رحيل العراقي راكان دبدوب فنان المرأة والمدينة

الفنان الحقيقي هو من ينحت لنفسه بصمة خاصة، ملتحما ببيئته ومتحررا منها في الآن نفسه، فيكون لسانها كما هو لسان حاله، هو الطفل الذي لا ينسى، والروح الطامحة دائما إلى الخلق والتجدد والحياة، وهكذا كان وسيظل الفنان العراقي، راكان دبدوب، الذي غادرنا مؤخرا.
الأربعاء 2017/02/15
فنان المدينة وشاعر الألوان

فقدت الحركة التشكيلية في العراق، الفنان راكان دبدوب، (مواليد الموصل /1941).. إثر مرض عضال ألم به. راكان دبدوب أحد الفنانين المجايلين لجيل الرواد، الذين أثروا مسيرته الإبداعية، التي بدأها هاويا وهو في الصف الثالث الابتدائي عام 1951، ليتميّز في ما بعد ويخط لنفسه تجربة فريدة منذ دراسته في معهد الفنون الجميلة ببغداد.

البعد الثالث

بعد إنهائه لدراسته الفنية في المعهد عام 1961، التحق بأكاديمية الفنون الجميلة في روما، وقد تخصص في نحت الخشب لمدة سنة واحدة بأكاديمية سان جاكومو في روما، ليواصل نشاطه بعد ذلك في دراسة عامة للفنون التشكيلية. وخلال السنوات الأربع في أكاديمية الفنون الجميلة بروما، كان دبدوب واحدا من أنشط الفنانين التشكيليين العراقيين، إن لم يكن أنشطهم جميعا، ولم يكن نشاطه كميا فقط، بل كانت معارضه الشخصية مراحلَ نوعية يبرز من خلالها بحث الفنان الدؤوب عن التجديد المستمر، حيث كان يهتم بمتانة البنيان للوحاته القوية والمترابطة، مما حدا ببعض المعلقين إلى القول إن راكان يرسم وكأنه ينحت، وبالفعل فقد كانت أعماله المنفذة بشكل خاص في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي، تمتلك من القوة والكثافة اللونية ما يوحي للناظر بأنها ذات بعد ثالث.

راكان دبدوب يبحث دائما عن التجديد ولا يحب التقليد أبدا، لذا خلق لنفسه ولفنه أسلوبا مميزا لا يستطيع أي فنان آخر أن ينافسه عليه

دبدوب واحد من أولئك الرسامين الذين تعاملوا مع الثقوب في جسد اللوحة باعتبارها عنصرا ثابتا في ذلك البناء، وهو ما كان يفعله عدد من الرسامين الذين كانت الثقوب بالنسبة إليهم عنصرا بنائيا وجوهريا في تشييد لوحاتهم، حيث إنه نحات يتعاطى الرسم. الكاتب والصحافي صبحي صبري، يصفه بأنه “عراقي معطاء، غزير الإنتاج، واقعي اللمسات، موهوب في التقاط المرئي أمامه. يجسد الحقائق بشكل تعبيري وفلسفي وحياتي. وهو مدرسة سيعطيها التاريخ مكانتها الكبيرة حين يسجل للفن شواخصه العالية. الفنان راكان دبدوب، فنان مسكون بالضوء والظل واللون وبمدينته الموصل. كاد الفن يأخذ حياته كلها. فهو عندما يغضب يرسم، وعندما يسعد يرسم، وعندما يضجر من الرسم يرسم. أدواته يده واللون، ومفرداته المرأة والموصل بقبابها وأزقتها وجوامعها وآثارها وتراثها. فهو نحات ويرسم، لذلك تأثير النحت ظاهر في لوحاته، خصوصا في تجاربه الأخيرة بعد المرحلة التجريدية الصرفة، فكل لوحة هي عبارة عن عالم يقدمه إلى المتلقي، هو فنان يرسم طريقه بثقة عالية لكي ينضمّ إلى حلقة المبدعين الكبار الذين يؤسسون لفن تشكيلي عربي”.

ويستذكره تلميذه عماد رمو، قائلا “لقد تعرفت على الفنان الوطني راكان دبدوب في بداية الثمانينات من القرن الماضي عندما كنت بجامعة الموصل طالبا في هندسة العمارة، حيث كان يدرسنا الرسم الحر لسنتين متتاليتين. عرفته أستاذا محبا للنشاط والتدريب والنظام، لم يغب يوما واحدا عن عمله لسبب ما، كان شعلة من النشاط والاستلهام. أما مرسمه في القسم فقد حوله إلى متحف تراثي جميل نستلهم منه لوحاتنا الأسبوعية. الشكل، الضوء، التناسب والملمس كلها عناصر تعلمناها من خلاله، من خلال تخطيطاته التي كان يشاركنا بها. حينما كان الفنان راكان يرسم، كنا نتجمع حوله لنرى كيف تنساب الأشكال والظلال على الورقة البيضاء من خلال الأقلام”.

