبوعات، الأمر الذي كان يفقدها حرارة الحقيقة، ويبقيها تحت هيمنة الخطّاط المتواري خلف ماكينات الطباعة، ولكن الصكّار بنقله الحروف إلى التنضيد، في مشروعه “الأبجدية العربية المركزة” حرّر جمال الصنعة، من سلطان الصانع، وأتاحها للناس، فأدخل التعديلات المطلوبة على الحروف العربية، في مختلف الخطوط لتلائم العمليات الفنية، كما في بقية الثقافات ولغات العالم، فاتّهم بالماسونية والاعتداء على لغة المصحف، وضغطت عليه أجهزة المخابرات العراقية، وأحاط به التقليديون، كما يحدث كل مرّة مع أي مجدّد مبتكر، ولكنه تمكن من إنجاح مشروعه حتى عمّ وصرنا جميعا نستخدمه في حياتنا اليومية وفي جميع أجهزة الكومبيوتر.


فلسفة الصكار


أسس الصكّار إضافة إلى منجزاته التقنية، فلسفة حروفية خاصة به، تتناول الحروف وضرورات حركتها، وتفسّر الاستقامات والامتدادات والانحناءات، تبريراً وظيفياً جمالياً وليس تقليدياً فقط، يقول: ” اعتمدت منهجا يقوم على دراسة العناصر الأولية المكونة لهذا الفن لغرض التعرف على طبيعتها وخصائصها وطاقاتها التي تنعكس على المصورة النهائية من حيث كونها عناصر مجردة، والخروج بالنتيجة إلى مجال التطبيق الممكن لها.

لأن الكلام العام على الخط العربي يبقى في حدود المنظر في ما هو كيان متكامل قائم بالفعل، مؤسس على عناصر مختلفة، فيها ما هو مجرد، وفيها ما هو فني مرتبط بمعايير فكرية أخرى. بعبارة أخرى: يبقى الكلام في حدود التعامل مع كيان منجز، كما لو كنا ننظر إلى صورة فوتوغرافية جميلة ونبدي رأينا فيها، دون التساؤل عن حالات الظل والضوء، وعن زاوية النظر، والمحاليل الكيميائية، والموجات اللونية، والتحكم الشخصي للفنان في هذه العناصر التي جاءت متكاملة في الصورة التي نراها”.

ويعتقد الصكّار أن مجرّد النظر إلى الخط العربي “يثير فينا أحاسيس مختلفة تتحكم في تكوينها ثقافتنا العامة ومزاجنا الشخصي، وذلك ما يبقي مغاليق هذا الفن محكمة وكأنها خلقت هكذا منذ الأزل”، ويضيف “الخط بمدلوله الهندسي ، خط يبدأ بنقطة وينتهي بنقطة، ذلك أن فن الخط العربي يقوم على هذا العنصر أساساً، وقد أخذنا قيمة واحدة من قيم هذا العنصر، وهي طاقته الحركية، لننظر إلى أي مدى تخدمنا هذه الطاقة في بناء لوحة خطية، وما هي حدود هذه الحركة واتجاهاتها التي تؤثر على الصورة النهائية للّوحة الخطية”.


الحروف بلا زخرف


حرر الصكار جمال الصنعة من سلطان الصانع، وأتاحها للناس، فأدخل التعديلات المطلوبة على الحروف العربية، في مختلف الخطوط لتلائم العمليات الفنية، كما في بقية الثقافات ولغات العالم، فاتهم بالماسونية والاعتداء على لغة المصحف

يرى الصكّار أننا إن جردنا عن أشكال الحروف “ما يلحق بها من عناصر الدلالة كالنقاط ورؤوس الحروف، ومن العناصر التزيينية الأخرى، مثل حلي الحروف التي لا تدخل ضمن القيمة الجوهرية للحرف، فلن يبقى لنا من الحرف إلا شكله العام الذي لا يختلف عن الأشكال التي تكونها حركة الخط الهندسي المجرد باتجاه ما، وهي أشكال هندسية معروفة، مستقيم، منحنٍ، وحالاتهما. وتكون الأشكال المتبقية بعد التجريد أشبه بالهيكل العاري لبناية في طريق الإنشاء، مهيأة لاستقبال أي مشروع تكميلي محتمل.. بمعنى آخر، إنه مشروع كينونة الحرف الذي يتحدد على أساسه شكله الدلالي، والهيئة الجمالية التي نريدها له، ويمكن للدلالة أن تتحقق بأبسط الأشكال، دونما حاجة إلى التزويق والتزيين. وهذا ما نراه في الكتابة البسيطة التي توصل رسالتها إلى العين، وتنتهي مهمتها عند هذا الحد. ذلك أن الدلالة لا تشترط الجمال، لأنها ليست قيمة في ذاتها، إنما هي إشارة أو إيماء أو تلميح أو معنى”.

ما الذي فعله الصكّار إذن؟ حين أبعد الزوائد والتزيين عن الحروف ليعيد النظر إليها من جديد، قارئاً محللاً كينونة الحرف الأولى، وليبدأ بخلق تكوينات جديدة أبعد بمسافات عما تمت وراثته عبر العصور، ويبدو الصكّار الشاعر أكثر غيرة على المعنى من حِرَفيّته كخطاط إذ يعلّل بأن ” المعنى هو الذي يحتمل أن يكون جميلاً أو لا يكون، في حين أن الجمال شرط لازم للفن، من جانبه الحسي لا المجرد، والحواس هي الكفيلة بتصنيف مستوياتها وفق الحالة المعرفية، إذن فالجمال مسألة أخرى، ليست من شروط الدلالة، وإنما من شروط الفن، ولكن إذا تحقق الوضع الدلالي ضمن جو جمالي، فإنه يضع أحاسيسنا في مرتبة أعلى، ويجعلنا إزاء قيمة إضافية للدلالة، تجعلها أكثر إثارة وتأثيراً، وهذا هو ما يعنينا في الخط العربي”.


تحريك الجمادات


بعد أن يقرّ الصكّار في فلسفته بأن الحرف ليس بوابة الجمال، ولكنه طريقه، يثبّت أن “أجمل الحركات هو ما قام على أساس طبيعي، أي ما نراه في الطبيعة من حركة، كحركة البشر والحيوانات والأشجار وغيرها، والجميل من بين هذه هو حركة الجسد الإنساني، لأنها يمكن أن تشتمل على أكثر من اتجاه في وقت واحد، كالماشي الذي تتجه إحدى رجليه وإحدى يديه إلى جهة ويده ورجله الأخريان إلى جهة أخرى. وهذه أبسط أنواع الحركة الإنسانية.

أما إذا شئنا أن نتقصى ذلك في أوضاع أخرى فسنجد حيوية عالية، وعذوبة وفتنة أخاذة يجب ألا نمر عليها بعجالة ودون تأمل. ومثالنا على ذلك حركة الجسم الراقص، وخاصة في التزحلق على الجليد، والباليه؛ حيث تتفجر طاقة الجسد الإنساني في هذين الفنين بأبرع أشكالها، حين يندفع أعلى الجسم إلى الأمام، وينسحب أسفله إلى الخلف، وكأن بعضه يجاذب بعضا”.


مصحف مفتوح


رأى الصكار في فلسفته الحروفية أن أكثر الحركات في الوجود عذوبة وفتنة هي الحركات الطبيعية كحركة الجسم الراقص في التزحلق على الجليد والباليه، حيث تتفجر طاقة الجسد الإنساني في هذين الفنين بأبرع أشكالها

لم يكرّم الصكّار في العراق كما يليق به، ولكن التكريم الكبير الذي ناله، من خلال أعماله وتأثيرها في النخب، وكذلك في الحياة العامة، أغناه عن كل تكريم تقدّمه سلطة أو حكومة أو جهة ثقافية وفنية، فهو الذي صنع بوابة مكة، على شكل مصحف مفتوح، لتكون بصمته الخالدة في المدينة الإسلامية الأكثر قداسة، وإن كان قد تم تكريم الصكّار في معهد العالم العربي قبل أسبوع من وفاته، وهو على كرسي متحرك، فإنه أعاد بمرارة مقولته الشهيرة “حبري أسود فلا تطلبوا مني أن أرسم قوس قزح” ليذكّر الجميع بأحوال العراق اليوم، وكان قد اختار لنفسه دوناً عن غيره من اليساريين، نهجاً أنيقاً، خالف فيه الفكرة الفولاذية القاسية التي طبعت أعمال جيله، ليذهب إلى المستدقات والرشاقة الراقصة في الحروف.. وفي الخلود.

وإن كان المعلّم الأكبر “ابن مقلة” والذي تولى الوزارة ثلاث مرات، لثلاثة خلفاء قد تم التآمر عليه كما حصل مع الصكّار، فقطع الخليفة الراضي بالله يده اليمنى، ثم أُلقيتْ في دجلة، فظل يبكي عليها دهوراً وهو يقول” قد خدمت بها الخلافة ثلاث دفعات لثلاثة من الخلفاء، وكتبت بها القرآن دفعتين، تُقطع كما تقطع أيدي اللصوص” ثم درّب نفسه ليكتب باليسرى، وروي أنه كان يربط القلم على ساعده اليمنى بعد قطع يده، وبقي في الحبس إلى أن مات فدُفن في دار السلطان ثم حُمل فدُفن في داره ثم أُخرج فدفن في مكان آخر.. إلا أن الصكّار اليوم كان قد أوصى بأن يُدفن في بغداد، وليس في أي مكان آخر، ولعل خوفه من رحلة معلّمه وإمامه الأكبر “ابن مقلة” المريرة، كان دافعه ليتأكد أنه لن يكون غريب الدار في موته كما كان في حياته.

11