رسم الفنان التشكيلي راكان دبدوب “مدينته” الموصل في لوحات كثيرة معبرة عن إحساس هذه المدينة. وانتقل بها من هوية وعمق وعمارة المدينة إلى تجريد كامل لبانوراما رؤيته المثالية لها. أخرجها من حلة المدينة الضبابية الشتائية بألوان داكنة حزينة، ومن عمق أزقتها التي تطول تحت سماء بلون الأرض، والتي ترتفع فوقها القباب الزرقاء والنوافذ الموصلية المغلقة، فنقلها إلى مدينة ربيعية هادئة في تكوين متماسك وانتقالات لطيفة بين المدينة والأفق في تكوين مثالي الشكل، قباب تُرفع منها الصلوات وأبواب مفتوحة للجميع، نوافذ مضاءة بألوان زاهية. مدينة خضراء، بسماء ذهبية زاهية بلونها وصفائها. والخطوط المائلة التي ترسم ظلال البيوت والجوامع تحولت إلى سطوح فأضافت عمقا جديدا وحادا إلى هذه المدينة.

بانوراما موصلية

راكان دبدوب واحد من أولئك الرسامين الذين تعاملوا مع الثقوب في جسد اللوحة، باعتبارها عنصرا ثابتا في ذلك البناء

مدينة دبدوب نجدها تلبس ثياب العيد وقد ابتهجت بهذه الألوان الرائعة. ندخل إلى قبابها وبيوتها، حيث انتقال رائع من المنظور الخارجي إلى المنظور الداخلي بمقطع معماري التكوين رائع في هندسته. لقد جمع الفنان في أعماله عنها بين تقنية اللون والشكل في جدارية رائعة تشع الفرح والبهجة من خلال نوافذها الملونة، وطيارات العيد الورقية مزجت حركة المدينة باستقرار التكوين، لقد أعاد راكان ذكرياته الطفولية عندما كان أطفال الحارة يتسابقون في الطيران بأحلامهم الورقية.

تحولت العمارة بعمقها إلى أشكال ثنائية الأبعاد وخطوط ترسم حدود هذه المدينة. أشكال أحادية المركز وأخرى بعدة مراكز أغلبها عمودية تتقاطع جميعها مع خط الأفق الوحيد الذي يقسم جداريته إلى جزأين: بنسبة ثلث للأرض وثلثين للسماء. ويبرز عمق المدينة من خلال الفوهات الكثيرة وامتزاج الشكل باللون والملمس في بانوراما موصلية. راكان دبدوب لا يرسم فقط في هذه اللوحات وإنما يعزف موسيقى من خلال الإحساس الذي يمزجه ويضعه في التكوين الكلي، والأجزاء وأشكالها، واللون وتدرجاته مع جدران تتمكن من لمسها، بحيث تشعر أحيانا بأنك تتجول في مدينه من خلال ريشته.

لقد خلد الفنان مدينته بسمفونيته التشكيلية التي ستبقى عالقة في ذاكرة التاريخ دائما. يبحث دائما عن التجديد ولا يحب التقليد أبدا، لذا خلق لنفسه ولفنه أسلوبا مميزا لا يستطيع أي فنان آخر أن ينافسه عليه. لقد درس شكل الفوهة كثيرا منذ أن كان طالبا في روما، وقام بتطويرها وأصبحت الفوهة مفتاحا وختما لجميع لوحاته، فقلما تجد لوحة له لم يختمها بفوهة أو أكثر، إنها الختم الأسطواني له. لقد رسم الطبيعة كما هي ورسم التاريخ كما هو في الكتب أيضا. يرسم الأشياء ويبسطها إلى درجة الكمال ثم يهب لها لونا وملمسا تشع منهما ألحان وأشعار، أكثر الشعراء المعاصرين هم من أصدقائه ومنهم نزار قباني نفسه ودواوينه التي حفظ منها الكثير.

كان راكان دبدوب يقول عن نفسه “أنا وجدت نفسي الآن، أرسم الأشياء التي أبحث عن غرابتها وأريد أن يكون رسمي غريبا”. وفي حديث آخر للفنان، في أحد معارضه، يقول “لوحات معرضي الجديد، ليست جديدة بالمعنى الحرفي، لأني اتخذت مسارا خاصا لأعمالي الفنية بصورة عامة، ولكن في كل معرض من معارضي الشخصية تجد شيئا جديدا يختلف تماما عن معارضي السابقة. وفي هذا المعرض حاولت إدخال أجزاء من الواقعية الفوتوغرافية، التي لها مساس بعناوين لوحاتي إلى جانب مفرداتي وتقنياتي المعروفة، باستخدام العجينة الثخينة وملمس سطح اللوحة الخشن والتكوينات الحديثة في إظهار المواضيع”.

وقد أكد أن “هذه العناصر التي هي قريبة من التغريب جعلتها تنسجم مع بقية مفردات اللوحة، مما يضفي على اللوحة معاني أخرى تؤجج ذهن المشاهد، فالمشاهد سيقرأ اللوحة ويتذوق موضوعاتها ويفتش في داخلها عن مفرداتها، هذا ما دفعني إلى إدخال هذه التقنيات في أعمالي الأخيرة المستمدة من الواقع بشكل ما، والمطابقة للطبيعة. فالتوليف والجمع بين هذين العنصرين في اللوحة الواحدة، يضفي بعدا إنسانيا كبيرا على اللوحة، وبالتالي على أعمالي الفنية”.

15